مصير الحكم الذاتي في ظل الحرب الإيرانية
في عالم يتحرك بسرعة الإلكترون حول النواة، من المفروض إعادة تحليل الأوضاع كل جزء من الثانية؛ وإذا لم يكن ذلك ممكنا، فلا أقل من أن نُحين تقييم أهم ملفاتنا في ظل ما يمر به الشرق الأوسط من أحداث متلاحقة؛ فسقوط روسيا في أتون حرب أوكرانيا التي أنهكتها، وهو الحليف الرئيسي لنظام العسكر، وسقوط جوهر نظام المُعَمَّمين في إيران، وهو حليفها الاستراتيجي، جعل المجتمع الدولي يراجع طبيعة المعادلات التي طالما تعامل بها في شمال إفريقيا، خصوصا بعدما تأكد للجميع تورط إيران في محاولة غلق مضيق جبل طارق مستعملا ذراعه في المنطقة.
لقد أصبحت الجزائر وجها لوجه مع الولايات المتحدة الأمريكية في قضية الصحراء، بدون سند أو حليف، وبدون أقنعة أو أصباغ، ولعل الوجوه الشاحبة التي يظهر بها كل من “عطاف” و”تبون” و”شنقريحة” بعد كل جولة من جولات المفاوضات، تبوح بكل شيء، وتؤكد بأن استثمار خمسين عاما من عمر دويلة الجزائر اللقيطة قد ذهبت أدراج الرياح، وأن مئات الملايير من الدولارات التي أُنفقت على كيان إرهابي، قد ابتلعتها الثقوب السوداء الموجودة في قلب الصحراء.
قد يقول قائل: “بما أنه ليس هناك خيار آخر غير الحكم الذاتي، فلماذا لم يصرح القرار الأممي صراحة بذلك، فيقطع دابر الشك باليقين، بدل أن يترك الحبل على الغارب”؟
أجبناه: لأن الحكم الذاتي، بكل بساطة، ليس الخيار الوحيد.
فالحكم الذاتي ليس رغبة ذاتية للمحتضِن دون المحتضَن؛ وإنما هو رغبة طوعية مزدوجة لطرفين أرادا فكّ النزاع بشكل سلمي عبر الانصهار والاندماج، ومتى أبى هذا الحل أحد الطرفين حَرُم على الآخر؛ وبالتالي، فإن رفض منظمة البوليساريو للمقترح المغربي، أو تلكؤها في تطبيقه، محاولة بذلك إطالة أمد المفاوضات إلى حين أن تشرق الشمس من مغربها، سيجعل قرار الأمم المتحدة 2797، الذي يَعْتبر الحكم الذاتي الخيار الأكثر واقعية، أكثر واقعية.
سيقول قائل: “وما هو الخيار البديل إذن”؟
أجبناه بكل ثقة: إن ملف تصنيف البوليساريو منظمة إرهابية على طاولة الكونغرس الأمريكي، وعلى طاولة مجلس الشيوخ، خصوصا بعد تأكدت الإدارة الأمريكية من العلاقات السياسية والعسكرية بين الجبهة الانفصالية ونظام “الملالي”، الذي كان ينتظر ظهور المهدي المنتظر، إلا أنه، للأسف الشديد، بعد الضربات الموجعة التي تلقاها، لم يعد ينتظر سوى ظهور المرشد الأعلى الجديد “مجتبى الخامنئي”، فك الله أسره.
هكذا سيبدأ الموسم الثاني، والأخير، من مسلسل الصحراء المغربية، وهكذا ستنطلق مراسيم الحل الأقل واقعية، في نظر الأمم المتحدة، لكنه في نظر أمريكا، الأكثر واقعية من منطلق أنه الوحيد قابل للتطبيق؛ فبعد أن تُعلَن الجبهة كيانا إرهابيا، وستُعلن، ستصنف الجزائر دولة راعية للإرهاب، وسوف تلحقها العقوبات التي ستشل أطرافها وتقلم أظافرها، وليس من المستبعد أن تتعرض إلى ضربات عسكرية تشل حركتها المشلولة أصلا، الأمر الذي قد يغير نظامها الديكتاتوري، ومما لاشك فيه، أن “شنقريحة” سيقوم ذات صباح ليغير حفاظاته كالعادة، إلا أنه سيفاجأ بخبر مفاده أن القوات المسلحة الملكية قد اجتاحت المنطقة العازلة، وأن السلاح المغربي قد أغلق ملف الصحراء إلى الأبد، أما ملف ساكنة جمهورية تندوف، فلن يعود آنذاك شأنا مغربيا؛ بل هو يومئذ شأن جزائري صرف؛ إلا إذا بدأنا مفاوضات الصحراء الشرقية المغربية.
اترك تعليقاً