أخبار الساعة، أدب وفنون

“هل اختطف التاريخ الإسلام؟”.. صابر مولاي أحمد يفكك “فخ الأصولية” وينتصر لقيم السلام

صدر حديثًا، خلال شهر مارس 2026، عن دار التنوير ببيروت، كتاب جديد بعنوان “هل اختطف التاريخُ الإسلامَ؟ إسلامات تبتعد عن الإسلام”، للباحث المغربي صابر مولاي أحمد، في طبعته الأولى، ويقع في نحو 221 صفحة، مقدّمًا مساهمة فكرية جديدة تنخرط في النقاش المعاصر حول سؤال الإسلام في أبعاده المعرفية والثقافية والحضارية، وعلاقته بالتاريخ والواقع والمستقبل.

ويطرح المؤلف، من خلال هذا العمل، إشكالية مركزية ترتبط بمفهوم الإسلام من حيث روحه وجوهره ودلالته المعرفية، معتبرًا أن الإسلام يستمد كينونته من قيم السلم والسلام والأمن والأمان والرحمة، بوصفها قاعدة أساسية لبسط مقصد التعارف بين الشعوب ذات الخصوصيات الثقافية المتعددة، وهو مقصد قرآني تؤكده آيات متعددة من بينها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ… لِتَعَارَفُوا﴾، حيث لا ينحصر التعارف في البعد اللفظي، بل يمتد إلى الأبعاد العلمية والمعرفية والحضارية، بما يجعل منه أساسًا للتواصل الثقافي بين مختلف شعوب العالم، الساعية إلى ترسيخ قيم السلام والتعاون والعدل والحد من النزاعات.

ويؤكد الكتاب، في مقدمته، أن فهم الإسلام ينبغي أن يتم من داخل النص القرآني، حيث تدور مفردة «الإسلام» في مدار تعزيز قيم السلام والأمن والرحمة، باعتبارها مقاصد كبرى، كما ترتبط بمفاهيم أخرى مثل ملة إبراهيم، التي قامت على إقرار الأمن بين الناس، ومقصد إقامة «دار السلام» التي يتحقق داخلها التعارف والتعاون والعدل، وهو ما يستدعي قراءة متكاملة للآيات القرآنية، دون عزلها عن سياقها العام، خاصة في ما يتعلق بمسألة حرية الاعتقاد، التي يؤطرها قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.

كما يبرز المؤلف أن التحدي المطروح اليوم هو تحدٍ ثقافي ومعرفي وحضاري، يرتبط بقدرة الإنسان على العيش في واقعه، بدل الارتهان إلى الماضي ومحاولة إسقاطه على الحاضر، منتقدًا ما يسميه “تجار بائعي التذاكر نحو الماضي”، الذين يروّجون للهروب من إكراهات الحاضر عبر استدعاء نماذج تاريخية لا تعكس بالضرورة حاجات العصر، مشددًا على أن الإسلام لا يوجد فقط في الماضي، بل هو حاضر في الزمن الراهن وممتد نحو المستقبل، وأنه واحد من حيث النص المؤسس، لكنه متعدد التجارب عبر التاريخ.

ويرى الكتاب أن المطلوب ليس القطيعة مع الماضي، بل التعامل معه بوصفه امتدادًا معرفيًا يُفهم ويُؤوّل في ضوء الحاضر واستشراف المستقبل، حيث تتكامل مفردتا «النظر» و«العمل» في بناء الفعل الحضاري، في ارتباط وثيق بالعمل الصالح والنفع العام، مع التأكيد على أهمية العلوم الإنسانية والطبيعية في فهم الظواهر التاريخية والكونية، باعتبارها مدخلًا لبلوغ المعرفة والحكمة، وربط مفهوم «النور» في القرآن بمفهوم «العلم».

ويتوزع الكتاب على ثلاثة محاور رئيسة، تتناول أولًا جدل الإسلام بين الماضي والمستقبل، من خلال قضايا من قبيل اختزال الإسلام في تاريخه، وتعدد تجارب الإصلاح، والاجتهاد بين الأمس واليوم، وإشكاليات تدريس الدين، والإسلام الأوروبي، وشريعة الأقلية، وصولًا إلى سؤال «عن أي إسلام نتحدث». أما المحور الثاني، فيركز على القرآن باعتباره معينًا لا ينضب، من خلال مناقشة الفهم الحضاري المتجدد للنص، وقضايا البيان بين الشافعي والجاحظ، ولسان القرآن، وإشكالية التفسير والقراءة المعرفية. في حين يعالج المحور الثالث إشكالات الفكر بين عبء الماضي وآفاق المستقبل، متناولًا ثنائية الأصالة والمعاصرة، ومعضلة الأصولية، والفخ الأصولي، وتراث النهضة، والحوار بوصفه قلق الحاضر وأفق المستقبل، إضافة إلى قضايا فقه المرأة، وتراث الاستشراق، والخروج عن السرديات المألوفة، والخلاف التاريخي بين علي ومعاوية، وإشكالية الدولة الدينية.

ويأتي هذا الإصدار في سياق مسار علمي وبحثي للمؤلف، الحاصل على الدكتوراه في تخصص الحوار الديني والثقافي في الحضارة الإسلامية من جامعة السلطان مولاي سليمان، والذي راكم مجموعة من المؤلفات في الدراسات القرآنية والفكرية، من بينها «منهج التصديق والهيمنة في القرآن الكريم»، و«الوحي: دراسة تحليلية للمفردة القرآنية»، و«التداول اللغوي للمفردة بين الشعر والقرآن»، و«القرآن ومطلب القراءة الداخلية»، و«الحوار: قلق الحاضر وآفاق المستقبل»، فضلًا عن مشاركته في ندوات ومؤتمرات علمية وطنية ودولية، وإشرافه على عدد من الفعاليات الفكرية المرتبطة بسؤال المعرفة والتجديد الثقافي في العالم الإسلامي.

كما عمل الباحث أستاذًا وخبيرًا ثقافيًا في عدد من المؤسسات العلمية داخل المغرب وخارجه، من بينها منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة، ومؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، ومؤسسة سراج، ومؤسسة الدراسات الفكرية المعاصرة، حيث انشغل بقضايا الفكر والمعرفة وتجديد الخطاب الثقافي.

وفي كلمة الغلاف، يؤكد الكتاب أن مفردة الإسلام في القرآن ترتبط بقيم السلام والرحمة، وأن التحدي اليوم يتمثل في تقديم فهم يساعد على العيش في الواقع بدل الهروب إلى الماضي، مع التشديد على ضرورة قراءة التراث لا لتقديسه، بل للاستفادة منه في فهم الحاضر وبناء المستقبل، في أفق بلورة وعي ثقافي ومعرفي يستجيب لتحديات العصر، ويراعي البعد الكوني والإنساني للإسلام، انطلاقًا من كونه رسالة رحمة للعالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *