جزيرة خرج .. الهدف الذي قد يتحول إلى فخ استنزاف للقوات الأمريكية

✍️ يوحنا عزمي
الحديث المتصاعد في واشنطن حول خيارات الضغط العسكري ضد إيران لم يعد يقتصر على الضربات الجوية أو الرسائل الردعية التقليدية ، بل بدأ يتسلل إلى دوائر النقاش سيناريو بالغ الحساسية يتعلق بإمكانية تنفيذ إنزال على جزيرة خرج ، القلب النفطي النابض لإيران في مياه الخليج.
اللافت أن التحذيرات الأشد من هذا السيناريو لا تصدر من خصوم واشنطن ، بل من داخل الولايات المتحدة نفسها ؛ من مؤسسات إعلامية وبحثية تحذر بصوت عال من أن أي محاولة للسيطرة على هذه الجزيرة قد تتحول إلى كارثة عسكرية مكتملة الأركان للقوات الأمريكية.
الصور الفضائية والتحليلات التي تناولتها تقارير في سي إن إن تشير إلى أن إيران لم تتعامل مع خرج باعتبارها هدفاً محتملاً فحسب ، بل باعتبارها ساحة معركة مؤكدة يجري تجهيزها منذ سنوات. تحصينات ساحلية ، نطاقات ألغام ، تجهيزات دفاعية موزعة بدقة على الشريط الساحلي ، وكلها تعني أن لحظة ملامسة أي قوة مهاجمة للشاطئ ستكون بداية الاشتباك الأعنف ، لا نهايته. الشاطئ نفسه يتحول في هذه القراءة من نقطة عبور إلى مصيدة.
تحليل نشره موقع ريسبونسيبل ستيت كرافت ذهب إلى توصيف أكثر حدة ، معتبراً أن محاولة الاستيلاء على الجزيرة ستخلق “منطقة قتل” ضيقة ومركزة ، حيث تتكدس القوات المهاجمة في مساحة محدودة تحت نيران كثيفة من اتجاهات متعددة.
المقارنة التي استُحضرت مع أحداث فيلم بلاك هوك داون لم تكن للدراما ، بل للإشارة إلى سيناريو تتعقد فيه المهمة بعد الهبوط ، لا قبله ، حين تتحول القوات إلى أهداف ثابتة في بيئة معادية بالكامل.
التحذير ذاته تكرر في قراءة نشرها موقع ذا هيل المقرب من دوائر الكونغرس ، حيث أشار إلى أن إيران في حال وقوع إنزال ستستخدم مزيجاً من الصواريخ الساحلية ، والطائرات المسيرة، والألغام، والقصف المستمر من البر الرئيسي ، بما يجعل أي قوة على الجزيرة تحت ضغط ناري دائم لا يتيح لها تثبيت موطئ قدم آمن.
أما التحليل الأكثر إثارة للقلق فجاء من منصة لونغ وور جورنال التابعة لمؤسسة مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ، والذي ركز على ما بعد النجاح الأولي المفترض.
الفكرة الجوهرية هنا أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في تنفيذ الإنزال، بل في الاحتفاظ بالجزيرة. فالقوات التي قد تنجح في الوصول ستجد نفسها محاصرة في مساحة جغرافية صغيرة ، مكشوفة بالكامل، وتعتمد على خطوط إمداد بحرية وجوية يسهل استهدافها من البر الإيراني. أي أنها ستكون في وضع دفاعي دائم داخل نطاق ناري معاد ، ما يحول الإنجاز التكتيكي الأول إلى عبء استراتيجي ثقيل.
في موازاة ذلك، تطرقت نقاشات أكاديمية وأمنية في كل من نشرة علماء الذرة ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى فرضيات قصوى تتعلق باستخدام أسلحة ردع غير تقليدية في حال فشل الخيارات المعتادة ، لكن في سياقات مختلفة ترتبط بالمنشآت النووية المحصنة عميقاً تحت الأرض مثل منشأة فوردو لتخصيب الوقود ، وليس جزيرة خرج تحديداً. مجرد تداول هذه الفرضيات ضمن نقاشات “ماذا لو” يكشف مستوى القلق من تعقد أي مواجهة تقليدية ، لكنه لا يعكس خطة عملياتية مباشرة مرتبطة بالجزيرة.
الصورة التي تتشكل من هذه القراءات ليست اتهاماً بنية متعمدة للتضحية بالقوات ، بقدر ما هي تحذير من مقامرة استراتيجية قد تُتخذ تحت ضغط الرغبة في تحقيق إنجاز سريع ومرئي. فجزيرة خرج تبدو في هذه التحليلات كهدف مغر سياسياً بسبب رمزيتها النفطية ، لكنه عسكرياً هدف مُعد مسبقاً ليكون ساحة استنزاف شرسة لأي قوة تحاول السيطرة عليه.
السؤال الذي يطرح نفسه في ضوء هذه التحذيرات ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على الوصول إلى الجزيرة، بل ما إذا كانت قادرة على تحمل تبعات البقاء فيها تحت نيران مستمرة وفي بيئة جغرافية تمنح الطرف المدافع أفضلية شبه كاملة. هنا تحديداً تتلاقى تحذيرات الإعلام والباحثين : الخطر لا يكمن في بداية العملية ، بل في اليوم التالي لها.



