وجهة نظر

حين يحكم الدولار

تبدأ الحكاية من لحظة بدت في ظاهرها تقنية، مالية، محاسباتية… لكنها في عمقها كانت زلزالًا مكتومًا أعاد ترتيب موازين القوة في العالم، وأعاد تعريف معنى الثروة، والسيادة، والنفوذ… ومن المؤكد أن ما جرى في مطلع سبعينيات القرن الماضي لم يكن مجرد خلاف نقدي بين دول، وإنما كان صراعًا صامتًا بين من يملك الذهب فعلًا، ومن يملك القدرة على فرض الورق كبديل عنه.

في ذلك الزمن، كان النظام النقدي الدولي يستند إلى قاعدة راسخة مفادها أن الدولار قابل للتحويل إلى الذهب، وفق ما أقرّته اتفاقية بريتون وودز، حيث أصبح الدولار بمثابة مرآة تعكس قيمة الذهب، وأداة وسيطة تضمن استقرار المبادلات الدولية… غير أن هذه القاعدة، رغم ما بدت عليه من صلابة، كانت تخفي هشاشة متزايدة، إذ إن الولايات المتحدة، بفعل نفقاتها العسكرية الضخمة، خاصة خلال حرب فيتنام، أخذت تضخ كميات متنامية من الدولارات دون أن يقابلها احتياطي ذهبي كافٍ.

ومن ثم، بدأت الشكوك تتسلل إلى العواصم الأوروبية، وتحديدًا في فرنسا، حيث أدركت النخب السياسية والاقتصادية أن المعادلة لم تعد متوازنة، وأن الدولار لم يعد سوى وعد نظري أكثر منه قيمة فعلية… وهنا برز موقف شارل ديغول، الذي اختار أن يخرج عن صمت الحلفاء، وأن يعلن بصوت واضح أن بلاده ترفض أن تُستبدل ثرواتها الحقيقية بأوراق لا تستند إلى غطاء صلب… عبارته الشهيرة، التي خاطب بها الولايات المتحدة، لم تكن مجرد خطاب، بل كانت إعلان تمرّد على نظام نقدي مختل.

لا شك أن هذه الخطوة حملت في طياتها تهديدًا وجوديًا للدولار، إذ إن مطالبة الدول بتحويل ما تملكه من دولارات إلى ذهب كانت تعني استنزاف الاحتياطي الأمريكي، وبالتالي انهيار الثقة في العملة الأمريكية… وهو ما كان كفيلًا بإحداث ارتباك عالمي، وربما انهيار اقتصادي واسع النطاق، خاصة وأن الولايات المتحدة كانت تعيش ضغطًا اقتصاديًا خانقًا نتيجة الحرب والتضخم والعجز المالي.

غير أن ما جرى بعد ذلك لم يكن استسلامًا أمريكيًا، وإنما كان إعادة تموضع ذكية، أقرب إلى المناورة الاستراتيجية منها إلى الحل المؤقت… إذ سرعان ما برز عامل جديد غيّر مسار الأحداث، وأعاد للدولار أنفاسه في لحظة كانت تبدو حاسمة… هذا العامل تمثل في النفط، تلك المادة الحيوية التي لا تستقيم الحياة الصناعية دونها، والتي أصبحت، مع مرور الزمن، عصب الاقتصاد العالمي.

وفي سياق هذا التحول، أعلنت مجموعة واسعة من الدول، على رأسها المملكة العربية السعودية ودول الخليج، أنها لن تبيع النفط إلا بالدولار… قرار يبدو في ظاهره اقتصاديًا، لكنه في جوهره كان إعادة صياغة للنظام النقدي العالمي، حيث أصبح الطلب على الدولار مرتبطًا بالحاجة إلى الطاقة، وليس فقط بالثقة في الاقتصاد الأمريكي.

وبالتالي، وجدت دول كبرى مثل الصين والبرازيل وحتى فرنسا نفسها، نفسها مضطرة إلى امتلاك الدولار من أجل شراء النفط، أي أنها أصبحت مجبرة على بيع منتجاتها وخدماتها مقابل العملة الأمريكية… وهكذا تحوّل الدولار من عملة مغطاة بالذهب إلى عملة مغطاة بالنفط، ومن أداة تبادل إلى أداة نفوذ.

ومن هنا، يمكن القول إن ما حدث كان بمثابة “قبلة حياة” للدولار، حيث استعاد مكانته، بل وعززها بشكل غير مسبوق… وهو ما شجّع ريتشارد نيكسون على اتخاذ القرار الأكثر جرأة في تاريخ النظام النقدي الحديث، حين أعلن سنة 1971 إلغاء ربط الدولار بالذهب، في ما عُرف لاحقًا بـصدمة نيكسون.

هذا القرار، في ظاهره، كان إجراءً تقنيًا… لكنه في حقيقته كان إعلانًا عن نهاية عصر وبداية آخر، حيث أصبحت الولايات المتحدة قادرة على طباعة ما تشاء من الدولارات دون التقيد بأي غطاء مادي… وهو ما منحها امتيازًا استثنائيًا لم تحظ به أي دولة في التاريخ، إذ بات بإمكانها تمويل عجزها، وتوسيع نفوذها، وإدارة اقتصادها، عبر أداة واحدة: إصدار العملة.

ومن المؤكد أن هذا التحول لم يكن خاليًا من التبعات، حيث إن الدول التي أودعت احتياطاتها من الذهب لدى الولايات المتحدة، مقابل الحصول على الدولار، وجدت نفسها أمام واقع جديد، إذ إن استرجاع تلك الاحتياطات لم يعد ممكنًا بالشروط السابقة… وهنا تتجلى المفارقة الكبرى، حيث تحولت الثقة إلى التزام أحادي، وتحول الضمان إلى وعد مفتوح.

وبالتالي، فإن ما جرى لم يكن مجرد تطور اقتصادي، بل كان إعادة تعريف لمفهوم “العملة الصعبة”، حيث لم تعد الصلابة مرتبطة بالمعدن، وإنما بالقدرة على فرض العملة كوسيط عالمي… وهو ما نجحت فيه الولايات المتحدة بامتياز، مستفيدة من شبكة معقدة من المصالح، والتحالفات، والاحتياجات المتبادلة.

ومن ثم، فإن وصف هذه المرحلة بأنها “أكبر عملية نصب في التاريخ” يعكس زاوية نظر معينة، ترى في ما حدث نوعًا من إعادة توزيع غير متكافئة للقوة والثروة… غير أن القراءة الأعمق تكشف أن الأمر كان أقرب إلى هندسة نظام عالمي جديد، يقوم على توازنات دقيقة، حيث تتداخل السياسة بالاقتصاد، وتتقاطع المصالح مع الضرورات.

وفي المحصلة، يمكن القول إن تلك اللحظة التاريخية لم تنتهِ آثارها عند حدود السبعينيات، بل امتدت لتشكل الأساس الذي يقوم عليه الاقتصاد العالمي اليوم… حيث لا يزال الدولار يحتفظ بمكانته، ولا تزال أسواق الطاقة تلعب دورًا محوريًا في تحديد موازين القوة… وما بين الذهب والنفط، وبين الورق والثقة، تتواصل حكاية لم تُكتب فصولها الأخيرة بعد… حكاية عالم يُدار بخيوط غير مرئية، وتتحكم فيه قرارات تبدو صغيرة… لكنها تغيّر كل شيء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *