عبد المجيد فنيش.. حارس التراث المسرحي والملحون المغربي

ليس الانتماء إلى التراث والمرافعة عنه مضمونا وشكلا في الممارسة المسرحية والموسيقية والغنائية اختيارا مذهبيا في مسار عبد المجيد فنيش. هو الماء الذي غرف منه والهواء الذي تنفسه منذ طفولة مبكرة، نشطة ويقظة، في دروب سلا العتيقة. ولعله اهتدى إلى أن ضمان خلود تعبيرات ثقافية لامادية تراثية مهددة بالأفول يتأتى حين تصبح فرجة بصرية متجددة على المسارح.
من جهة الأب، تلقى سليل الأسرة الأندلسية، الوافدة منذ قرون مع جموع المهجرين إلى ضفة أبي رقراق، السر والذوق من محيط عائلي يتوارث عشق موسيقى الآلة. ومن الأم، كان حظه آل السفياني الذين برعوا في الصناعات التقليدية منذ العهد المريني ثم في فنون المديح والسماع ابتداء من القرن 18.
تفتقت ملكة الحفظ في سن السابعة بنشأة في أمسيات الموسيقى الأندلسية وجلسات المديح. تطورت الذائقة بفضل تقليد “ضحى الجمعة”، الذي ينطلق صباحا بمجموعات للمديح والسماع، داخل المسجد الأعظم، قبل القراءة الجماعية للحزب القرآني، التي تسبق الأذان.
منتصف الستينات بحي بوطويل الشهير، في زقاق سانية بوعلو المغلق على حركة السير، يصبح الفضاء امتدادا للبيوت، يمرح فيه الأطفال صباح مساء. يضرب عبد المجيد موعدا مع أقرانه وتكون الفرجة تقليدا مرحا و”إخراجا” متخيلا للدراما الإذاعية التي كان يستهلكها بإفراط بينما كان التلفزيون في بدايات الأبيض والأسود. ابن السابعة يتقمص مرددا ‘أزلية سيف ذو يزن’ ومقاطع ‘ألف ليلة وليلة’ و’شهرزاد’ وغيرها من أعمال درامية إذاعية صنعت ثقافة الإنصات المغربية، ناهلة من التراث.
بلغ من ولع الطفل بالفرجة أن كان طلبه الذي لا يرد يوم صيامه الأول على التقليد السلاوي أن يفتح الأهل الطابق العلوي من البيت لإقامة عرض تمثيلي لعبد المجيد ورفاقه، وكانت مادة التقليد مسرحيات عبد الرؤوف. قبل اللقاء بأعلام الاحتراف، يحرص فنيش على ذكر فضل معلمه الذي أوكل إلى الصغار تمثيل نص مسرحي عن الصحابي بلال ابن رباح. أما في المرحلة الإعدادية، فكانت مؤسسة صلاح الدين الأيوبي، المجاورة وحظ اللقاء بمدير عاشق للمسرح، محمد بلمامون العلوي، الذي شجع على تأسيس ناد داخلي للمسرح.
يحتدم الشغف وتنضج الموهبة في فضاء ثانوية النهضة خلال النصف الأول من السبعينات. تحقق اللقاء مع أسماء ستصبح لاحقا من نجوم المشهد الفني الوطني، على غرار محمد الأثير وأمال التمار، بل تمت الاستعانة في بعض المشاريع بمسرحيين مكرسين مثل محمد الجم، محمد الناجي، محمد خدي، محمد العاطفي، وعلى مستوى مسرح الطفل رفقة ثنائي طبع ذاكرة أطفال المغرب، باسم “ناقوس وسنيسلة” (محمد تويرتو ومولاي سليمان العلوي).
تتماهى سيرة فنيش مع مراحل مفصلية في تطور الممارسة المسرحية بمدينة سلا. يتعلق الأمر بتأسيس جمعية هواة الفن المسرحي، التي هبت عليها رياح الاحتراف وهي تشارك لأول مرة سنة 1979 في المهرجان الوطني لمسرح الهواة، الملتقى الذي شكل رافدا حيويا لصناع الفن الدرامي في المغرب، على واجهات التلفزيون والمسرح والسينما. ذلك أن الهواية كانت النهر الخالد الذي تخرج منه الممثلون والكتاب والمخرجون قبل أن تظهر مؤسسات التكوين المعتمدة. كانت روح “اللعب” تشحذ المهارات في دور الشباب والجمعيات والمخيمات وحفلات المدارس.
