عضو هيئة التدريس بكلية الطب - جامعة الملك سعود بن عبدالعزيز للعلوم الصحية - منسق علم الأنسجة - تدريس التشريح والأنسجة لكليات الطب والمهن الصحية (حساب شخصي)
عشر سنوات قضيتها بالتعليم الجامعي، أدخل القاعة وكأنها آخر محاضرة لي، لم احرج فيها طالباً ولم أكسر فيها خاطراً ولم أمنع من دخول المحاضرة مُتأخراً، لست الأفضل ولا الأكثر علماً لكن مراعاة الظروف والتماس الأعذار وإيصال العلم بالاحسان أعظم أثراً من تلقين قد يُنسى عند مغادرتي القاعة.
لست أفضل أكاديمي لكني احرص قبل مغادرة قاعات المحاضرات ألا أكون تسببت بأي أذى أو احراج أو حتى كسر خاطر لأي طالب عندي، والله ان الشهادات مهما بلغت ماهي إلا ورقة تثبت تعمقنا في تخصص معين لا ترفع الانسان دون حسن الخُلق ومراعاة أثر الكلمة والأسلوب، كلنا عابرون ولا يبقى إلا الأثر.
في طفولتي أصيبت والدتي بمرض خطير وسافرت للعلاج وبقيت أنا عند أقاربي لإكمال دراستي، كنت أذهب للمدرسة وفي قلبي حزن عميق لا يعلم عنه أحد، أقل موقف كان يؤلمني، ومنذ أصبحت أكاديمي عاهدت الله ألا أجرح أو أتسبب في أي أذى لأي طالب عندي فلا أحد يعلم عن صراعاتهم اليومية وهمومهم غير الله.
جبر الله خاطر كل طالب حضر العيد وباله مشغول بامتحانات ودراسة وواجبات بعده، الله يعلم ما يواجهه هذا الجيل من صعوبات ومنافسات في طريقه، يارب عوضاً وعوناً وتوفيقاً وأجراً على اجتهاده وصبره.
أحد الطلاب يأتي مكتبي في كل صغيرة وكبيرة حتى وهو على وشك التخرج، يأخذ رأيي في الدراسة وحياته وشؤونه، كنت استغرب ذلك وكان البعض ينصحني أن ألتزم بالساعات المكتبية، لكني لم أرده قط، عند مغادرته مكتبي قال لم أرى والدي من فتحت عيوني فرأيتك أنت والدي، حمدت الله أني لم أستمع لهم ولم
ما رفضت يوماً عذر طالب ولا نهرته أو أحرجته في قاعة، ألتمس العذر وأقدر الظروف وأعلم أنني اليوم هنا وغداً مغادر ولن يبقى مني إلا الأثر، هناك من نفسيته متعبه وظروفه سيئه وشمسه غاربه وفصوله ذابله لا أحد خالي من هموم الحياة لذلك المراعاة واللين وكسب القلوب أول الطريق لتحصيل العلم.
كلهم يلومونك على معدلك وعثراتك وحتى اختيار تخصصك، كلهم فلاسفة في دراستك وتحديد مسارك، لا أحد منهم وضع نفسه بمكانك، لا أحد يعلم حياتك وظروفك وقصتك ومحاولاتك أو مواجهاتك، أكمل طريقك ولا تحزن الله وحده هو الذي يعلم تفاصيلك.
في أحد الأيام في الصباح وأنا متوجه لمكتبي وجدت أحد طلابي الذي قد درسته سابقاً ينتظرني، احتضنني بحرارة وتبادلنا السلام ومعرفة أخباره، قال أتيت لك وانا محرج وكنت افكر لأيام بهذا الأمر وأريد أن اخطب وأنا يتيم والدين فهل تذهب معي فأنت بمقام والدي، وافقت مباشرة وذهبت معه لأهل العروس
مهما كان حالك بدراستك من ضيق وصعوبة، تذكر أنك ما وصلت هذه المرحلة عبثاً ولا صدفة، جعل الله فيك ما يواجه كل شدة، كم قاومت وحدك وتجاوزت كل كربة، مهما اشتد الظلام في محيطك نور الله أقوى من كل عتمة.
الزواج ليس له عمر، الانجاب ليس له مدة، الدراسة ليس لها وقت، لا تعمموا التجارب ولا تحددوا أولوية المراحل، كل انسان له قصته المختلفة عن الآخر بظروفه وامكانياته وافكاره، يحدد ويختار ما يناسبه ويبدأ بالوقت الذي يناسبه، لا تحصروا النجاح والفشل والتأخر والتقدم بناءً على رؤيتكم أنتم.