وسيط المملكة يطلق “إنذارا مؤسساتيا” بشأن ذوي الإعاقة ويعلن مشروعا لامتصاص نزاعات الجامعة (فيديو)
اعتبر وسيط المملكة، حسن طارق، أن الجامعة المغربية تعيش اليوم مرحلة تحولات عميقة في علاقتها بالوعي الحقوقي وبتمثلات المواطنة لدى الطلبة والأساتذة، مؤكداً أن ما يُوصف أحياناً بـ”تراجع” في هذا الوعي لا يعكس بالضرورة تراجعاً حقيقياً، بقدر ما يعكس إعادة تشكل جديدة لطرق التعبير والانخراط داخل الفضاء الجامعي.
وأوضح وسيط المملكة، خلال حلوله ضيفا على برنامج “نبض العمق”، أن مقاربة الوضع داخل الجامعة بمنطق التراجع قد تكون متسرعة ومبنية على انطباعات جاهزة، مبرزاً أن التحولات الجارية تمس جوهر مفهوم المواطنة نفسه، سواء لدى الطلبة أو داخل الأوساط الجامعية، حيث لم تعد المواطنة محصورة في الأطر التقليدية، بل أصبحت تتجسد في الفضاءات الرقمية وفي أنماط جديدة من التفاعل مع الشأن العام.
وأضاف أن ما قد يُفهم كتراجع في الوعي الحقوقي يمكن أن يُقرأ، في المقابل، باعتباره تعبيراً عن جيل جديد أكثر تملكاً للحقوق وأكثر تشبثاً بالمعايير الحقوقية، لكنه في الآن نفسه يعيش توتراً بين هذه المعايير وصعوبة تفعيلها على أرض الواقع، وهو ما يعيد صياغة العلاقة بين الجامعة ومحيطها، ويطرح أسئلة جديدة حول دورها في إنتاج النخب وفي تأطير النقاش العمومي.
وفي هذا السياق، شدد حسن طارق على أن الحديث عن المواطنة اليوم لم يعد يرتبط حصراً بالانتماء الحزبي أو الأطر التنظيمية التقليدية، بل بات يتوزع على فضاءات متعددة، من بينها المجتمع المدني والوسائط الرقمية، وهو ما يعكس تحولات بنيوية في تمثلات الشباب داخل الجامعة وخارجها، ويستدعي، بحسبه، فهماً أعمق لهذه الديناميات بدل الاكتفاء بتوصيفات سطحية.
وبخصوص مشروع إحداث أنوية وبنيات للوساطة داخل الجامعة، أكد وسيط المملكة أن هذا الورش يندرج ضمن عمل مشترك مع وزارة التعليم العالي، يهدف إلى مواكبة التحولات داخل الفضاء الجامعي وتعزيز آليات تسوية النزاعات داخله، من خلال تقوية شبكة الوسطاء الجامعيين وإرساء بنيات قادرة على معالجة الإشكالات في سياقها البيداغوجي والأكاديمي.
وأوضح أن هذا التوجه يقوم على فكرة أساسية مفادها أن الجامعة ليست فقط مؤسسة للتعليم، بل فضاء لإنتاج القيم وبناء المواطن، مشيراً إلى أن الحياة الجامعية هي المجال الذي تتشكل فيه أسس المشترك الثقافي والقيمي للمجتمع، وأن ما يُبنى داخل المدرجات والحياة الطلابية ينعكس لاحقاً على المجتمع ككل.
وفي ما يتعلق بقدرة الجامعة على إنتاج نخبة وسيطة قادرة على تدبير الحوار الاجتماعي مستقبلاً، اعتبر وسيط المملكة أن الجامعة المغربية تتوفر على هذه الإمكانية، لكنها في الوقت نفسه تعاني من كليشيهات وصور نمطية لا تعكس واقعها الحقيقي، مبرزاً أن داخلها أساتذة جامعيين ملتزمين برسالتهم التربوية والعلمية، يشتغلون في سياق اجتماعي وقيمي متغير ومعقد.
النزاعات الجامعية بين البعد الإداري والخصوصية البيداغوجية
وبخصوص النزاعات التي تُعرض على مؤسسة وسيط المملكة، سواء بين الطلبة أو الأساتذة أو الإدارة، أوضح أن هذه الملفات لا يمكن اختزالها في منطق إداري صرف، لأنها ترتبط في كثير من الحالات بصلاحيات بيداغوجية وأكاديمية، ما يجعل قراءتها ومعالجتها تتطلب مقاربة سياقية تأخذ بعين الاعتبار خصوصية المجال الجامعي، بدل إسقاط تصنيفات قانونية جاهزة عليها.
وأضاف أن جزءاً كبيراً من هذه التظلمات يعكس دينامية طبيعية داخل جامعة تضم آلاف الطلبة وتعيش ضغطاً اجتماعياً متزايداً على التعليم العالي، وهو ما يجعل تدبير هذه النزاعات يتم في قلب الفضاء الجامعي نفسه، وليس خارجه، من خلال تطوير آليات الوساطة وتقريب الحلول من داخل المؤسسات.
