وجهة نظر

“مسافة السكة”.. كيف اختفى طريق “السيسي” لمواجهة اعتداءات إيران؟

تداول مراقبون وخبراء ونشطاء تصريحات سابقة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال فترة ترشحه الأولى لرئاسة مصر عام 2014، تحدث خلالها عن ضرورة حماية القاهرة لأمن الخليج العربي، ومقارنته بموقف إدارة الرئيس المصري الحالية تجاه العدوان الإيراني على دول المنطقة.

وقال السيسي الذي كان مرشحا رئاسيا قبل 12 عاما، عقب إنهاء نظام جماعة الإخوان المسلمين بثورة شعبية، وتصنيفها لاحقا جماعة إرهابية: “حينما يتعرض الأمن القوى العربي لتهديد حقيقي، ونستدعى لذلك، فهي مسافة السكة”.

وأشار الرئيس المصري بعبارة “مسافة السكة” إلى سهولة إرسال قوات من الجيش المصري المصنف ضمن أقوى جيوش المنطقة وفقا لتقيم “غلوبال فاير باور”، إلى الدول الخليجية والعربية بوجه عام، وردع أي عدوان يقع عليها.

وبعد نحو 14 عاما من تصريحات الرئيس المصري، تعرض الخليج لاعتداءات غير مسبوقة من إيران، وتعرضت القوات المسلحة في دول المنطقة وخاصة دفاعاتها الجوية لضغط شديد لمواجهة التهديدات بالصواريخ والمسيرات القادمة من طهران، دون أن يحرك السيسي جنديا واحدا تنفيذا لوعده القديم.

وترد إيران على تعرضها لهجمات أمريكية إسرائيلية منذ نهاية فبراير الماضي، بعدوان على دول الخليج، إذ تتعرض الإمارات للنسبة الأكبر من الاعتداءات الإيرانية، حيث كشفت البيانات الرسمية عن “تسجيل 2156 هجمة شملت 1789 طائرة مسيرة هجومية و367 صاروخا باليستيا”، في الفترة بين 28 فبراير و23 مارس.

ووجهت طهران نسبة 42% من اعتدائها على دول مجلس التعاون الخليجي إلى الإمارات فقط، وطالت الهجمات “منشآت مدنية حيوية تستهدف منشآت مدنية وسكنية وسياحية ومطارات مدنية”.

“أين الدول الكبرى”؟

وانتقد المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، أنور قرقاش، غياب “الدول الكبرى” عن دعم دول الخليج العربي التي تتعرض للعدوان العسكري، دون أن تتدخل بموقف قوي وحاسم لتقديم الدعم.

وقال قرقاش في بيان له على منصة “إكس” في 23 مارس الجاري :”يحق لنا في دول الخليج العربي أن نتساءل: أين مؤسسات العمل العربي والإسلامي المشترك، وفي مقدمتها الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، ودولنا وشعوبنا تتعرض لهذا العدوان الإيراني الغاشم؟ وأين الدول العربية والإقليمية الكبرى؟”.

وواصل قرقاش: “في ظل الغياب والعجز، لا يجوز لاحقا الحديث عن تراجع الدور العربي والإسلامي أو انتقاد الحضور الأميركي والغربي، لقد كانت دول الخليج العربي سندا وشريكا للجميع في أوقات الرخاء.. فأين أنتم اليوم في وقت الشدة؟”.

وكانت دول الخليج العربي، وخاصة الإمارات والكويت والبحرين وقطر، تنتظر دعما قويا من الدول الإقليمية الكبرى، وعلى رأسها مصر والسعودية، بعد التعرض للعدوان الإيراني المكثف، لكن شيئا لم يحدث.

ومن جانبه أصدر الشيخ عبد الله آل حامد رئيس الهيئة الوطنية للإعلام في الإمارات، بيانا على منصة إكس، ينتقد خلالها اختفاء الدعم المنتظر من الدول الكبرى التي قدمت لها بلاده يد العون في أزماتها خلال السنوات الماضية.