لاحقا، سيحين وقت جمع الشتات المسرحي بالمدينة بتأسيس مجموعة العمل المسرحي (التي تحولت ابتداء من سنة 1999 إلى “مسرح المبادرة” الاحترافي). أضحى الرهان إلباس خصوصية للمسرح السلاوي، على نهج خصوصية مسرح مراكش مع “الوفاء” و”شبيبة الحمراء”، وخصوصية المسرح في مكناس مع تجارب الراحل محمد تيمود…، فكان التوجه نحو استحضار وتوظيف الرصيد التراثي ليصبح المادة الرئيسية للتجربة المسرحية لعبد المجيد فنيش. تعزز هذا النزوح نحو المضمون والشكل التراثي بالانخراط في جماعة المسرح الاحتفالي التي قادها المؤلف عبد الكريم برشيد. أثمرت سلا في هذا الإطار حصيلة غزيرة ناهزت 13 عملا مسرحيا من تأليف برشيد وإخراج فنيش، كلها مستلهمة من التراث العربي عامة أو المغربي خاصة، بالإضافة إلى تقاطعات التراثين المحلي والعربي مع التراث الإنساني. وتطورت هذه التجربة مع الانخراط في مسار البحث في التراث الموسيقي للملحون انطلاقا من سنة 1985، حيث قدم فنيش مسرحية “خمس ليالي في حضرة الجيلالي”.
في مسار فنيش، يتلازم العمل المسرحي مع البحث في المسرح، الشكل والمضمون والوظيفة. كان شريكا رئيسا لأكاديمية المملكة المغربية في إصدار سلسلة وصلت 15 ديوانا للملحون، تحولت إلى أعمال استعراضية يمتزج فيها الأداء الغنائي والموسيقي مع التشخيص. غير أن فنيش يصر على أن الانتماء إلى المدار المسرحي التراثي ليس هوسا ولا اختيارا محسوبا. إنه انسجام مع الذات والتكوين الشخصي والمحيط الاجتماعي والثقافي الذي أنتج هوية ليست مغلقة بل منفتحة على التجارب والمقاربات.
عايش عبد المجيد فنيش، خريج المعهد العالي للصحافة، على مدى نصف قرن، منعطفات المسرح المغربي في علاقته مع الجمهور. يقول إن الفرجة المسرحية التي كسبت جمهورا عريضا هي الأعمال التي اختارت أن تجمع بين الخطاب الشعبي، وتناول قضايا مجتمعية عبر الكوميديا. بعد أسماء مثل الطيب العلج والبدوي والوفاء المراكشية، جاءت تجارب مسرح الحي في الدار البيضاء، وفرقة المسرح الوطني بنجومية محمد الجم وتجارب أخرى قادها شباب، استطاعوا أن يصنعوا كوميديا اجتماعية جماهيرية.
عرض اليوم لا يشبه عرض الغد، والمسرح هو فن اللقاء الحي، يردد الرجل الذي احترف الممارسة بروح الهواية، وهو يضع أصبعه متحسرا على تراجع تقاليد المشاهدة الجماعية في القاعات. “الفنون تصل اليوم إلى هواتف الناس” وأزمة العزوف تستحق تأملا عميقا. يتابع الكثير من الأعمال المسرحية لفرق شابة تحصد الجوائز في المهرجانات العربية، لكنه ربيع مسرحي ناقص. أعمال كلفت مجهودا أدبيا وفنيا وتقنيا تقدم أمام كراسي فارغة. أرقام الشباك التي تحققت في السبعينات والثمانينات وحتى التسعينات أصبحت طموحا بعيد المنال.
غير أنه لا يستسلم لحتمية ناجزة لهذا الجفاء الجماهيري، مستشهدا بالشبابيك المغلقة للعروض الفردية التي يقدمها فنانون من قبيل حسن الفد أو حنان الفاضلي. يرعى عبد المجيد فنيش أملا واثقا، وهو يتابع من داخل المركب الثقافي لتابريكت في سلا، همة شباب يضعون اللمسات الأخيرة قبل أن يرفع ستار مهرجان الارتجال المسرحي الذي احتفى به وجها لجيل كامل من الرواد. “لقد غالبت المرض وأتيت من أجل هؤلاء ‘الوليدات’ الذين يواصلون إشعال الأضواء على المنصات المظلمة”.





