بين حرية الإبداع والمقدس.. “المطرود من رحمة الله” في مواجهة القضاء والعسري يرفض وصاية التكفير
أثار الشريط السينمائي “المطرود من رحمة الله” للمخرج هشام العسري موجة جدل واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، وذلك قبل أيام قليلة من موعد عرضه الرسمي بالقاعات السينمائية، المقرر في 8 أبريل الجاري، في سياق تفاعل متسارع بين مواقف رافضة للعمل وأخرى مدافعة عنه باعتباره تعبيرا فنيا يندرج ضمن حرية الإبداع.
وجاء هذا الجدل مدفوعا أساسا بمضامين المقطع الترويجي للفيلم، الذي جرى تداوله بشكل واسع عبر الوسائط الرقمية، حيث اعتبرته بعض الجهات متضمنا لمشاهد صادمة تمس بالثوابت الدينية والأخلاقية، في حين رأى آخرون أنه عمل فني يعتمد على أسلوب “الكوميديا السوداء” ويطرح قضايا حساسة بأسلوب نقدي.
وفي هذا السياق، أعلنت جمعية “ربيع السينما” أن رئاسة النيابة العامة قررت إحالة شكايتها المرتبطة بالمقطع الترويجي للفيلم على الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء في خطوة وصفت بالاستعجالية.
وأوضحت الجمعية، أن هذه الخطوة تأتي بالنظر إلى ما تضمنه المقطع من مشاهد يُشتبه في اندراجها ضمن أفعال مجرمة وفق القانون الجنائي، إضافة إلى ما اعتبرته تعارضا مع توجهات قضائية حديثة تجرم نشر مضامين إباحية في الفضاء الرقمي.
كما أشارت الجمعية في بلاغ توصلت “العمق” بنسخة منه، إلى أن المقطع يتضمن، حسب رصدها، إساءة لرموز دينية من خلال توظيفها في سياقات وصفت بغير الأخلاقية، من بينها مشهد لشخص يجسد “الشيطان” داخل فضاء يوحي بأنه مسجد، إلى جانب عبارات نابية باللغة الإنجليزية.
وبناء على ذلك، وجهت الجمعية تنبيها إلى المركز السينمائي المغربي بخصوص ما وصفته بخطورة منح “تأشيرة الاستغلال التجاري” للفيلم، في حال تبين أن مضمونه يتضمن نفس المشاهد موضوع المتابعة القضائية، معتبرة أن ذلك قد يضع الإدارة في وضعية تعارض مع توجهات النيابة العامة والسياسة الجنائية للدولة.
كما شددت الجمعية، على أن قاعات العرض السينمائي تظل فضاء عموميا خاضعا لمقتضيات النظام العام، ولا يمكن لأي ترخيص إداري أن يشكل حماية من المتابعة في حال ثبوت أفعال مخلة بالحياء أو ماسّة بالمقدسات الدينية.
ودعت في السياق ذاته إلى مراجعة مضمون الفيلم والتأكد من خلوه من المشاهد المثيرة للجدل، مع إلزام الجهة المنتجة بحذف أي مضامين قد تتعارض مع القانون.
من جهته، واجه المخرج هشام العسري هذه الاتهامات بهدوء مشوب بالانتقاد لما وصفه بـ “الأحكام القيمية المسبقة”، معتبرا في تصريح لـ”العمق”، أن ما يحدث هو أمر “غريب” لكنه لم يعد مفاجئا في السياق المغربي، الذي ينصب فيه البعض أنفسهم قضاة ويصدرون أحكاما على عمل لم يشاهدوه بعد.
ودافع العسري عن فلسفته الإبداعية مؤكدا أن “الفيلم الذي لا يثير الجدل والسجال لم يؤدّ وظيفته”، معتبرا الصدام مع المجتمع جزءا من العملية العلاجية التي يقدمها الفن، تماما كما يحرق الكحول الجرح ليطهره.
وانتقد المخرج ما وصفه بـ “الخطاب التكفيري غير المبرر”، مشددا على أن الإشكال الحقيقي يكمن في محاولة محاسبته على النوايا والأفكار بدلا من العمل الفني في ذاته.
وفي قراءة لا تخلو من خلفيات سياسية، ربط العسري بين توقيت الهجمة التي تعرض لها فيلمه وبين كوننا في “سنة انتخابية”، متهما جهات بسعيها لاستثمار هذا السجال السينمائي كمطية لتحقيق مكاسب سياسية وضمان حضور إعلامي على حساب الإبداع والمبدعين.
ودافع المخرج عن فيلمه الذي اعتبره ثمرة عقد من الزمن من البحث والاشتغال المضني، مشددا على رفضه القاطع لترك مصير مجهود فني طويل بيد من وصفهم بـ”السفهاء” الذين لا يملكون سوى لغة المنع والتحريض.
وعن قصة الفيلم، أوضح العسري أنها تندرج ضمن “الكوميديا السوداء”، وتدور حول كاتب فرنسي فاشل يعاني ضائقة مالية، يجد نفسه أمام فرصة لكسب المال عبر تنفيذ “فتوى” ضد كاتب آخر.
ومن خلال هذه الحبكة، يسعى الفيلم لتسليط الضوء على “وحش الاحتياج”، وكيف يمكن لأي إنسان، بعيدا عن الانتماءات الأيديولوجية، أن ينزلق نحو العنف عندما يوضع في مأزق مادي خانق.
اترك تعليقاً