مصادر ومدارس الأدب المقارن

د. محمد عباسة
جامعة مستغانم (الجزائر)

أنواع مصادر الأدب المقارن

1 – الدراسات التي سبقت النشأة:
وهي الدراسات التي قام بها النقاد والأدباء القدامى وشملت بعض مظاهر التشابه والاختلاف بين الآداب، وكانت معظم أحكامها ذاتية ويغلب عليها السرد. ومنها الدراسات التي قام بها بعض الأوروبيين خلال القرون الوسطى. وكذلك الدراسات التي قام بها العرب القدامى، ومنهم الجاحظ في كتبه الحيوان والبيان والتبيين والبخلاء.
2 – الدراسات التي مهدت لنشأة الأدب المقارن:
وهي الدراسات التي ظهرت في العصر الرومنطيقي وعصر النهضة العلمية، حيث اعتمد الباحثون في دراساتهم على المناهج العلمية. ومن أهم هذه الدراسات، كتاب « من ألمانيا » للسيدة دي ستال، وكتاب « بور رويال » لسانت بوف، « والأدب المقارن » لبوسنيت، وغيرها.
3 – مصادر رواد الأدب المقارن:
وهي الكتب التي ألفها مؤسسو الأدب المقارن حول المفهوم والمنهج، وذلك في أواخر القرن التاسع عشر للميىد وبداية القرن العشرين، ومنهم جوزيف تكست، فرنان بالدنسبرجيه، وبول فان تيجم، وجون ماري كاري، وماريوس فراسوا جويار وغيرهم ممن يحسبون على المدرسة التاريخية التقليدية.
4 – مصادر مدارس الأدب المقارن:
وهي الكتب التي ظهرت بعد أزمة الأدب المقارن والانتقادات التي وُجهت للمدرسة التاريخية، من بينها كتب المدرسة النقدية ومن روادها هنري ريماك وروني ويلك. وكذلك كتب المدرسة الاشتراكية، ومن روادها فكتور جيرومنسكي.
5 – الدراسات الأدبية المقارنة:
وهي الدراسات المقارنة التي يقوم بها الباحثون حول مجالات التأثير والتأثر بين الآداب المختلفة، وقد يتبع فيها الباحثون منهج إحدى مدارس الأدب المقارن، أو كلاها.
6 – مصادر الأجناس الأدبية العالمية:
وأهمها مصادر الآداب القديمة التي أثرت كثيرا في الكتّاب والشعراء، ومنها المسرحية والقصة بأنواعها والملحمة وما يتفرع من هذه الأجناس من موضوعات ونماذج تأثر بها الكتّاب.
7 – مصادر الكاتب:
هذه المصادر تشمل كل العناصر الأجنبية التي استقى منها الكاتب أدبه وساعدت على تكوينه، وهي عدة أنواع: فمنها أسفاره، ومخالطته النوادي ومطالعته الكتب والمجلات، وغيرها.
8 – كتب الرحالة:
أدب الرحلات موضوعات وأشكال، قد تكون الرحلة خيالية أو واقعية، وقد تكون حقيقية دينية، وقد تكون علمية وجغرافية. وقد تكون أيضا خيالية أو خارقة للعادة يصعب إدراكها كالقصص العجائبية والغرائبية. وأدب الرحلات يرتبط بالصورائية ويعتمد عليه الكتّاب في نظرتهم إلى الشعوب الأخرى.

***
أزمة الأدب المقارن

1 – تعريف أزمة الأدب المقارن:
أزمة الأدب المقارن، مصطلح يعكس في نشأته الصراع الدَّولي للهيمنة الثقافية، وإبراز فضل أمة على أمة أخرى حضاريا.
2 – بداية أزمة الأدب المقارن:
بدأت أزمة الأدب المقارن مع ظهور المدرسة التاريخية في فرنسا بعدما اعتمدت في مفاهيمها على العوامل الأيديولوجية والسياسية وتعصبت للمركزية الغربية، كما وضعت شروطا استقصائية للتعامل في الدراسة المقارنة.
3 – أسباب أزمة الأدب المقارن:
إن تعدد مناهج المقارنة وتعارضها فيما بينها كان من العوامل التي أثرت في اتجاه الدراسات الأدبية المقارنة. هذه المناهج، وبالخصوص المنهج الفرنسي والأمريكي، بنيت على منطلقات تنافسية أهدافها لا تخدم الغاية الإنسانية التي نشأ من أجلها الأدب المقارن، فاشتد الخلاف بينها.
4 – مواجهة أزمة الأدب المقارن:
في ظل الأزمة التي اشتدت بين رواد المدرسة التاريخية، وبين رواد المدرسة النقدية في الخمسينيات من القرن الماضي، ظهر بعض الدارسين من عارض الاتجاهات التي تميزت بها المدرسة التاريخية، كما ذهب البعض الآخر إلى وضع مناهج جديدة للخروج من الأزمة.
5 – الأدب المقارن في ظل الأزمة:
اعتمدت الدراسات المقارنة بعد الأزمة على المنهجين الفرنسي والأمريكي. وحتى المنهج السلافي، كان يستند في بعض منطلقاته على المدرسة التاريخية أحيانا والنقدية أحيانا أخرى. غير أن المنهج الاشتراكي انتقد سلبيات المدرستين كما اقترح بديلا لها.

***
المدرسة الفرنسية روادها ومصادرها

1 – تاريخ المدرسة الفرنسية:
المدرسة الفرنسية التاريخية هي أول اتجاه ظهر في الأدب المقارن، وكان ذلك في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، ثم ظهرت اتجاهات أخرى نازعتها كما اختلفت معها أو جاورتها.
2 – منهج المدرسة الفرنسية:
وضعت المدرسة التاريخية شروطا للدراسة المقارنة، لابد من توافرها:
أ – أن تكون الدراسة بين أدبين وطنيين أو أكثر، وأن تقتصر المقارنة على مجال الأدب فقط، يشترط أن تكون الدراسة بين آداب من أمم مختلفة وبلغات مختلفة.
ب – أن تتوفر الصلة التاريخية بين العملين الأدبيين، وعلى الباحث اكتشاف عوامل التأثير بين هذه الآداب، والبحث عن أجه الشبه والاختلاف بينها.
ج – أن يكون المؤثر أدبا عالميا والمتأثر أدبا ثانويا. إن المدرسة الفرنسية التاريخية ربطت عملية التأثير والتأثر بحالة الاستعمار، حيث اعتبرت أن آداب أوروبا الغربية هي المؤثرة لأنها هي القوية ولتي تمثل الحضارة.
3 – نقد المنهج التاريخي:
فالشروط التي وضعتها هذه المدرسة تبتعد عن الهدف العلمي، فتقسيم الآداب إلى قوية وضعيفة وربطها بالاستعمار لا علاقة له بالعلم، وهذا تكريس لأيديولوجية المركزية الأوروبية التي انتقدتها المدارس الأخرى.
4 – رواد المدرسة التاريخية ومصادرهم:
أ – الجيل الأول، وهم الذين أسسوا المدرسة التاريخية ونظّروا لها، ومنهم:
– جوزيف تكست (Joseph Texte)، ومن أعماله « تأثير القدامى في كتاب النهضة »، وغيرها.
– فرنان بالدنسبرجيه (Fernand Baldensperger)، وله مقدمة « الكلمة والشيء » 1921م.
– بول فان تيجم (Paul van Tieghem)، من كتبه « الأدب المقارن » 1931م.
– ماريوس فرانسوا جويار (Marius-François Guyard)، وله كتاب « الأدب المقارن » 1951م.
– جون ماري كاري (Jean-Marie Carré)، ومن كتبه، « رحالة وأدباء فرنسيون في مصر » 1932م، وغيرهم ممن يحسبون على المدرسة التاريخية التقليدية.
ب – الجيل الثاني، وهم المحدثون الذين خالفوا بعض مبادئ المدرسة التقليدية، ومنهم:
– روني إيتيامبل (René Etiemble)، وله كتاب « المقارنة ليست سببا ».
– دانيال هنري باجو (Daniel-Henri Pageaux)، وله كتاب « الأدب العام والمقارن ».
– بيير برونيل (Pierre Brunel)، وآخرون، ولهم كتاب « ما الأدب المقارن »، وكتاب « الأدب المقارن ».

