أخبار الساعة، أدب وفنون

“شارع مالقة” يدخل القاعات المغربية وسط منافسة شرسة مع الكوميديا التجارية

تستعد القاعات السينمائية المغربية لاستقبال الفيلم الجديد “شارع مالقة” للمخرجة مريم التوزاني، ابتداء من 22 أبريل الجاري، في خطوة مرتقبة بعد جولة دولية حافلة بالعروض ضمن عدد من التظاهرات السينمائية الكبرى، حيث حظي العمل باهتمام نقدي ملحوظ، ما يرفع سقف التوقعات بشأن أدائه في شباك التذاكر الوطني، خاصة في ظل سياق تنافسي يشهد حضور أعمال مغربية متعددة.

ويأتي عرض الفيلم في وقت تهيمن فيه الكوميديا التجارية على المشهد السينمائي المحلي، من خلال أعمال مثل “نوض ونوض” و“عائلة فوق الشبهات” و“2 رواح”، وهي إنتاجات استطاعت جذب الجمهور وتحقيق نسب مشاهدة مهمة، مقابل تراجع ملحوظ للأفلام الروائية ذات النفس الفني، التي غالبا ما تغادر القاعات بعد أسابيع قليلة من عرضها، ما يعيد النقاش حول ذائقة الجمهور ومنطق السوق وتأثيره على اختيارات المنتجين والموزعين.

وتدور أحداث “شارع مالقة” في مدينة طنجة، حيث تتابع القصة حياة ماريا أنخيليس، وهي امرأة إسبانية مسنة تجد نفسها في مواجهة قرار صعب بعد أن تسعى ابنتها إلى بيع منزل العائلة لتجاوز أزمة مالية تعيشها عقب الطلاق.

وبين تمسك الأم بذكرياتها ورفضها مغادرة المكان الذي شهد تفاصيل حياتها، تنخرط في محاولة لاستعادة ما فقدته من مقتنيات وذكريات، عبر خطة تسعى من خلالها إلى تأمين المال اللازم للحفاظ على البيت.

ويستعرض الفيلم مسارا إنسانيا عميقا لشخصية ماريا، التي ترتبط وجدانيا بمدينة طنجة منذ طفولتها، حيث عاشت فيها منذ ثلاثينيات القرن الماضي في سياق تاريخي تأثر بتداعيات الحرب الأهلية الإسبانية، ومع تقدمها في السن، تجد نفسها في عزلة نسبية بعد فقدان زوجها واستقرار ابنتها في إسبانيا، غير أنها تقاوم هذا الفراغ عبر بناء علاقات إنسانية مع محيطها، مستندة إلى ذاكرة غنية وتفاصيل يومية تمنح لحياتها معنى متجددا.

وفي خضم هذا الصراع، يفتح الفيلم خطا دراميا آخر من خلال علاقة غير متوقعة تنشأ بين ماريا وشخص كانت تعتبره خصما، في تحول يضفي على العمل بعدا عاطفيا يزاوج بين الحنين والرغبة في الاستمرار، ويعكس قدرة الإنسان على إعادة اكتشاف ذاته حتى في مراحل متقدمة من العمر.

وعلى مستوى الخلفية الإبداعية، كشفت مريم التوزاني أن فكرة الفيلم ارتبطت بتجربة شخصية عميقة، حيث جاء المشروع عقب فقدان والدتها، وهو الحدث الذي شكل دافعا لتحويل الحزن إلى عمل فني يستحضر الذاكرة ويعيد تشكيلها بصريا.

وأوضحت التوزاني في تصريح لـ”العمق”، أن نشأتها في محيط عائلي يجمع بين الثقافة المغربية والإسبانية، إلى جانب حضور اللغة الإسبانية في حياتها، كان لهما أثر واضح في صياغة هذا العمل.

كما أكدت المخرجة، أن تصوير الفيلم في طنجة لم يكن اختيارا اعتباطيا، بل يرتبط بعلاقة شخصية قوية مع المدينة، حيث استحضرت من خلالها تفاصيل طفولتها وذكرياتها الأولى، في محاولة لالتقاط مشاعر مركبة تجمع بين الفقد والحنين، وتقديمها في قالب سينمائي يوازن بين الحس الإنساني والبعد الجمالي.

ولم تخف التوزاني الدور الذي لعبه زوجها المنتج نبيل عيوش في مرافقة هذا المشروع، مشيرة إلى أنه كان داعما أساسيا خلال مختلف مراحل الإنتاج، إلى جانب فريق فني وتقني ساهم في ترجمة رؤيتها الإبداعية إلى عمل متكامل.

ويراهن “شارع مالقة” على تقديم تجربة سينمائية مختلفة داخل القاعات المغربية، من خلال مقاربة إنسانية هادئة تبتعد عن القوالب الكوميدية السائدة، ما يطرح تحديا حقيقيا أمامه في استقطاب الجمهور، وسط تساؤلات متجددة حول قدرة السينما ذات الطابع الفني على فرض حضورها في سوق تهيمن عليه الأعمال ذات الطابع التجاري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *