ترجمات

الإمبراطورية الرقمية الأمريكية تعاني من مشكلة ثقة

على مدى العقود القليلة الماضية، استطاعت ثلاث شركات أمريكية – أمازون ويب سيرفيسز، ومايكروسوفت أزور، وجوجل كلاود – أن تسيطر بهدوء على ما يقرب من ثلثي خدمات البنية التحتية السحابية العالمية. إنها إمبراطورية أمريكية ارتجالية، بُنيت وفق منطق تجاري بحت لا على استراتيجية شاملة، وتخضع لمصالح المساهمين لا لمصالح الناخبين أو البيروقراطيين.

لقد صُمم الإنترنت في الأصل ليكون غير مركزي، ومع ذلك دفعت عوامل من بينها سهولة الاستخدام، والأمن السيبراني، والتكلفة، معظم دول العالم إلى الاعتماد على عدد محدود من المنصات، مما جعلها تُصنف ضمن “الشبكات العملاقة”.

وفي هذا الإطار، نشر مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، تقريرًا أوضح فيه أنه مع تزايد نفوذ هذه الشركات العملاقة في مجال الحوسبة السحابية، وجد صناع السياسات في واشنطن سبلًا لخدمة أهداف السياسة الخارجية الأمريكية من خلال تسخير هذه البنية التحتية الرقمية. وردًا على ذلك، سعت دول أخرى بشكل متزايد إلى تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة في بنيتها التحتية الرقمية الحيوية، وهو ما يمكن استعراضه على النحو التالي:

  • إمبراطورية خفية

تُقدّم خدمات أمازون السحابية (AWS) خدماتها لعملاء في 190 دولة، أي أقل بثلاث دول فقط من عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. وتستحوذ (AWS) وجوجل ومايكروسوفت وميتا مجتمعة على أكثر من 70% من سعة الكابلات البحرية الدولية، بعد أن كانت أقل من 10% قبل عقد من الزمن.

ولا يقتصر دور مزودي خدمات الحوسبة السحابية العملاقة على نقل البيانات وتخزينها فحسب، بل يمتلكون نفوذًا كبيرًا على مسارات نقلها. كما يُقدمون خدمات ومنتجات متكاملة مثل قواعد البيانات، ومنصات تدريب الذكاء الاصطناعي، وأنظمة مراقبة الأمن، وبرامج المؤسسات. ومن طرق عديدة، كان لحجم مزودي خدمات الحوسبة السحابية العملاقة أثر إيجابي على التحول الرقمي.

فبالنسبة للحكومات والشركات على حد سواء، يُعد استخدام خوادم هذه الشركات السحابية اقتصاديًا ومرنًا، إذ يضمن استثمارات في الصيانة والأمن السيبراني لا تستطيع الشركات الفردية والعديد من الحكومات توفيرها.

وبالطبع، يُولد هذا الاعتماد أيضًا نقاط ضعف. فعندما يتعطل أحد هؤلاء المزودين، تمتد آثاره على نطاق واسع. على سبيل المثال، تسبب انقطاع خدمة (AWS) في أكتوبر الماضي في سلسلة من الأعطال التي عطلت الخدمات المصرفية في المملكة المتحدة، وأوقفت رحلات طيران تابعة لشركتي دلتا ويونايتد الأمريكيتين، وأدت إلى تعطل تطبيقات مثل سناب شات وكوين بيس لتبادل العملات الرقمية، وكل ذلك حدث بسبب خلل واحد في مركز بيانات بشمال ولاية فرجينيا.

كان هذا الانقطاع عرضيًا وتم حله بسرعة، ويُمثل خطرًا معروفًا لجميع المستخدمين. ولكن ماذا يحدث عندما يكون العطل متعمدًا وخارجًا عن سيطرة الشركة؟

  • ما كشفته روسيا

إلى ذلك، أثبتت الولايات المتحدة من خلال عقوباتها على روسيا في السنوات الأخيرة، أن الآثار تكون طويلة الأمد وعميقة. فبعد أسابيع من الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022، أعلنت شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل أمازون وجوجل ومايكروسوفت وأوراكل، طواعية توقفها عن قبول أعمال جديدة مع روسيا، مع استمرارها في خدمة عملائها الحاليين هناك. واعتُبر هذا القرار بمثابة بادرة تضامن مدروسة واستباقية للتعبير عن رفض الحرب الروسية.

ومع استمرار الحرب، شددت الحكومات الغربية العقوبات المفروضة على موسكو. وفي يونيو 2024، أجبرت وزارة الخزانة الأمريكية هذه الشركات العملاقة على قطع علاقاتها مع جميع عملائها في روسيا، ما أدى إلى انقطاع المنتجات والخدمات التي تُشكل أساس الاقتصاد الرقمي الروسي. وكانت العواقب وخيمة.

وتجدر الإشارة إلى أنه حتى قبل فرض العقوبات رسميًا، سارعت الشركات الروسية إلى نقل بياناتها إلى بنية تحتية محلية لم تكن تمتلكها فعليًا. وبعد ثلاث سنوات من الحرب، ازداد العجز الهيكلي حدةً. وكما صرّح أحد المديرين التنفيذيين الروس في مجال التكنولوجيا لمجلة “إم آي تي تكنولوجي ريفيو”، كان الأمر كما لو أن “عشرين عامًا من مستقبل روسيا قد سُلبت في لحظة”.

كما يتدهور الأمن السيبراني باستمرار مع اتساع الفجوة التكنولوجية مع المعايير العالمية. وفي يوليو الماضي، استغل قراصنة ثغرات في هذه البنية التحتية المجزأة في شركة إيروفلوت، شركة الطيران الوطنية الروسية، مما أجبرها على إلغاء عشرات الرحلات.

  • البحث عن استراتيجية للخروج

من تصعيد الحروب التجارية إلى تقليص المساعدات الخارجية، ومن غزو فنزويلا إلى المطالبة بالسيطرة على غرينلاند، خلّف نهج ترامب في السياسة الخارجية لدى الحلفاء والشركاء نظرةً سلبيةً تجاه الحكومة الأمريكية، إذ اعتبروها جهةً غير جديرة بالثقة ومتقلبة على الساحة الدولية.

وقد زاد ترامب سيطرته على السلطة التنفيذية محليًا – من خلال مطالبته قادة التكنولوجيا بالولاء، وقلبه لأهداف الأمن القومي المعلنة ردًا على نفوذهم، وتهديده للجميع بدءًا من رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي وصولاً إلى المسؤولين المنتخبين في مينيسوتا – من ترسيخ هذه النظرة.

وبالنسبة للدول التي تعتمد أنظمتها المالية وخدماتها الحكومية وقدراتها المستقبلية في مجال الذكاء الاصطناعي على البنية التحتية السحابية الأمريكية، يُمثل هذا في أحسن الأحوال ثغرةً استراتيجيةً، وفي أسوأ الأحوال تهديدًا وجوديًا. وقد استند قرار تصعيد العقوبات ضد روسيا واستغلال اعتمادها على الخدمات الرقمية الأمريكية كسلاح إلى تحالفات سياسية راسخة، وتضامن أيديولوجي، وقانون دولي، مما منحها أساسًا من الشرعية.

لكن يتضاءل الإيمان باحترام الولايات المتحدة لمثل هذه الأسس في عهد ترامب. وفي الوقت نفسه، يتزايد القلق من إمكانية إجبار الحكومة الأمريكية لشركات الحوسبة السحابية العملاقة الأمريكية على الامتثال لمطالبها بشكل مفاجئ.

ودفع السعي نحو الاستقلال التكنولوجي جهود التوطين في جميع أنحاء العالم بشكل متزايد. ففي أواخر عام 2024، وافق البنك المركزي الهندي على برنامج تجريبي لتوفير خدمات البيانات السحابية للشركات المالية، متحديًا بذلك هيمنة وادي السيليكون، على الرغم من أن المبادرة لا تزال في مراحلها الأولى.

وفي مارس 2025، أقر البرلمان الهولندي ثمانية قرارات للحد من الاعتماد على شركات التكنولوجيا الأمريكية، من بينها قرار يدعو إلى إنشاء منصة خدمات سحابية هولندية سيادية. وفي يوليو 2025، تبنّى المجلس التشريعي للاتحاد الإفريقي إعلان لوساكا، الذي يدعو إلى “مستقبل رقمي وذكاء اصطناعي آمن وشامل وذي سيادة”، وذلك في إطار سعي إفريقيا الأوسع نطاقًا للتوسط بين البنية التحتية الأمريكية والصينية.

وستكون هذه المبادرات صعبة التنفيذ، للأسباب نفسها التي جعلت شركات الحوسبة السحابية الأمريكية العملاقة منتشرة على نطاق واسع: فمزايا وفورات الحجم والوظائف المتكاملة تخلق عوائق كبيرة أمام دخول السوق. وكما هي الحال دائمًا، يظلّ شبح الذكاء الاصطناعي حاضرًا بقوة. ويتطلب تحقيق الاستقلال في سوق الذكاء الاصطناعي العالمي استثمارات ضخمة عبر طبقات متعددة من البنية التكنولوجية: ليس فقط توفير الخدمات السحابية، بل أيضًا الرقائق والبرمجيات ورأس المال البشري ومجموعات البيانات ومراكز البيانات.

وحتى عام 2024، أنفقت الصين أكثر من 150 مليار دولار أمريكي في سعيها لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال أشباه الموصلات، لكن النتائج لا تزال غير مكتملة. ولا تستطيع معظم الدول الاقتراب من هذا المستوى من الاستثمار.

وأخيرًا، من المرجح أن يظهر في معظم أنحاء العالم نظام هجين يُقر بأن الاستقلالية الكاملة غير واقعية، وأن الاعتماد الكامل على مزودي الخدمات الخارجيين أمر متهور.

زر الذهاب إلى الأعلى