حبي لبحر!

آلاء شعبان
يا من وصفت بالنسيم المعلل أهلاً بك هنا في عالمي الصغير، أحبُ لونك وأحب رائحتك، وأحب أجوائك
تعال نتشارك الحديث سويا، يا من يسمعني بدون مقاطعة، ويحتويني بأصواته بدون خوف.
في إحدى الأيام قابلت صديقي البحر، إنه هو عالمي الواسع، الذي يقابل خيالي الصغير، أنا شمسٌ وهو بحر، أنا فتاةٌ قدرت لها الوحدة رفيقٌ أبدي فلم تجد سوى البحر صديقًا لها، لأن من حسن قدرها هذه المرة أنها تعيش في عروس البحر الابيض المتوسط.
شمسٌ ذهبت،
بعد مسح زجاجات السيارات التي كانت متوقفة على ناصية الشارع الرئيسي الذي يواجه البحر، انتهت من العمل المتاح لها، وجلست امام من اتخذتهُ صديقي طوال سنواتي الماضية، لم أجد أحد أوفر منه عطاءً ولا أكثر منه هيبة.
أجلس كل يوم أحدثه ويسمعني، كأنه لا وقت لهُ سوى لي كربّ يُوسف الذي نجّاهُ من قاع البئر فاستمع له، لما لا وهو من خلق الله أيضاً؟
إنه يوم عبور السفن، فأنا حفظت كل تحركات الموج و الشاطئ، وأنا أحدث نفسي لماذا كل صخب الأمواج والطيور ذاك بل والأطفال أيضاً؟
هو فصل الصيف الذي أكره، يأتون الناس لشاطئ بحري العزيز يريدون أن يشغلوه عني، لكنه يأبى تركي، كأنه قد تعود على مجالستي اللطيفة، فأنا أكثر المهتمين لأمره، أعرف بحب الصيادين له، لأنه بمثابة مصدر رزق لهم، في وسط الظروف الكالحة، بل ومصدر غذاء لفلذات كبدهم الذي يتركونهم جوعًا ويعودون لهم مُحملين من كل ما لذ وطاب، ألم أقل أنه كريم العطاء، يمنح بدون بخل.
بل لم يقتصر عطاء صديقي على هذا، إنه يسمح للغواصين والباحثين بنيل كل مايريدون منه، مكشفين عن أسراره مُنهلين من كنوزه، بدون حقد عليهم.
حتّى أطفال الصيف أجلس أسمع صخب أصوات ضحكاتهم وهم يواجهون لطمات أمواج صديقي على الشاطئ.
ما أكرمه!
ما هبته الآن بعد حبي له، جئتُ أجالسه ككل يوم أسمع اصواته المحببة لقلبي، ويسمع هو معاناتي مع الحياة بصدر رحب، بل ومتناغم، لكنه اليوم لم يصغى لي، بل كان يدبر مؤامرته الشرسه التي لم أره يفتعلها من قبل.
إنه أخافني في لحظة هدوء رأيته بعيناي يغدر بشخص، أذهب كل الامان مع أنه كان مصدر الأمان الوحيد،
رأيته ذات مرة وأنا أجلس في نفس ذات اليوم، إنه يوم السفن، لكن لم يمر كباقي الأيام التي مرت بها السفن، كان القبطان، يظهر على وجه علامات الخوف، والاحتياط، لكن لابد أن البحر لم يسمح له بهذه التعبيرات،
سمعتُ استنكاره..
كأنه يقول أيأخذ حذره مني؟
فقام بنثره على الماء كالهباء المنثور، ما أقساه شعور!
وإلى الآن لا أنسى شعور الغدر بعد الهدوء، الخذلان بعد الأمان،
لا أنسى نظرات من أصبح هباء،
انتهى قبطان السفينة
وانتهيتُ أنا معه
وانتهى حبي لـ بحر.