***
المدرسة الأمريكية روادها ومصادرها

1 – تاريخ المدرسة الأمريكية:
تعود بداية تدريس الأدب المقارن إلى سنة 1902م عندما أنشأ تشارلز ميلز غايلي (Charles Mills Gayley) قسما للأدب المقارن في جامعة بكاليفورنيا، ولم يول الأمريكيون أهمية لمنهج الأدب المقارن إلا بعد منتصف القرن العشرين.
ففي سنة 1958م ألقى الناقد الأمريكي من أصل تشيكي روني ويلك محاضرة بعنوان « أزمة الأدب المقارن » منتقدا أسس المدرسة الفرنسية التقليدية، وقد سار على منوال ريني ويلك نقاد آخرون وعلى رأسهم هنري ريماك، وهو من الرواد الذين يعود إليهم الفضل في تأسيس المدرسة الأمريكية النقدية.
2 – مفاهيم المدرسة النقدية:
لقد عارضت المدرسة الأمريكية أغلب ما جاءت به المدرسة الفرنسية من مفاهيم، وجاءت بأُسس جديدة للأدب المقارن منها:
– دراسة الأدب بعيدا عن التوجهات السياسية واختلاف اللغات.
– اعتماد المنهج النقدي في الأدب المقارن دون البحث عن المؤثرات الأجنبية.
– بالإضافة إلى العلاقات بين الآداب، يجب المقارنة بين الفنون والعلوم الأخرى.
3 – اعتراضاتها على المدرسة التاريخية:
بعد ظهور كتاب غويار سنة 1951م، ظهرت في أمريكا دراسات تنتقد هذا الكتاب، فهي ترى أن غويار يتخذ من الأدب الفرنسي محورا تدور حوله الآداب الأخرى. وهذه النزعة المحورية لا تخدم الأدب المقارن.
كما اعترضت على المنهج التاريخي الذي يصب جل اهتمامه على العلاقات التاريخية بين الآداب. غير أن المنهج النقدي لم يأت لمواجهة المنهج التاريخي حسب زعمهم وإنما لمجاورته.
4 – خلفيات تأسيس المدرسة النقدية:
الانتقادات التي وجهتها المدرسة الأمريكية للمدرسة الفرنسية لم تكن واقعية، بل هناك أسباب وخلفيات جهوية وأيديولوجية وراء رفضها لمفاهيم ومنهج المدرسة التاريخية، منها:
أ – إن أمريكا بلد حديث العهد ليس له تاريخ أدبي قديم كالأدب الأوروبي.
ب – إن أمريكا متعددة اللغات وليس لها لغة وطنية بل كل لغاتها أوروبية، فشرط اللغة التي وضعته المدرسة الفرنسية التقليدية لا يخدمها، فالمجتمع الأمريكي يتشكل من عدة أعراق، وهذا يعني أن آداب هذه القوميات ينتمي حسب المدرسة الفرنسية إلى الآداب الأوروبية، لذا لا يصح مقارنتها بها.
ج – إن تقسيم الأدب إلى راق وضعيف وربطه بالاستعمار لا يخدم المدرسة الأمريكية، لأن الولايات المتحدة كانت مستعمرة من قبل عدة دول أوروبية ولمدة طويلة.
5 – رواد المدرسة النقدية ومصادرهم:
– روني ويليك (René Wellek)، ومن أعماله « مفاهيم نقدية »، وكتاب « نظرية الأدب » بالاشتراك مع أوستن وارين (Austin Warren).
– هنري ريماك (Henry Remak)، ومن أبحاثه « الرومانتيكية الغربية: التعريف والمجال »، وكذلك « الأدب المقارن: تعريفه ووظيفته » الذي اعتمدت عليه المدرسة النقدية.
– كالفن براون (Calvin Brown)، صاحب كتاب « الموسيقى والأدب: مقارنة بين الفنون »، وله كتاب آخر بعنوان « الأدب المقارن ».
– هورست فرنز (Horst Frenz) ونيوتن ب. ستالكنخت (Newton Phelps Stallknecht)، ولهما كتاب « الأدب المقارن: المنهج والمنظور ».
– هاري ليفين (Harry Levin)، ومن أهم كتبه « الانكسار: مقالات في الأدب المقارن ».
– ألفريد إيون ألدريج (Alfred Owen Aldridge)، أستاذ اللغة الفرنسية والأدب المقارن وله عدة كتب في الدراسات المقارنة.
6 – بين المدرسة الفرنسية والأمريكية:
– دراسة الأدب المقارن بدأت في فرنسا منذ منتصف القرن التاسع عشر للميلاد، في حين لم تظهر في أمريكا إلا في نهاية الخمسينات من القرن العشرين.
– يعتمد الاتجاه الفرنسي على المنهج التاريخي، أما الاتجاه الأمريكي فيعتمد على المنهج النقدي.
– يعتبر المنهج التاريخي كل إنتاج لا تربطه وسائط، خارجا عن الأدب المقارن، أما المنهج النقدي فهو لا يشترط الصلات الأدبية في الدراسة.
– يعتبر المنهج التاريخي أدب الرحلات بكل أنواعه من الأدب المقارن، أما المنهج النقدي فيستثني منه مذكرات الرحالة الهواة.
– يقتصر المنهج التاريخي على المقارنة بين الآداب المختلفة وحدها، أما المنهج النقدي فهو يقارن بين الآداب الفنون الأخرى أيضا.
– يرتكز المنهج الفرنسي أساسا على التاريخ الأدبي والحدود اللغوية، أما المنهج الأمريكي فأساسه الذوق الأدبي بغض النظر عن الأصل أو اختلاف اللغة.
– الأدب المقارن حسب المدرسة التاريخية تنحصر مهمته في دراسة العلاقات المتبادلة بين أدبين، بينما يهتم الأدب العام بالحركات والأنماط التي تنسحب على عدة آداب، أما المنهج النقدي فلا يرى فرقا بين الأدب العام والمقارن.

***
المدرسة السلافية روادها ومصادرها

ظهر الأدب المقارن في بلدان شرق أوروبا في النصف الثاني من القرن العشرين معتمدا على المنهج الماركسي والفلسفة المادية الجدلية. وقد كان ممنوعا في المرحلة الستالينية لارتباطه بالطبقة البورجوازية في أوروبا الغربية.
تسمى المدرسة السلافية أيضا بالاشتراكية والنمطية والماركسية نسبة إلى إيديولوجية بلدان شرق أوروبا في القرن الماضي. ويعد المقارن الروسي « فكتور جيرومنسكي » من منظري هذا المنهج ومؤسسيه.
ترى النظرية الاشتراكية أن المجتمع فيه بنيتان، تحتية (النظام الاجتماعي المتمثل في أدوات الانتاج ووسائله) وفوقية (الثقافة والأدب والفن). إن الواقع الاقتصادي والاجتماعي (أو البنية التحتية) يتحكم في الإنتاج الأدبي، ويحدد أشكاله ومضامينه. والبنية الفوقية (أو الأدب) تؤثر في البنية التحتية (أو النظام السائد) وتغير فيها. فالبنيتان تؤثران ببعضهما، مما يؤدي إلى الثورات وتغيير نظام المجتمع.
يرى المقارنون في هذا المنهج أن تقارب مجتمعين في التطور قد يؤدي إلى ظهور وجوه من التشابه بين أدبيهما، حتى وإن لم تقم بينهما علاقة تأثر وتأثير. فالمنهج الاشتراكي لا يشترط التأثير المباشر في دراسة العلاقات الأدبية، فهو يرى أن التوجهات المتشابهة في الآداب المختلفة هو بمثابة عامل من عوامل التأثير.
من أبرز رواد المدرسة السلافية، الروسي فيكتور جيرمونسكي (Viktor Maksimovich Zhirmunsky)، وله كتاب « علم الأدب المقارن شرق وغرب ». والروماني أدريان مارينو (Adrian Marino)، وله كتاب « نقد الأفكار الأدبية ». والتشيكي ديونيز دوريزين (Dionys Durisin)، وله كتاب « نظرية المقارنة الأدبية » 1984م. والألماني روبرت فايمان (روبرت فايمان)، وله كتاب « البنية والمجتمع في التاريخ الأدبي » 1976م، وغيرهم.

***
المدرسة الألمانية روادها ومصادرها

1 – دراسات الرومانسيين الألمان:
بدأ اهتمام الرومانسيين الألمان بالأدب العالمي منذ أواخر القرن الثامن عشر للميلاد، وكان لهذا الاهتمام دور في نشأة الأدب المقارن فيما بعد، وكان غوته الأديب الرومانسي الألماني أول من أطلق مصطلح الأدب العالمي في بداية القرن التاسع عشر للميلاد.
2 – تاريخ الدراسات المقارنة في ألمانيا:
تعود جذور المدرسة الألمانية إلى نهاية القرن التاسع عشر للميلاد. لقد ظهر عند الألمان نظرية التلقي التي تختلف عن المنهج التاريخي، كما ركز أصحاب نظرية التلقي على القارئ أي المتلقي. ويعدّ الناقدان الألمانيان هانس روبرت ياوس وفولفغانغ إيزر من أبرز ممثلي نظرية التلقي الأدبي.
3 – الاتجاه الألماني في الأدب المقارن:
دراسة دور المتلقي هي أهم من دراسة دور المؤثر عند الباحث المقارن، فالاتجاه الألماني ركز في العمل الأدبي على فردية المتلقي أو التأثر ودوره في فهم النصوص الأجنبية. لذا، ينظر أصحاب الاتجاه الألماني إلى النص وجمالياته والعوامل الاجتماعية والتاريخية ودورها في الأدب من خلال وعي المتلقي أو المستقبل أو المتأثر، وثقافته الفردية.
4 – رواد المدرسة الألمانية:
ومن أبرز رواد المدرسة الألمانية أولريش فايسشتاين (Ulrich Weisstein) صاحب كتاب « مدخل إلى علم الأدب المقارن » سنة 1968م، ومانفرد شملنغ (Manfred Schmeling) الذي نشر كتاب « علم الأدب المقارن » سنة 1981م، وكذلك الباحث الهنغاري بتر زوندي (Peter Szondi)، ومن أهم كتبه « مدخل إلى علم التأويل الأدبي ». ومنهم أيضا، الباحث الألماني هانز روبرت ياوس (Hans Robert Jauss)، الذي نشر كتاب « جمالية التلقي » في عام 1996م، محاولاً تبيان سبل تأويل جديد للنص الأدبي، وفولفغانغ إيزر (Wolfgang Iser)، ومن كتبه « فعل القراءة »، وغيرهم من الباحثين.

