300 ألف بطاقة مهنية تعيد هيكلة قطاع الصناعة التقليدية بالمغرب

يشهد قطاع الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني دينامية متجددة تعكس تحولا نوعيا في مقاربته للتكوين والإدماج المهني والتأطير الاقتصادي.
ففي سياق يتسم بتزايد الاهتمام بتأهيل الرأسمال البشري وتعزيز قابلية التشغيل، تتجه السياسات العمومية نحو إرساء منظومة متكاملة تجمع بين التكوين العملي داخل الوحدات الإنتاجية، ودعم التشغيل الذاتي، وهيكلة النسيج الحرفي في أفق تحقيق تنمية مستدامة.
كما تعزز هذه الدينامية اعتماد آليات حديثة للاعتراف المهني وتثمين الحرف، على غرار بطاقة المهنية، بما يواكب التحولات الاقتصادية ويضمن استمرارية المهن التقليدية ونقلها للأجيال الصاعدة، في انسجام مع متطلبات العصر ورهانات الإدماج الاجتماعي والاقتصادي.
التكوين في صلب التطوير
وأطلقت كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني برنامج التكوين بالتدرج المهني في الحرف الفنية، والإنتاجية، والخدماتية المرتبطة بالصناعة التقليدية.
ويهدف البرنامج المجاني، حسب بلاغ لكتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية، إلى تسهيل الاندماج المهني للشباب فوق 15 سنة من خلال إكسابهم مهارات عملية داخل المقاولات الحرفية، وتشجيع التشغيل الذاتي، بالإضافة إلى المساهمة في تأطير النسيج الاقتصادي لمقاولات الصناعة التقليدية، والمحافظة على الحرف التقليدية المهددة بالاندثار ونقلها للأجيال الصاعدة.
ويزاوج نظام التكوين بين التطبيقي والنظري ويقوم على مبدأ التعلم بالممارسة، حيث يقضي المتدرب ما لا يقل عن 80% من مدة التكوين داخل المقاولة الحرفية المستقبِلة، فيما يستكمل النسبة المتبقية داخل مراكز التكوين، وذلك عبر شبكة تضم 67 مؤسسة وما يفوق 100 ملحقة، بطاقة استيعابية تصل إلى 30.000 مقعد بيداغوجي.
وأوضح البلاغ أن التكوين يتيح الحصول على ثلاث شهادات مختلفة حسب المستوى الدراسي وهي: شهادة التدرج المهني، ودبلوم التخصص المهني، ودبلوم التأهيل المهني في عدة مجالات مختلفة من بينها الجلد، والخشب، والمعادن، والطين والحجر، والزجاج، والنسيج والألبسة، والحلاقة والتجميل، والمنتوجات النباتية، وإصلاح السيارات والدراجات العادية والنارية، وترميم التراث المعماري، والبناء، وإصلاح وتركيب الأجهزة المختلفة.
ويشترط للولوج لهذه المستويات توفر حد أدنى من مبادئ القراءة والكتابة والحساب بالنسبة للتدرج المهني، ومستوى السنة السادسة ابتدائي أو شهادة التدرج المهني للحصول على دبلوم التخصص المهني، أو مستوى السنة الثالثة إعدادي أو دبلوم التخصص المهني للحصول على دبلوم التأهيل المهني.
وأبرزت كتابة الدولة أن البرنامج يوفر نظاما للممرّات يسمح للمتدرجين بمواصلة مسارهم داخل نفس الحرفة، بحيث يمكن للحاصلين على شهادة التدرج المهني متابعة تكوينهم للحصول على دبلوم التخصص المهني، ومن ثم الارتقاء إلى دبلوم التأهيل المهني.
300 ألف بطاقة مهنية
في إطار ورش تحديث قطاع الصناعة التقليدية وتعزيز مكانته ضمن النسيج الاقتصادي الوطني، أطلقت كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني نظام البطاقة المهنية للصانع التقليدي كآلية مبتكرة للاعتراف الرسمي بالحرفيين وتمكينهم من أدوات الاندماج والتطوير.
ويعكس هذا الورش توجها استراتيجيا نحو رقمنة الخدمات وتوسيع نطاق الاستفادة من برامج الدعم والمواكبة، بما يكرس انتقالا نوعيا في تدبير القطاع ويعزز مساهمته في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في ظل الإقبال المتزايد الذي ترجمه إصدار مئات الآلاف من البطاقات المهنية في ظرف وجيز.
وتأتي هذه الخطوة ضمن تطبيق مقتضيات القانون رقم 17-50 المتعلق بمزاولة أنشطة الصناعة التقليدية، بما يسمح بتمكين الصناع من الولوج إلى خدمات ومزايا جديدة تدعم مسارهم المهني وتحسن ظروف عيشهم.
وأُطلقت عملية توزيع البطاقات المهنية يوم الجمعة 26 شتنبر 2025 بمدينة أكادير، إلى جانب توقيع اتفاقيات شراكة تتيح توفير عروض تفضيلية لفائدة الصناع التقليديين، وذلك بشراكة مع مؤسسات عمومية وخاصة، ضمن فعاليات الدورة التاسعة للجائزة الوطنية لأمهر الصناع. وقد تجاوز عدد البطاقات التي دخلت مرحلة الإصدار إلى غاية اليوم 300 ألف بطاقة.
وتعد البطاقة المهنية وثيقة رقمية وآمنة، مرتبطة بالسجل الوطني للصناعة التقليدية (RNA)، وتضم مختلف المعلومات الخاصة بالصانع، من هويته ونشاطه المهني ورقم هويته الحرفية (NIA)، إلى مدة صلاحيتها ورمز التحقق الذي يسمح بالتأكد الفوري من صحة البيانات. وبفضل بنيتها الرقمية، تمثل البطاقة جيلا جديدا من الوثائق الذكية التي توظف التكنولوجيا الحديثة لمواكبة الحرفيين وتسهيل ولوجهم إلى الخدمات التي تقدمها منظومة الصناعة التقليدية والمؤسسات الوطنية الشريكة.
وتمنح البطاقة المهنية لحاملها صفة “الصانع التقليدي”، بما يتيح له الاستفادة من برامج الدعم والتكوين والمواكبة، والمشاركة في المعارض الوطنية والدولية، وتبسيط المساطر الإدارية، إضافة إلى الولوج إلى خدمات الحماية الاجتماعية، فضلا عن عروض تفاضلية يوفرها شركاء من مؤسسات مالية وخدماتية.
كما تفتح البطاقة المجال أمام الحرفيين للانخراط في شبكة واسعة من الامتيازات عبر اتفاقيات موقعة مع عدد من المؤسسات الوطنية. فعلى المستوى الاقتصادي، تتيح البطاقة الاستفادة من تخفيضات وخدمات خاصة لدى شركات النقل والتأمين والبنوك والمزودين، في حين تساعد، على المستوى القطاعي، في إدماج الصناع ضمن الاقتصاد المهيكل، وفي تثمين وحماية المهن التقليدية.





