هل تجاوزت السنغال الخط الفاصل بين السياسة وكرة القدم؟
ظهرت الرياضة في التاريخ البشري أول مرة كنشاط منظم وواضح القواعد عند الإغريق، حيث اصطلح على تلك المنافسات التي كانت تنظم بينهم بـالألعاب الأولمبية، وهي التسمية التي ما تزال حاضرة إلى اليوم في الألعاب الأولمبية المعاصرة. ولم تكن الغاية من هذه الألعاب مجرد التنافس، بل كانت أيضا محاولة لخلق قدر من المودة بين الشعوب اليونانية المتناحرة.
أما كرة القدم فقد ظهرت في صيغتها الحديثة عند الإنجليز، وكان الهدف منها في البداية خلق روح رياضية قائمة على الترفيه والتنافس الشريف وتنمية روح الانتماء الاجتماعي . غير أنها مع تطور الفكر الرأسمالي تحولت تدريجيا إلى سلعة رياضية تستقطب العديد من الزبناء، وأصبحت صناعة قائمة بذاتها تخدم منطق السوق وااستثمار. ومن هنا اكتسبت كرة القدم مكانة تتجاوز المجال الرياضي لتغدو إحدى أهم أدوات القوة الناعمة للدول.
أما في القارة الإفريقية، حيث لا تزال مجموعة من الدول تعاني بدرجات متفاوتة من التبعية الاقتصادية وأحيانا السياسية، فقد ارتبطت كرة القدم داخلها بمجموعة من الاختلالات والفضائح منذ انطلاق أول نسخة من كأس إفريقيا سنة 1957، سواء في التنظيم أو التحكيم أو في ما يتعلق بعمليات التأثير في النتائج.
ومن بين هذه الفضائح، تتويج منتخب السينغال بطلا لنسخة 2025 بعد انسحابه من اللقاء.
فبالرجوع إلى القوانين المنظمة للمسابقة الصادرة عن الاتحاد الإفريقي ، وبالضبط المواد 82 و83 و84 من لوائح المنافسة نجدها تنص على أن الفريق الذي ينسحب من المباراة أو يرفض مواصلتها دون إذن الحكم يعد منهزما ، وتسجل عليه الخسارة القانونية مع إمكانية إقصائه من المنافسة أو سحب اللقب منه إذا تعلق الأمر بمباراة حاسمة أو نهائية، في ظرف 48 ساعة على الأكثر.و مع ذلك، تأخر الحسم في هذا الانسحاب الذي ظل يراوح دهاليز الاتحاد الإفريقي شهرين كاملين قبل أن يتم سحب الكأس من السنغال واعتبار منتخب المغرب منتصرا بثلاثة لصفر.
لم تكن الإشكالية الكبرى في القرار الرياضي بحد ذاته، بل في تدخل الحكومة السنغالية التي أعلنت رفضها للحكم، متجاهلة بذلك مبادئ راسخة في المنظومة الرياضية الدولية. إذ تؤكد لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم واللجنة الأولمبية الدولية على ضرورة استقلالية الهيئات الرياضية ومنع أي تدخل حكومي في شؤونها، حفاظا على مبدأ الفصل بين السياسة والرياضة.
بل إن الأمر تجاوز ذلك إلى تدخل أعلى سلطة في البلاد، رئيس الدولة باسيرو ديوماي فاي، الذي نشر صورة مستفزة على حسابه في وسائل التواصل الاجتماعي، في موقف أثار الكثير من علامات الاستفهام. الأمر الذي يدفعنا إلى محاولة فهم وتفسير هذه الظاهرة في السياق الإفريقي، باعتبارها سلوكا سياسيا يتجاوز الإطار الرياضي ويستدعي قراءة أعمق لدلالاته وخلفياته.
وعند البحث في البروفايل السياسي للسيد الرئيس اتضح لنا من خلال عدة مؤشرات (لا يسع المجال هنا لذكرها) أنه يمثل تيارا شعبويا في السياسة الداخلية لدولة السنيغال، وهو ما يفسر إلى حد بعيد توظيف مثل هذه القضايا الرمزية لكسب مزيد من الشعبية في الاستحقاقات الانتخابية . غير أن المفارقة تكمن في أن المغرب يعد من أهم الحلفاء الاستراتيجيين لدولة السنغال في إفريقيا، وقد بلغت العلاقات بين البلدين مستوى عاليا من النضج والتعاون، خاصة خلال فترة الرئيس السابق ماكي سال.
لذلك يبدو، وفق تحليلنا الخاص، أن ما يجري ليس سوى محاولة لتسجيل أهداف سياسية في ملعب الرياضة، خدمة لحسابات داخلية وانتخابية، رغم الإدراك المسبق بأن الكأس لم تعد كأس السينيغال بقوة القانون الرياضي الإفريقي والدولي.
وفي الأخير، إذا كان فيلم انسحاب السنغال من نهائي كأس إفريقيا يبدو وكأنه مشهد درامي مكتمل العناصر، فإن الفصل الأخير منه سيحسم أمام محكمة التحكيم الرياضية “الطاس”، حيث سيكشف حينها إن كان الأمر مجرد خلاف رياضي عابر، أم فضيحة كروية وسياسية بكل ما تحمله الكلمة من معنى خاصة وأن تقارير صحفية تشير إلى أن شركة الإنتاج السينمائي نتفلكس قامت بتوثيق وتسجيل مختلف المشاهد المرتبطة بهذا النهائي.
اترك تعليقاً