هل أصبحت مراكز البيانات العملاقة جزءا من بيئة الحرب الرقمية العالمية؟
يشهد العالم تحولا جذريا في طبيعة الصراعات الدولية وموازين القوى، حيث لم تعد الحروب تقتصر على الجيوش التقليدية والترسانات العسكرية، بل امتدت لتشمل الفضاء الرقمي والبنية التحتية التكنولوجية.
وفي قلب هذا التحول، يبرز الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا “السحابة الإلكترونية” كمحددات استراتيجية جديدة، مما جعل البيانات بمثابة المورد الأغلى في العصر الحديث. وقد دفع هذا التطور السريع القوى العالمية والشركات التكنولوجية الكبرى للتسابق نحو بناء مراكز بيانات عملاقة، لضمان التفوق في عالم باتت فيه القدرة الحاسوبية معيارا أساسيا للسيادة والنفوذ.
وفي هذا السياق، برزت منطقة الشرق الأوسط، وتحديدا دولة الإمارات العربية المتحدة، كنقطة جذب رئيسية لاستثمارات ضخمة من عمالقة التكنولوجيا مثل “مايكروسوفت” و”أوبن إيه آي” و”إنفيديا”.
ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، بدأت تطفو على السطح تساؤلات مثيرة ومخاوف حول الدور الخفي لهذه المنشآت التقنية. فبمجرد الإعلان عن هذه المشاريع الضخمة، قفزت إلى الأذهان سيناريوهات تتساءل عما إذا كانت هذه المراكز السحابية المتطورة ستتحول في أوقات الأزمات إلى غرف عمليات سرية، تدار منها حروب المستقبل عن بعد ضد دول إقليمية.
ويرى خبراء أنه بالرغم من أن القدرات التحليلية الهائلة لهذه المراكز قد توحي بإمكانية استخدامها كمنصات للتحكم العسكري المباشر، إلا أن آليات عمل الشبكات السيادية والأمنية تفرض واقعا مختلف.
وتعليقا على الموضوع، اعتبر الخبير في الذكاء الاصطناعي رشيد اشنين أن القول بأن الحروب يمكن أن تدار من مراكز البيانات العملاقة هو “مبالغة لا تصمد أمام التحليل التقني”. وأوضح في تصريح خص به جريدة “العمق”، أن الحقيقة تقع في المنتصف، حيث إن هذه المنشآت “ليست غرف حرب، لكنها أصبحت جزءا من بيئة الحرب”، وهو ما وصفه بـ”التحول الأخطر” الذي يشهده العالم.
وأوضح اشنين من الناحية التقنية أن مراكز البيانات، حتى تلك المدعومة من شركات مثل مايكروسوفت وأوبن إيه آي وإنفيديا، ليست مصممة لتكون منصات قيادة عسكرية مباشرة. وأضاف أن العمليات العسكرية الحساسة تدار عبر شبكات سيادية مغلقة ومنفصلة تماما عن البنى السحابية التجارية، وتخضع لمستويات أمن وتحكم فائقة الدقة.
وأشار الخبير ذاته إلى أن القيمة الاستراتيجية العالية لهذه المراكز تجعلها ضمن دائرة التهديد في أي صراع، حتى لو لم تكن تدير العمليات بشكل مباشر. وتابع أنه في عالم يعتمد على البيانات، فإن أي بنية تحتية تتحكم في تدفق المعلومات تصبح ذات “وزن سيادي”، ويمكن استخدامها كورقة ضغط عبر التلويح بتعطيلها، وهو ما قد يربك اقتصادات بأكملها دون إطلاق رصاصة واحدة.
وكشف المصدر من الناحية الجيوسياسية أن اختيار مواقع مثل الإمارات لبناء هذه المنشآت ليس “بريئا بالكامل”، لكنه لا يعني بالضرورة “عسكرة” هذه المراكز. وقال إن الهدف الأساسي هو بناء “نفوذ رقمي طويل الأمد” وتثبيت حضور في مناطق استراتيجية، حيث يستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة قوة ناعمة وصلبة في آن واحد.
وأكد اشنين أن الأسواق تعكس هذا الفهم المركب، حيث تستمر الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية بوتيرة متسارعة رغم التوترات، لأن من يملك القدرة الحاسوبية “يملك جزءا من المستقبل”.
وخلص الخبير في تصريحه إلى أن الخطر الأكبر يكمن في أن الحدود بين المدني والعسكري، وبين الاقتصادي والأمني، لم تعد واضحة كما كانت. وختم بالقول إن السؤال المحوري لم يعد فقط “من يدير الحرب”، بل أصبح “من يملك البنية التي تجعل إدارتها ممكنة”.
* الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
اترك تعليقاً