الساعة المشؤومة.. جدل شعبي وصمت حكومي
بين شرائح مجتمعية واسعة تطالب بالعودة إلى الساعة القانونية للمملكة، المطابقة لتوقيت غرينتش، وحكومة تختار سياسة الآذان الصماء، تصر عقارب الساعة أن تدور وتتحرك ضد الإرادة الشعبية، محدثة حالة من القلق والارتباك والاضطراب الصحي والنفسي والسلوكي والاجتماعي والتربوي والتعليمي، كانت كافية لتوحد المغاربة قاطبة بصغارهم وكبارهم، حول مطلب إلغاء الساعة الإضافية والعودة التي لا محيد عنها، إلى “توقيت غرينتش”، لدواعي صحية ونفسية وبيولوجية واجتماعية، لايمكن البتة، أن يصمد أمامها، أي دافع “اقتصادي” أو “سياسي” أو “طاقي”، لأن صحة المغاربة وسلامتهم النفسية والاجتماعية، تبقى فوق كل اعتبار؛
في ظل غياب القرار السياسي الذي من شأنه الاستجابة لنبض المغاربة ورفع الضرر الحال عليهم، وأمام هيمنة واقع التجاهل وعدم الاكتراث من جانب الحكومة التي تكتفي بالصمت الحاد، تواصل الحملة الوطنية من أجل العودة إلى الساعة القانونية، حشد الدعم الشعبي، في ضوء الاتساع المستمر لقاعدة الموقعين على العريضة الإلكترونية، وهذه المبادرة، بقدر ما تعكس حقا من الحقوق الأساسية التي خولها دستور 2011ـ للمواطنات والمواطنين وجمعيات المجتمع الوطني، من باب المشاركة في إنتاج القرارات والسياسات العمومية وتجويدها، ونقل المشاكل العمومية إلى السلطات العمومية، بقدر ما تعبر عن صرخة مجتمعية في وجه كل من يعبث بصحة المغاربة واستقرارهم النفسي والاجتماعي، واحتجاج شعبي، على كل السياسات والتشريعات، التي لا تساير نبض الشارع المغربي، ولا تعبر عن مطالب واحتياجات وانتظارات المغاربة؛
مطلب العودة إلى “توقيت غرينتش” تجاوز حدود العريضة الإلكترونية التي حصدت عشرات الآلاف من التوقيعات، وانتقل إلى غرفة البرلمان، بل وتحول إلى نقاش يومي متعدد الزوايا والمستويات في المنازل والمدارس ومقرات العمل والمقاهي والمطاعم…، وفي هذا الإطار، وحتى في غياب لغة الأرقام والمعطيات، فنكاد نجزم، أن عموم ما لم نقل كل المغاربة، يتقاسمون مطلب إلغاء الساعة الإضافية، التي لم تحمل إليهم، إلا القلق والاضطراب النفسي والاجتماعي والسلوكي، مقارنة مع الوضع الذي كانوا عليه طيلة شهر رمضان في حضرة “ساعة غرينتش”، ويكفي استحضار حالة مئات الآلاف من التلاميذ الذين يغادرون المنازل إلى المدارس في جنح الظلام، سيما في فصل الشتاء، وهم شبه نائمين، وحالات النوم التي يتم تسجيلها في أوساط شرائح واسعة منهم داخل الفصول الدراسية، بسبب قلة النوم، وضعف الجاهزية والاستعداد لدى الكثير منهم، والتأخرات والغيابات خاصة في الفترات الصباحية، ويكفي تأملالكثير من الموظفين والعمال والمياومين، الذين يغادرون إلى مقرات عملهم، في وضعيات صحية، مطبوعة بالقلق والتوتر وضعف الجاهزية، فضلا عن تنامي منسوب السلوك الموسوم بالتوتر والعنف، بسبب الاضطرابات الصحية والنفسية الناتجة عن الساعة الإضافية، وكلها أعراض من ضمن أخرى، بسطها الكثير من الأطباء والفاعلين الاجتماعيين والنفسيين والتربويين، الذين حذروا من فاتورة الاستمرار في التوقيت المعتمد، على صحة المغاربة واستقرارهم النفسي والاجتماعي؛
وفي هذا الإطار، من غير اللائق سياسيا وأخلاقيا، أن تبقى الحكومة غائبة عن المشهد المجتمعي، أو مصممة على وضع الشعب أمام واقع “الساعة المشؤومة”، دون اعتبار لحالة الجدل التي أثارتها وتثيرها، ودون تقدير تداعياتها على صحة المغاربة أفرادا وجماعات، وهذا السلوك السياسي غير الحميد، لا يعاكس فقط، مطلبا شعبيا وجماهيريا وحد مختلف طبقات وفئات المجتمع المغربي، بل ويعمق الهوة بين الحكومة والمجتمع، ويقوي الإحساس الفردي والجماعي بفقدان الثقة في السياسة، ويضرب في الصميم الانتخابات والديمقراطية التشاركية والسيادة الشعبية ومصداقية المؤسسات التمثيلية والهيئات المنتخبة؛
الساعة الإضافية المفروضة على المغاربة مع سبق الإصرار، ما هي إلا مرآة عاكسة، لسياسات وتشريعات وقرارات سياسية، لا تساير نبض المجتمع المغربي، ما يجعلها مقوية لأحاسيس الرفض والغضب والسخط والاستنكار، وماسة بالسلم الاجتماعي والأمن القانوني، ومهددة لتماسك اللحمة الوطنية، كما حدث بالنسبة لقوانين مصيرية سترهن مستقبل المغاربة لسنوات، من قبيل المسطرتين المدنية والجنائية والقانون التنظيمي للإضراب، وكما سيحدث بالنسبة للإصلاح الذي سيطال نظام التقاعد في قادم الأشهر، حيث تتجه الحكومة إلى تمــريرثالوثها “الملعون” مستندة إلى أغلبيتها البرلمانية، دون اعتبار لحقوق ومصالح الموظفين، ودون تقدير حجم التداعيات المباشرة على أوضاعهم المادية والاجتماعية والنفسية، ما لم تبل النقابات البلاء الحسن في هذه المعركة المصيرية، وما لم تتحمل الحكومة، مسؤوليتها كاملة، في بلورة إصلاح شمولي يحظى بالقبول والإجماع، تراعى فيه المصلحة الفضلى للشغيلة؛
وبالرجوع إلى الساعة المشؤومة، يحق التساؤل عن الدافع الحقيقي الذي فرض على الحكومة السابقة استعجال تغيير عقارب ساعة غرينتش خارج قاعدة الإجماع، كما يحق التساؤل عن السبب أو الأسباب التي جعلت الحكومة الحالية، تطبع مع العقارب وترسمها، دون أن تكون لها جرأة التغيير، انسجاما مع الاتجاه المجتمعي العام، الرافض لهذه الساعة المثيرة للجدل؟
وفي هذا الإطار، ومهما حاولنا وضع الأصبع على الدافع أو الدوافع الحقيقية التي تحكمت في ترسيم ساعة الجــدل، فنرى حسب تقديرنا، أن صحة الأفراد والجماعات وراحتهم النفسية، تبقى أم الأولويات، ولا يمكن البتة، المساس بها أو تهديدها، مهما كان الدافع، وفي هذا الصدد، إذا كان البعض، يربط اعتماد الساعة الإضافية، بمبررات واعتبارات اقتصادية وتجارية صرفة، فلا يمكن إلا أن نكون مرحبين بالاستثمارات الخارجية لدورها في كسب رهانات الصعود والتحول التنموي، لكن في ذات الآن، غير مقبول، أن نربك مجتمعا بأكمله، ونفرض على مواطنيه، نمط عيش موسوم بالقلق والتوتر والارتباك، باسم الاستثمار أو العلاقات التجارية، ولا يستوي التأثير على المزاج الفردي والجماعي، والإسهام في إحداث حالة من الارتباك المجتمعي، مقابل إرضاء رغبات بعض الزبناء التجاريين …
والمطلوب اليوم من الحكومة، أن تستحضر الاتجاه العام الرافض للساعة المشؤومة، وأن تستشعر تداعيات التوقيت المعتمد على الصحة العامة، وعلى تماسك اللحمة الوطنية، في سياق داخلي، مطبوع بحمى الأسعار وارتفاع تكاليف العيش، وتنامي منسوب فقدان الثقة في السياسة والفاعلين فيها، وسياق خارجي موسوم بالقلق والتوتر واللايقين، وفي المجمل، فقرار حكومي مسؤول، يكفي لرفع الضرر على المغاربة قاطبة، ويجنب البلاد والعباد، حالة من الجدل والقلق والاضطراب، كان بالإمكان تفاديها، لو حضرت الحكمة والمسؤولية والتبصر، وحضر ت معها قيمة احترام الإرادة الشعبية؛
والأمل أن تخرج الحكومة من المنطقة الرمادية، وتتخذ ما هو ممكن من التدابير، التي من شأنها الدفع في اتجاه إعادة عقارب الساعة إلى سالف عهدها، ليس فقطـ، تجاوبا مع نبض الشارع المغربي، بل وحرصا على صحة المغاربة، وتحريرا لهم من سجن الساعة المشؤومة، التي حولت معيشهم اليومي، إلى حالة مستعصية من القلق والتوتر والاضطراب، الأمل أن تكون الحكومة التي اقتربت من محطة النهاية، معنية بهموم المغاربة، وحريصة كل الحرص على مصلحتهم الفضلى، وإلإ ما الغاية من الانتخابات وما الجدوى من المؤسسات والسياسات؟ ما لم تكـــــن محترمة للشعب، ومتفاعلة مع نبضه، ومعبـــرة عن مصالحه وقضاياه …
اترك تعليقاً