في سبتة المحتلة.. أطفال مغاربة يرثون “اللاهوية” وحياة على هامش القانون

في واحدة من أكثر المفارقات القانونية قسوة، يعيش عدد من المولودين في سبتة المحتلة أوضاعا إنسانية معقدة، بعدما وجدوا أنفسهم عالقين في فراغ قانوني يحرمهم من أبسط الحقوق، ويجعل وجودهم ذاته غير معترف به إلا عبر وثيقة وحيدة: شهادة الميلاد، وذلك وفق معطيات نشرتها صحيفة “إل فارو” الإسبانية.
وتشمل هذه الحالات، بحسب المعطيات ذاتها، أطفالا ورضيعا لا يتجاوز عمره ستة أشهر، ينتمون إلى أسر مهاجرة استقرت في المدينة منذ سنوات، غير أن وضعية آبائهم غير القانونية انتقلت إليهم بشكل شبه “وراثي”، لتغلق أمامهم كل أبواب الاندماج، وتضعهم في خانة “عديمي الجنسية” عمليا، سواء في إسبانيا أو المغرب، إذ لا يتوفرون على أي وثائق رسمية تخول لهم مغادرة سبتة المحتلة أو متابعة دراستهم بشكل طبيعي أو الولوج إلى سوق الشغل النظامي.
وتكاد حياتهم اليومية تختزل في غياب “ورقة” حاسمة، بدونها لا يمكنهم سوى الحصول على خدمات محدودة واستثنائية، كالتعليم أو الرعاية الصحية، بينما تصطدم محاولاتهم لتسوية وضعيتهم القانونية بجدار من التعقيدات الإدارية، إذ يُحرمون من “شهادة التسجيل” التي تُمنح عادة لعديمي الجنسية، وفي المقابل لا يستطيعون السفر إلى القنصلية المغربية في الجزيرة الخضراء لاستخراج جواز سفر.
وحتى في حال تمكنهم من الحصول على تصريح استثنائي للتنقل، فإن إجراءات استخراج جواز السفر تتطلب التسجيل في سجلات السكان (البادرو)، وهو شرط غير متوفر لديهم، لتتراكم العراقيل في حلقة مفرغة من التعقيدات القانونية التي تجعلهم عالقين في وضع لا يعترف بهم قانونيا.
وفي هذا السياق، وصفت المحامية يسرى عبد اللطيف، التي تتولى الدفاع عن أسرتين متضررتين تضمّان سبعة أفراد، في تصريحات للصحيفة الإسبانية، هذه الفئة بقولها “إنهم أشباح”، مشيرة إلى أنها أول من تنبه إلى هذه الظاهرة على المستوى المحلي، قبل أن تقرر التكفل بالملفين بشكل تطوعي، والسعي لإيجاد مخرج قانوني لهم.
وأوضحت، استنادا إلى ما نقلته “إل فارو” على لسانها، أن جميع المحاولات لتسوية وضعيتهم باءت بالفشل، في ظل غياب تجاوب من الإدارة، وتداخل عوامل قانونية معقدة، أبرزها غياب وثائق إثبات الهوية، وهو ما يجعل تسوية وضعهم شبه مستحيلة في الإطار القانوني الحالي.
وفي ظل هذا الانسداد، يبرز إجراء أطلقته الحكومة الإسبانية يتعلق بتسويات استثنائية للأجانب باعتباره الأمل الوحيد لهؤلاء، غير أن تفعيل هذا الأمل يظل مشروطا بإدراج بند خاص يعالج هذه الحالات المعقدة، إذ كانت المحامية قد تقدمت بمذكرة ملاحظات قبل نشر إحدى مسودات المشروع دعت فيها إلى إدراج وضعية الأطفال المولودين في سبتة المحتلة ضمن الفئات المستفيدة، غير أن المقترح لم يتم اعتماده، خلافا لبند آخر يتعلق بالأشخاص الحاملين لجوازات سفر منتهية الصلاحية.
وتكشف حالة شابة تبلغ 21 عاما عمق هذا المأزق، إذ تؤكد الصحيفة، أنه رغم متابعتها الدراسة الأساسية، لم تتمكن من الاندماج في سوق العمل النظامي واضطرت للاشتغال في القطاع غير المهيكل، كما تقدمت بطلب للحصول على شهادة التسجيل، لكنه قوبل بالرفض، قبل أن تلجأ إلى القضاء الإداري دون جدوى، إذ تم رفض طعنها بدعوى عدم إثبات محاولات فاشلة لتجديد وثائقها في المغرب.
ولم تتوقف محاولاتها عند هذا الحد، إذ راسلت القنصلية المغربية في الجزيرة الخضراء لطلب استخراج جواز السفر عبر البريد، غير أن الرد، وبحسب المعطيات التي أوردتها الصحيفة، جاء سلبيا بدعوى استحالة تسليمه، في وقت لا تستطيع فيه مغادرة سبتة المحتلة لزيارة القنصلية بسبب غياب الترخيص، كما حاولت الحصول على إذن أمني للتنقل دون نتيجة.
وفي محاولة أخرى، لجأت إلى مراسلة وزارة الهجرة الإسبانية عبر رسالة إلكترونية بعثتها في فبراير الماضي تشرح فيها وضعها ووضع أسرتها، لكنها لم تتلق أي رد إلى اليوم، ما دفعها في نهاية المطاف إلى تقديم طلب لجوء، في خطوة تعكس حجم اليأس من الحلول الإدارية المتاحة.
وفي المقابل، دفعت هذه الوضعية المحامية إلى نقل الملف إلى الرأي العام، إذ وجهت مذكرات إلى كتابة الدولة المكلفة بالهجرة وإلى مؤسسة وسيط المظالم، مطالبة بفتح نقاش مؤسساتي حول هذه الحالات، كما أبدت استعدادها للقاء ممثلين عن السلطات لإيجاد مخرج قانوني يضع حدا لهذا الوضع.
وتروي الشابة لـ”إل فارو” تفاصيل معاناة أسرتها المكونة من خمسة أفراد، جميعهم ولدوا وترعرعوا في سبتة المحتلة، دون أن يمتلكوا أي وثيقة رسمية باستثناء شهادة الميلاد، مشيرة إلى أنها قضت ثلاث سنوات دون دراسة أو متابعة طبية قبل أن تتمكن لاحقا رفقة إخوتها من الالتحاق بالمدرسة في ظروف استثنائية، غير أن مسارهم الدراسي يظل محفوفا بالصعوبات، بما في ذلك الحصول على الشهادات أو المشاركة في الأنشطة المدرسية.
كما يواجه أفراد الأسرة صعوبات كبيرة في الولوج إلى التكوين المهني أو فرص العمل، إذ يتم رفض طلباتهم أو حصرها في وظائف غير مهيكلة، ما يعمق من هشاشتهم الاجتماعية ويحد من آفاقهم المستقبلية.
ورغم كل هذه التحديات، تظل الأم، التي تعيل أبناءها الخمسة، الوحيدة التي بدأت إجراءات تسوية وضعيتها، في وقت يترقب فيه باقي أفراد الأسرة ما ستسفر عنه الإجراءات الاستثنائية المرتقبة، إذ يبقى مصيرهم معلقا بإمكانية إدراج حالتهم ضمن النص النهائي، بما قد ينهي وضعهم كـ“أشباح قانونيين” أو يكرس استمرارهم في هامش لا يعترف بوجودهم.