وفي هذا الإطار، أبرز أن تجربة تعزيز شبكة الوسطاء الجامعيين يمكن أن تشكل مدخلاً عملياً لتحسين تدبير الحياة الجامعية وتخفيف حدة التوترات داخلها، باعتبار أن الوساطة أصبحت آلية ضرورية داخل فضاء تتعدد فيه الفاعلون والاختصاصات وتتداخل فيه الأبعاد البيداغوجية والاجتماعية.
وسجل وسيط المملكة أن مؤسسات الحكامة، وعلى رأسها مؤسسة الوسيط، تستفيد بشكل مباشر من الخبرة الجامعية والبحث العلمي في تطوير أدوات اشتغالها، مبرزاً أن هذه المؤسسات تشكل نقطة التقاء بين السياسات العمومية والخبرة الأكاديمية والمجتمع المدني، وأن الجامعة تظل شريكاً أساسياً في إنتاج المعرفة وتطوير آليات فهم ومعالجة القضايا العمومية، من ضمنها قضايا الولوج إلى الحقوق، ومنها ملف الأشخاص في وضعية إعاقة الذي كشفت بشأنه دراسات حديثة أرقاماً وصفها بـ”الصادمة”.
شكايات المواطنين وتعقيد الملفات الإدارية
من جهة أخرى، أوضح حسن طارق أن جزءاً كبيراً من تدخلات المؤسسة يرتبط بتلقي شكايات وتظلمات من المواطنين بشأن قرارات إدارية وإشكالات مرتبطة بتطبيق القانون داخل عدد من القطاعات العمومية، مبرزاً أن طبيعة هذه الملفات تجعل معالجتها في كثير من الأحيان معقدة، بسبب تداخل الأبعاد القانونية والإدارية والاجتماعية.
وأضاف أن المؤسسة تتعامل مع هذه التظلمات وفق مقاربة تراعي السياق الخاص لكل حالة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقرارات ذات طابع بيداغوجي أو أكاديمي أو تدبيري دقيق، مشيراً إلى أن الإشكال الأساسي يكمن في صعوبة إخضاع بعض القرارات لتكييف إداري صرف، بالنظر إلى خصوصيتها القطاعية.
وفي هذا الإطار، شدد وسيط المملكة على أن مبدأ الإنصاف داخل المجالات المتخصصة، ومنها المجال الجامعي، لا يمكن أن يكون إنصافاً معيارياً جامداً، بل إنصافاً سياقياً يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الاختصاصات وحدود تدخل كل طرف داخل المنظومة الإدارية، مع ضرورة الحفاظ على التوازن بين احترام القانون وضمان حقوق المرتفقين.
كما توقف عند أهمية تعزيز أدوات الوساطة داخل الإدارة العمومية بشكل عام، معتبراً أن تطوير هذه الآليات يساهم في تخفيف حدة النزاعات الإدارية، ويقرب الحلول من المواطنين، بدل تركها في مسارات قضائية أو إدارية طويلة ومعقدة.
وفي هذا السياق، كشف وسيط المملكة أن المؤسسة أنجزت خلال الفترة الأخيرة دراسة ميدانية تهم ولوج الأشخاص في وضعية إعاقة إلى الإدارة، وهي الدراسة التي اعتمدت على مقاربة علمية وبحثية بمواكبة باحثين جامعيين، مبرزاً أنها خلصت إلى معطيات وصفها بـ”الصادمة” بخصوص صعوبات الولوج والتعامل الإداري مع هذه الفئة.
وأوضح أن هذه الدراسة لم تقتصر على التشخيص، بل تضمنت أيضاً رسائل تنبيه موجهة إلى الفاعلين والمدبرين العموميين، بهدف الدفع نحو تحسين السياسات العمومية المرتبطة بالإدماج وضمان تكافؤ الفرص، مبرزاً أن المؤسسة تشتغل في هذا الإطار بمنطق الإنذار المؤسساتي والمرافعة الإصلاحية.
وأكد حسن طارق أن تقارير مؤسسة الوسيط، إلى جانب الدراسات التي تنجزها، تستفيد بشكل كبير من خبرات أكاديمية وبحثية، ما يجعل عملها قريباً من منطق البحث العلمي في تشخيص الإشكالات العمومية، وليس فقط منطق معالجة الشكايات الفردية، وهو ما يعزز موقعها كفاعل في إنتاج المعرفة المرتبطة بالحكامة العمومية.
وخلص وسيط المملكة، إلى أن التحدي الأساسي اليوم يتمثل في تقوية جسور التعاون بين المؤسسات الدستورية، والجامعة، والبحث العلمي، والمجتمع المدني، من أجل تطوير فهم أعمق للإشكالات العمومية، وبناء حلول أكثر فعالية وارتباطاً بالواقع، بما يضمن تحسين جودة الخدمة العمومية وتعزيز ثقة المواطن في الإدارة.
اترك تعليقاً