دراما “إعادة التدوير” في مرمى الانتقاد.. جدلي يحذر: استيراد النصوص الأجنبية “تهديد صامت” للهوية
أثار الحديث عن التحضير لموسم ثان من مسلسل “الهيبة: رأس الجبل” موجة واسعة من الجدل وسط متابعي الدراما المغربية، خاصة في ظل تقييمات متباينة رافقت عرض الجزء الأول، الذي لم ينجح، وفق آراء عدد من المتابعين، في تحقيق الصدى المنتظر، مكتفيا بمرتبة متأخرة ضمن ترتيب الأعمال الأكثر مشاهدة على منصة “شاهد”، خلف إنتاجات مصرية حصدت نسب متابعة أعلى حتى داخل المغرب.
وتوقف نقاش الجمهور والنقاد عند مجموعة من الاختلالات التي طبعت العمل، خصوصا على مستوى البناء الدرامي والسيناريو، إضافة إلى صعوبة ملاءمة القصة مع الخصوصية الثقافية المغربية، وهو ما اعتبره البعض سببا مباشرا في عدم انسجام الأحداث مع ما يعرف بـ”التمغربيت”، الأمر الذي أثر على تفاعل الجمهور مع العمل.
وأعاد هذا الجدل إلى الواجهة قضية اقتباس الأعمال الأجنبية وإعادة تقديمها بصيغة محلية، وهي المقاربة التي تبنتها مجموعة من القنوات من بينها “MBC”، خلال السنوات الأخيرة، بالاعتماد على مسلسلات تركية بالأساس، حققت نجاحا لافتا في منطقة الشرق الأوسط، قبل إعادة إنتاجها في نسخ عربية أو مغاربية.
وفي هذا السياق، يعد الممثل والمخرج المسرحي عمر جدلي من بين الأصوات التي انتقدت هذا التوجه، معتبرا أن اللجوء إلى ما وصفه بـ”إعادة التدوير الفني” يطرح إشكالات عميقة تتعلق بالهوية الثقافية.
واعتبر جدلي في تصريح لـ”العمق”، أن استيراد أعمال أجنبية أو دبلجتها دون وعي كاف بخصوصيات المجتمع المغربي، قد يؤدي إلى تمرير أنماط ثقافية لا تنسجم مع البيئة المحلية.
وأشار جدلي، إلى أن خطورة هذه الممارسات تكمن في إمكانية تحولها إلى تهديد صامت للهوية، في حال غياب نقاش جدي حولها، داعيا الفاعلين الثقافيين والفنانين والنقاد إلى التفاعل مع هذه الظاهرة والتنبيه إلى تداعياتها.
كما شدد ذات المتحدث، على أن التعامل مع النصوص الأجنبية يقتضي قدرا كبيرا من الوعي في الاقتباس والإعداد، بما يضمن إعادة صياغتها بشكل يحافظ على الخصوصية الثقافية ولا ينقل بشكل حرفي تجارب مجتمعات أخرى.
واعتبر جدلي، أن الدراما المغربية مطالبة بالاستناد إلى أسس واضحة، بالنظر إلى دورها في التأثير على المجتمع والمساهمة في التنشئة الاجتماعية، مبرزا أن الإنتاجات الفنية ينبغي أن تعكس هوية المجتمع وتاريخه، وتسهم في تعزيز ارتباط الأفراد بثقافتهم وقيمهم.
وفي السياق ذاته، أشار إلى أن بعض الأعمال التي جرى تصويرها في المغرب، اعتمادا على نصوص أجنبية، يتم تقديمها للجمهور على أنها إنتاجات مغربية خالصة، رغم أن مضمونها لا يعكس الواقع المحلي، وهو ما يطرح، بحسبه، إشكالا على مستوى المصداقية الثقافية والفنية.
بالموازاة مع هذا النقاش، يواصل عمر جدلي حضوره في الساحة المسرحية من خلال جولة وطنية لعرضه الجديد “بورتريه.. بغا يقول شي حاجة وحشم”، الذي تقدمه فرقة “مسرح غرناطة” بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، حيث يطرح من خلاله قضايا اجتماعية حساسة بأسلوب فني يجمع بين السرد والفرجة.
ويعالج العمل المسرحي موضوعا يلامس واقع عدد من النساء، يتمثل في إشكالية فرض الزواج وحرمانهن من حرية اختيار الشريك، في ظل ضغوط اجتماعية وتقاليد راسخة ما تزال تؤثر على مسارات حياتهن.
وتدور أحداث المسرحية حول شابة شغوفة بالرسم، تجد نفسها محاصرة بظروف أسرية معقدة، من بينها رعاية والدتها الأرملة الكفيفة، إلى جانب التزامها بوصية والدها التي تفرض عليها الزواج من أحد أقاربها.
وأمام هذا الواقع، تنسحب البطلة إلى عالمها الخاص، حيث تجد في الرسم متنفسا وحيدا للتعبير عن طموحاتها المؤجلة.
ومع تصاعد إحساسها بالاختناق، تقرر كسر القيود المفروضة عليها، وتنطلق في رحلة بحث عن حب قديم ظل عالقا في ذاكرتها منذ الطفولة، محاولة استعادته من خلال لوحة “بورتريه” تجسد ملامحه كما تحتفظ بها ذاكرتها، في مسعى رمزي لاستعادة ذاتها ومواجهة مصيرها.
ومن خلال هذا العمل، يطرح جدلي أسئلة متعددة حول حرية المرأة وحدودها داخل المجتمع، مسلطا الضوء على التحديات التي تعيق حقها في اتخاذ قراراتها الشخصية، في ظل منظومة اجتماعية تفرض قيودا على اختياراتها.
ويشارك في تشخيص أدوار المسرحية عدد من الأسماء البارزة في الساحة الفنية المغربية، من بينهم مونية لمكيمل، محمد الأثير، وعبد الرحيم المنياري، وزاهية زهري، حيث يقدمون أداء جماعيا يزاوج بين العمق الإنساني والتكثيف الدرامي، في عمل يسعى إلى إثارة النقاش حول قضايا اجتماعية راهنة بلغة فنية مؤثرة.
اترك تعليقاً