وقال آل حامد: “اختارت دولة الإمارات طريقاً مختلفاً، لم تركب موجة، ولم تبدل مواقفها مع تغير المزاج الإقليمي، ولم تتاجر بالضباب، وضعت النقاط على الحروف منذ وقت مبكر، وعرفت من هو الصديق ومن هو العدو، ولم تخلط بين الواقعية وبين التنازل، ولا بين الانفتاح وبين السذاجة، ولا بين الحوار وبين شرعنة منطق الفوضى، لهذا بنت دولة قوية وحديثة ومتماسكة، وفي الوقت نفسه بنت علاقات وشراكات مع العالم كله، لأنها فهمت أن الانفتاح الحقيقي لا يكون على حساب الثوابت، وأن الشراكة لا تعني التهاون مع من يهدم أسس الاستقرار”.

وأضاف: “المؤلم أن بعض من استفادوا من مواقف الإمارات، ومن دعمها، ومن حرصها على الاستقرار، لم يظهروا الموقف نفسه عندما تعرضت الإمارات للهجوم”، مضيفا: “في أيام الرخاء كانت الكلمات كثيرة، وفي لحظة الاختبار اختفى الرجال”.

وتحدث رئيس الهيئة الوطنية للإعلام بالإمارات عن غياب الموقف الحاسم للكبار، مضيفا: “حين احتاج الموقف إلى وضوح لا لبس فيه، سمعنا الصمت، أو شاهدنا التردد، أو رأينا مواقف باهتة لا تليق بعلاقة، ولا تحفظ جميلاً، ولا تثبت وفاءً، وهنا تنكشف الحقيقة كما هي، ليس كل من صافحك صديقاً، وليس كل من أثنى عليك في الهدوء سيقف معك في العاصفة”.

دعم إماراتي على مدار سنوات

وقدمت الإمارات دعما مستمرا على مدار السنوات الماضية لدول كبرى في المنطقة، من بينها مصر التي مرت بأزمات عدة منذ ثورة 25 يناير 2011 التي تسببت في أضرار بالغة بالاقتصاد، ثم وصول جماعة الإخوان الإرهابية للحكم عام 2013 وبداية الكفاح للخلاص منهم ثم بدأ الحرب على الإرهاب.

وخلال كل هذه الأحداث، تهاوى الاقتصاد المصري بشدة، لكنه حصل على دعم خليجي أنقذه من الانهيار التام، وكانت الإمارات في مقدمة الدول الخليجية التي تقدم الدعم للحكومة المصرية وبدأت بـ 3 مليارات دولار أميركي بين منحة ووديعة، خلال ترشح الرئيس المصري الحالي للانتخابات الرئاسية عام 2013، ومع بداية توليه الحكم بصورة رسمية تضاعفت الإمدادات والدعم بنحو 5 مليارات دولار في عام 2014

وقدمت الإمارات دعما إضافيا للاقتصاد المصري لمساعدة الحكومة خلال مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي عام 2015، وطرحت استثمارات بقيمة 2 مليار دولار ومثلها كوديعة بالبنك المركزي المصري لدعم الاحتياطي النقدي الأجنبي، ثم في عام 2016 بـ4 مليارات إضافية، أعقبتها مرحلة الاستثمارات الضخمة.

وعندما كانت الحكومة المصرية تئن من شدة الأزمة الاقتصادية التي دفعت الجنيه المصري للانهيار أمام العملات الأجنبية، إذ سجل الدولار الأميركي نحو 70 جنيها مصريا في الأسواق الموازية، تدخلت الإمارات لإنهاء الأزمة بأكبر صفقة استثمارية في تاريخ مصر، وهي صفقة “رأس الحكمة” التي بلغت قيمتها 35 مليار دولار، ليحصل الرئيس السيسي على دعم استثنائي مكنه من قيادة حكومته لتجاوز الأزمة الاقتصادية وإنقاذ العملة المحلية من التهاوي المستمر.

وتكثف الإمارات دعمها للدول الإقليمية الكبرى عندما تكون في حاجة إلى ذلك، ليس ماديا فقط، وإنما سياسيا وعسكريا، كما حدث مع السعودية منذ عام 2015، من خلال تقديم الدعم للمملكة التي كانت حدودها الجنوبية معرضة للخطر من الميليشيات الإيرانية وجماعة الحوثي، لترسل قواتها ضمن تحالف لحماية الأمن القومي السعودي.

كما غابت سلطنة عمان عن تقديم الدعم للإمارات، واتخذت موقفا محايدا في ظل العدوان الإيراني، على الرغم من الدعم الاقتصادي الكبير التي تقدمه أبو ظبي في الوقت الراهن للاقتصاد العماني، والعسكري الذي قدمته الإمارات خلال فترة السلطان قابوس لمواجهة المتمردين.

* الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *