فتحي جمال: لا نكون اللاعبين بالحظ بل بمنظومة دقيقة لاكتشاف وصقل المواهب
المدير التقني الوطني للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم
أكد فتحي جمال، المدير التقني الوطني للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، أن الهيكلة الجديدة للعمل التقني ترتكز على مقاربة جماعية قائمة على الخبرة والتخصص، مبرزا أن الرهان الحالي لا يقوم على الصدفة أو الاجتهادات الفردية، بقدر ما يستند إلى عمل مؤسساتي منظم يقوم على الدقة في الانتقاء وصرامة في المتابعة، مشيرا إلى أن الهدف الأساسي هو بناء مسار واضح لاكتشاف المواهب وصقلها وفق رؤية تقنية موحدة تضمن الاستمرارية وجودة التكوين.
وأوضح جمال، في ندوة صحفية عقدها الثلاثاء بمركب محمد السادس بالرباط، أن اللجنة التقنية تضم أسماء راكمت تجارب دولية وازنة، من بينها أوسكار غارو الذي اشتغل داخل الاتحاد الإسباني، وأبيان بيدرومو الذي راكم تجربة داخل الاتحاد الإسباني ونادي ريال مدريد، إلى جانب تقنيين آخرين من قبيل تياغو المشرف على منتخب أقل من 17 سنة والذي اشتغل لسنوات داخل نادي بنفيكا، مستحضراً في هذا السياق أن عدداً كبيراً من لاعبي المنتخب المتوج بكأس العالم لأقل من 17 سنة كانوا من خريجي هذا النادي، وهو ما يعكس، بحسبه، صواب الاختيارات المعتمدة، رغم الإقرار بإمكانية الوقوع في الخطأ أحياناً، لكن وفق معايير مضبوطة.
وأضاف أن اللجنة تضم كذلك باتيلي الذي سبق له التتويج مع منتخب فرنسا ببطولة أوروبا لأقل من 19 سنة في جيل ضم لاعبين من قيمة كيليان مبابي وعثمان ديمبيلي، مشيراً إلى أن هذه اللجنة لا تقتصر على هذه الأسماء فقط، بل تضم أيضاً أطرًا وطنية من بينها نور الدين نيبت، إلى جانب مدربين آخرين، معتبراً أن الاشتغال الجماعي يساهم في تقليص هامش الخطأ في اتخاذ القرار، بدل ترك كل مدرب يشتغل بشكل منفرد.
وأبرز أن الهدف هو تتبع اللاعبين ذوي الإمكانيات العالية داخل مختلف الفئات العمرية التي تعرف أحياناً تذبذباً في الأداء، مشيراً أيضاً إلى وجود فرناندو دا كروز ضمن هذه المنظومة، مستفيداً من تجربته الإفريقية مع الجيش الملكي وتجربته الأوروبية مع نادي ليل الفرنسي، إضافة إلى تجربة في بلجيكا، وذلك في إطار تصور يروم ضمان استمرارية المواكبة وعدم ضياع المواهب رغم تغير المدربين والمنتخبات.
وأوضح فتحي جمال أن الإدارة التقنية تعتمد على منصة رقمية تتيح تتبع المواهب بشكل مستمر، بما يضمن عدم فقدان أي لاعب حتى في حال عدم بروزه في تظاهرة معينة، مبرزاً أن عملية الانتقاء تمر عبر مراحل دقيقة تبدأ بالاقتراح ثم الاستشارة مع اللجنة والمدربين، وصولاً إلى تحديد الهوية والاختيار الأولي ثم النهائي، مع استدعاء أكبر عدد من اللاعبين خلال تواريخ الاتحاد الدولي لكرة القدم للوقوف على مستوياتهم، قبل إدماج المؤكدين منهم ضمن مختلف الفئات السنية ما بين 15 و20 سنة.
وفي ما يتعلق بعمل المنقبين في أوروبا، أشار إلى أن الجامعة تتوفر حالياً على خمسة منقبين يقومون بعمل وصفه بالكبير، مبرزاً أن هذه المقاربة انطلقت منذ الولاية الأولى لرئيس الجامعة وأسفرت عن اكتشاف عدد من اللاعبين، من بينهم أشرف حكيمي الذي كان من أوائل الأسماء التي تم اقتراحها عبر هذه الآلية، مضيفاً أن العمل أصبح اليوم أكثر تنظيماً وهيكلة بفضل المنصة الرقمية والتواصل المستمر مع المدربين، رغم تسجيل بعض الخصاص في مناطق معينة.
وبخصوص غياب لاعبي الأندية الكبرى عن صفوف المنتخبات الوطنية، أوضح فتحي جمال أن التوجه الحالي يقوم على خلق بيئة عمل ملائمة داخل الأندية لضمان استقرار اللاعبين، مشيراً إلى أن عدداً منهم يغادرون في سن مبكرة، وهو ما يستدعي تحسين ظروف التكوين من حيث الدراسة والتغذية والتأطير والتجهيزات، مبرزاً أن هناك لاعبين وقعوا بالفعل عقوداً احترافية وبدأوا في الاندماج مع الفرق الأولى،
واعتبر أن ثمار هذا العمل تحتاج إلى بعض الوقت للظهور، ومؤكداً أن الأندية أصبحت مطالبة بالقيام بعملية التنقيب الخاصة بها، بعد أن سبق للإدارة التقنية أن قامت بذلك لفائدتها في مراحل سابقة، في إطار مواكبة مشتركة مع برنامج Evo Sport.
وأكد أن تجربة أكاديمية محمد السادس لكرة القدم تمثل نموذجاً ناجحاً على الصعيد الدولي، مضيفاً أنها شكلت دفعة قوية للكرة الوطنية، حيث إن عدداً كبيراً من اللاعبين المحليين في المنتخب هم من خريجيها، مشدداً على أن العلاقة معها تقوم على التكامل وليس التنافس، خاصة في مجال التنقيب، في أفق تعميم هذا النموذج عبر إحداث ما بين 10 و20 أكاديمية بنفس المعايير.
وفي ما يخص الأطر التقنية، أبرز فتحي جمال أن المرحلة الأولى فرضت الاشتغال بالإمكانات المتوفرة، مع وضع أطر مؤهلة على رأس مختلف البنيات، وتحديد معايير دنيا لاختيار المدربين، مع ترك هامش للأندية لاقتراح أطرها، قبل إخضاعها لعملية تقييم في نهاية الموسم، مضيفاً أن المرحلة المقبلة ستشهد إطلاق برنامج لتكوين المكونين بشراكة مع الاتحاد الإسباني، يتضمن اختبارات وعقوداً، بهدف إرساء قاعدة من المتخصصين في تكوين الشباب وترك إرث تقني مستدام، مع اعتماد صرامة كبيرة في عملية الانتقاء.
وفي سياق متصل، أوضح أن مهام محمد وهبي تتركز أساساً على المنتخب الأول والمنتخب الأولمبي، مع إمكانية الإشراف على باقي المنتخبات عند الحاجة، مؤكداً أن الأولوية تظل للمنتخب الأول بالنظر إلى متطلباته الكبيرة، التي تستدعي تتبعاً يومياً للاعبين خاصة المحترفين بالخارج، وتواصلاً دائماً مع أنديتهم وأطقمهم التقنية والطبية.
كما شدد على أن الهدف الاستراتيجي يتمثل في إرساء هوية تقنية موحدة لكرة القدم الوطنية عبر التكوين داخل الأندية، بشراكة مع برنامج “Evo Sport” في عدد من الأندية والمراكز الجهوية، مع السعي إلى توسيع هذه التجربة لتشمل باقي الأندية، موضحاً أن التوحيد يشمل المنهجية والبيداغوجيا مع مراعاة خصوصية كل نادٍ، لضمان تطور متوازن ومنسجم، مؤكداً أن الجامعة واكبت الأندية في عملية التأهيل للانخراط في هذا المشروع، في إطار مسؤولية مشتركة.
وختم فتحي جمال بالتأكيد على أن الجانب الدراسي والاجتماعي يحظى بأهمية خاصة ضمن هذا المشروع، مبرزاً أن تصميم المنافسات يراعي عامل القرب لتقليص الإرهاق، خاصة بالنسبة للفئات الصغرى، في حين تم اعتماد برمجة زمنية مدرسية متكيفة مع أوقات التداريب، بتنسيق مع المؤسسات التعليمية، بما يضمن تحقيق التوازن بين المسار الرياضي والتحصيل الدراسي، في إطار مقاربة شمولية تراعي مختلف أبعاد تكوين اللاعب.



اترك تعليقاً