منتدى العمق

حين لا يعكس المنتدى صوت القسم

في كل مرة يُنظم فيها المنتدى الوطني للمدرس، يُطرح سؤال جوهري: هل ما يُقال داخل هذه الفضاءات يعكس فعلا ما يعيشه الأستاذ داخل القسم، أم أنه يكتفي بتقديم صورة مُلطّفة عن واقع أكثر تعقيدا؟

من حيث المبدأ، يُفترض في هذا المنتدى أن يكون منبرا حقيقيا لنقل انشغالات الميدان، وفرصة لإسماع صوت الأستاذ باعتباره الفاعل المباشر في العملية التربوية. غير أن ما يُلاحظ، في كثير من الأحيان، هو وجود مسافة واضحة بين الخطاب المعلن والواقع المعاش.

عدد غير قليل من الأساتذة المشاركين لا ينقلون صورة دقيقة عن الإكراهات اليومية، بل يميلون إلى تبني خطاب عام، يغلب عليه الطابع الرسمي، ويبتعد عن طرح القضايا الجوهرية كما هي. وهنا تضيع فرصة ثمينة لفتح نقاش صريح حول مشاكل حقيقية، مثل الاكتظاظ، وضغط المناهج، وتحديات التدبير اليومي داخل الفصل.

إن هذا الوضع لا يرتبط فقط باختيارات فردية، بل يعكس أيضا طبيعة الفضاء ذاته، حيث تُصبح المجاملة أحيانا بديلا عن الصراحة، ويُفضَّل الخطاب ”المقبول‟ على حساب الحقيقة. والنتيجة أن صورة المدرسة التي تُنقل لا تعكس بالضرورة واقعها، مما قد يؤدي إلى بناء تصورات وإصلاحات بعيدة عن الميدان.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود أصوات تربوية جادة تحاول، رغم كل شيء نقل الحقيقة دون تحريف بعيدا عن أولئك الذين يحاولون وضع مساحيق التجميل على شيء لا يمكن تلميعه بالكريمات. غير أن هذه الأصوات تظل في حاجة إلى فضاء أوسع من الحرية، وإلى إرادة حقيقية تُشجّع على النقاش المسؤول بدل الاكتفاء بالخطاب الشكلي.

بكل أمانة إصلاح التعليم لا يمكن أن يتم عبر صورة منقوصة أو مُجمَّلة للواقع، بل يبدأ أولا بالاعتراف الصريح بمكامن الخلل، وبالإنصات الحقيقي للأستاذ داخل القسم، فالممارسة اليومية تظل المصدر الأصدق لأي تشخيص سليم، فالرهان اليوم ليس فقط في تنظيم منتديات جديدة، بل في جعلها أكثر صدقا وجرأة، قادرة على احتضان الاختلاف، وتشجيع الكلمة المسؤولة. لأن المدرسة لا تحتاج إلى من يُلمع صورتها، بقدر ما تحتاج إلى من يملك الشجاعة ليقول الحقيقة دون تزوير أو بهتان.

* محمد شيوف، أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *