كيف يمكن لطهران أن تُنهي الحرب دون أن تبدو مهزومة ؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه ويمنع حرباً بلا نهاية

منذ اندلاع المواجهة بين إيران من جهة ، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى ، لم يكن الانطباع السائد داخل إيران أنها تخوض حرباً اختارتها ، بل حرباً فُرضت عليها. ورغم القصف المكثف الذي استمر أسابيع طويلة ، وما صاحبه من خسائر بشرية ومادية جسيمة ، لم يتحقق الهدف المعلن للضربات ، وهو إضعاف بنية الدولة الإيرانية أو إحداث خلخلة تؤدي إلى سقوطها.
على العكس ، أظهرت مؤسسات الدولة الإيرانية قدرة عالية على امتصاص الصدمة ، والحفاظ على تماسك القيادة ، والاستمرار في الرد العسكري والسياسي بصورة منضبطة ، حتى مع استهداف منشآت حساسة واغتيال شخصيات بارزة. هذا الصمود خلق شعوراً داخلياً بأن ميزان الإرادة يميل لصالح طهران ، وأن الطرف الذي بدأ الحرب لم ينجح في فرض شروطه.
هذا الشعور بالقوة دفع قطاعات واسعة من الرأي العام الإيراني إلى تفضيل استمرار المواجهة بدلاً من البحث عن مخرج تفاوضي سريع ، باعتبار أن التراجع الآن قد يُفسَّر كتنازل في لحظة تفوق معنوي. ومع تصاعد الغضب الشعبي ، وارتفاع سقف الشعارات الرافضة لأي مساومة ، أصبح الحديث عن التفاوض يُنظر إليه بشكوك كبيرة داخل المجتمع. لكن في المقابل ، فإن استمرار الحرب يحمل ثمناً باهظاً لا يقتصر على الخسائر العسكرية ، بل يمتد إلى البنية التحتية المدنية والاقتصاد الوطني وحياة المدنيين ، ويزيد من احتمالات اتساع رقعة الصراع لتشمل أطرافاً إقليمية ودولية أخرى.
من هذا المنطلق ، يصبح السؤال الحقيقي ليس كيف تُواصل إيران الحرب، بل كيف تنهيها بطريقة تحافظ فيها على ما تعتبره مكاسب سياسية ومعنوية ، وتمنع في الوقت نفسه تكرار السيناريو نفسه في المستقبل القريب. أي اتفاق محتمل لن يكون مقبولاً في طهران إذا بدا وكأنه تراجع تحت الضغط، بل يجب أن يُقدَّم داخلياً باعتباره نتيجة لصمود طويل فرض واقعاً جديداً على خصومها.
في هذا السياق ، يمكن تصور إطار اتفاق يعتمد على مبدأ المعاملة بالمثل. إيران يمكن أن تعرض قيوداً واضحة ومحددة على برنامجها النووي ، بما في ذلك خفض مستويات التخصيب والقبول برقابة دولية موسعة ، مقابل رفع شامل للعقوبات الاقتصادية التي خنقت اقتصادها لسنوات. كما يمكن أن يكون فتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومتبادلة جزءاً من هذا التفاهم ، بحيث تُضمن حرية الملاحة لجميع الأطراف ، بما فيها إيران نفسها التي عانت عملياً من قيود غير مباشرة على تجارتها بسبب العقوبات.
إضافة إلى ذلك ، يمكن أن يشمل الاتفاق معاهدة عدم اعتداء متبادل بين إيران والولايات المتحدة ، تلتزم فيها الأطراف بعدم استخدام القوة أو التهديد بها مستقبلاً. مثل هذه المعاهدة ستكون ذات قيمة رمزية كبيرة داخل إيران ، لأنها تعني اعترافاً عملياً من واشنطن بسيادة الدولة الإيرانية وحقها في الوجود دون تهديد دائم. كما يمكن أن تُفتح أبواب تعاون اقتصادي محدود وتدريجي، خاصة في مجالات الطاقة والتكنولوجيا ، بما يعود بفوائد مباشرة على الشعب الإيراني ، ويُظهر أن نهاية الحرب جلبت مكاسب ملموسة.
التجربة التاريخية للعلاقات بين البلدين تفسر حجم انعدام الثقة. من إدراج إيران ضمن “محور الشر” بعد تعاونها غير المعلن ضد تنظيم القاعدة في أفغانستان ، إلى الاتفاق النووي عام 2015 الذي انهار لاحقاً بعد انسحاب واشنطن منه ، وصولاً إلى سياسة “الضغط الأقصى”، تراكمت لدى الإيرانيين قناعة بأن أي اتفاق قد يُلغى بقرار سياسي في واشنطن. لذلك ، فإن أي تسوية جديدة ستحتاج إلى ضمانات دولية أوسع ، ربما بمشاركة قوى كبرى وأطراف إقليمية، لضمان استمراريتها وعدم تحولها إلى ورقة داخلية في السياسة الأمريكية.
الحرب الحالية كشفت أيضاً حقائق إقليمية مهمة. دول الخليج التي راهنت لعقود على المظلة الأمنية الأمريكية وجدت نفسها فجأة في قلب التوتر، مع استخدام قواعد على أراضيها في عمليات عسكرية لم تكن ترغب في الانخراط المباشر فيها. هذا الواقع قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية إقليمية جديدة تشارك فيها إيران ودول الخليج ، تقوم على مبدأ عدم الاعتداء والتنسيق الأمني المشترك ، بدلاً من الاعتماد الكامل على قوى خارجية.
في الوقت نفسه ، أظهرت الحرب أن التكنولوجيا النووية لم تكن رادعاً كافياً لمنع الهجوم ، بل ربما كانت أحد مبرراته. هذا قد يدفع صناع القرار في طهران لإعادة التفكير في جدوى بعض المسارات، والتركيز أكثر على عناصر القوة الداخلية ، وعلى بناء منظومة ردع سياسية واقتصادية واجتماعية ، بدلاً من الاعتماد المفرط على التوازنات العسكرية وحدها.
أي اتفاق سلام شامل سيكون أكثر صعوبة من مجرد وقف إطلاق نار، لكنه أيضاً أكثر استدامة. وقف إطلاق النار قد يوقف القتال مؤقتاً ، لكنه يترك جذور الصراع كما هي ، ما يجعل عودة المواجهة مسألة وقت. أما اتفاق السلام، فيعالج القضايا الأساسية التي صنعت العداء لعقود ، ويحوّل الصدمة العسكرية إلى فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين الطرفين.
في النهاية ، التحدي الأكبر ليس في صياغة بنود الاتفاق ، بل في قدرة كل طرف على تسويق هذا الاتفاق داخلياً باعتباره إنجازاً لا تنازلاً. إيران تحتاج إلى أن تقول لشعبها إنها أنهت الحرب وهي في موقع قوة ، والولايات المتحدة تحتاج إلى أن تُظهر أنها حققت استقراراً دائماً دون الانجرار إلى حرب مفتوحة مكلفة. عند هذه النقطة فقط، يمكن للحرب أن تنتهي بطريقة تقبلها طهران، ويقبلها في الوقت نفسه خصومها، باعتبارها مخرجاً من صراع أثبت أنه بلا نهاية عسكرية واضحة.