***
المدرسة العربية روادها ومصادرها

1 – الأدب المقارن والتراث العربي:
كان الأدب العربي كغيره من آداب الأمم قد عرف ظاهرة التأثير والتأثر، وقد أشار إليها القدامى. لقد تحدث الجاحظ عن البلاغة في الأمم الأخرى كالفرس والهند، وأشار إلى بعض الخصائص المشتركة أو المختلفة بين الشعرين العربي والفارسي، كما قارن الجاحظ بين آداب الأمم الأربعة الكبرى في عصره، وهم العرب وفارس والهند والروم (الإغريق)، ذكر ذلك في كتاب « البيان والتبيين ».
ومن جهة أخرى، تحدث الجاحظ عن صورة البخلاء من الفرس في كتابه « البخلاء »، ويعتبر من قدم الكتب التي كان لها رأي في الآخر، أو ما يسمى بالصورة الأدبية، ولم يكن شعوبيا تجاه العنصر الفارسي، بل ذكر أيضا محاسنهم في مواطن أخرى من الكتاب. ويعد الجاحظ أول من تحدث عن مشاكل الترجمة في كتاب « الحيوان »، وبذلك يكون قد سبق رواد الأدب المقارن المحدثين بعدة قرون.
2 – الموازنات عند العرب:
لقد عرف الأدب العربي الموازنة وقد تطورت في الأدب العربي وألفت فيها الكتب، ومن أشهرها « الموازنة بين الطائيين » للآمدي (ت 981م)، و« الوساطة بين المتنبي وخصومه » للقاضي الجرجاني (ت 769م). ولعل أبرز ما أدت إليه هو الحديث عن الأصالة، وهذه الفكرة لم يعرفها النقد الأوروبي الحديث إلا في أواخر القرن التاسع عشر للميلاد، وهو البحث عمن سبق إلى الفكرة من الشاعرين حينما يلتقيان حول معنى.
3 – بداية الدراسات المقارنة عند العرب:
يمكن اعتبار رواد النهضة العربية هم أصحاب البدايات الأولى للأدب المقارن في العالم العربي، لقد ركزوا على دراسة التشابه والاختلاف ولم يتطرقوا إلى دراسة التأثير والتأثر، وكان رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك وأديب إسحاق وأحمد فارس الشدياق ويعقوب صروف وغيرهم، قد قاموا بمقارنة بعض مظاهر الثقافة العربية بالثقافة الغربية ودرسوا جوانب من التشابه والاختلاف بينهما.
وهذه الدراسات التي ظهرت على امتداد النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي تعتبر البدايات الأولى للأدب المقارن عند العرب. وفي أواخر هذا القرن تناول روَاد النَهضة الفكرية العرب الآداب الغربية بالدراسة ومقارنتها بالتراث العربي، كما اهتموا أيضا بالترجمة والاقتباس من التراث الغربي.
4 – الدراسات المقارنة في بداية القرن العشرين:
ازدهرت حركة الترجمة والاقتباس في أوائل القرن العشرين بعد الانفتاح نحو الغرب، فزاد اهتمام الدارسين العرب بالمقارنة، فظهرت دراسات في هذا الحقل المعرفي.
لقد تناول سعيد الخوري الشرتوني التشابه والاختلاف بين البيان العربي والبيان الإفرنجي، في مقالة بعنوان « البيان العربي والبيان الإفرنجي » نشرت بمجلة « المقتطف » عام 1902م. وأول من تناول ظاهرة التأثير والتأثر، هو روحي الخالدي في كتابه « تاريخ علم الأدب عند الإفرنج والعرب وفيكتور هوجو » الذي صدر لأول مرة عام 1904م.
وفي الثلاثينيات من القرن العشرين كتب الأديب قسطاكي الحمصي عدة دراسات في مجال المقارنة، منها كتابه الذي صدر سنة 1935م بعنوان « منهل الوارد في علم الانتقاد »، حاول من خلاله تعريف الأدباء العرب بالاتجاهات النقدية لدى الغرب.
5 – دور المجلات في نشر الدراسات المقارنة:
ظهر مصطلح « الأدب المقارن » لأول مرة عام 1936م عند خليل هنداوي، وكذلك فخري أبو السعود في مقالات لهما في مجلة « الرسالة »، وهي ترجمة حرفية عن المصطلح الفرنسي. وفي سنة 1936م نشر خليل هنداوي في مجلة « الرسالة » دراسة حول تلخيص أبي الوليد بن رشد لكتاب أرسطو « فن الشعر »، ذكر فيها مصطلح « الأدب المقارن » بالعربية والفرنسية (Littérature comparée). ومن بين رواد هذا الجيل أيضا، خليل ثابت ونقولا فياض وغيرهما، ممن اتصلوا بأدب الغرب ونشروا دراسات في مجال المقارنة في المجلات الأدبية.
لقد ظهرت الدراسات العربية المقارنة متزامنة مع المدرسة الفرنسية وقبل ظهور المدارس الأخرى الأمريكية والسلافية والألمانية.
6 – التأليف المنهجي في الأدب المقارن:
ظلت الدراسات المقارنة سطحية في سنوات الأربعينيات، إلى أن تطور التأليف في الأدب العربي المقارن في سنوات الخمسينيات على يد جماعة من الباحثين العرب الذين درسوا في الجامعات الغربية.
وفي سنة 1953م أصدر محمد غنيمي هلال كتابه الموسوم « الأدب المقارن »، ومن خلاله تعرف القارئ العربي على المنهج الفرنسي في الدراسات المقارنة. وفي السنة نفسها نشر محمد البحيري كتابا بعنوان « الأدب المقارن »، ونشر في سنة 1957م صفاء خلوصي، كتابا بعنوان « دراسات في الأدب المقارن ».
وفي الستينيات بدأت فترة الدراسات الأكاديمية في هذا الحقل المعرفي في العالم العربي، وظهرت مجلات متخصصة في بيروت والجزائر العاصمة، كما صدرت عدة كتب ألفها أصحابها على أسس منهجية.
7 – مرحلة النضج والازدهار:
أما في الثمانينيات، وبعد ظهور اتجاهات أخرى في الأدب المقارن، ظهر جيل جديد من المقارنين العرب تناولوا الدراسات المقارنة الأكاديمية مع مراعاة النسق الأدبي العربي.
فبالإضافة إلى الكتب، تخصص بعض طلاب الدراسات العليا في الأدب المقارن وأنجزوا مذكرات وأطاريح في هذا المجال، كان معظمها حول ظاهرة التأثير والتأثر بين الأدب العربي والآداب الأوروبية وعلى وجه الخصوص، الصلات الأدبية بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الغربية في العصور الوسطى.
وكان للمجلات العلمية المتخصصة في الآداب العالمية والأجنبية التي ظهرت في المشرق وفي المغرب الأثر الكبير في اندفاع الطلاب والباحثين نحو هذا الحقل المعرفي.
8 – الأدب المقارن في الجزائر:
لقد تأسست جامعة الجزائر سنة 1909م، غير أن الدراسات المقارنة بدأت قبل هذا التاريخ، وكانت « المجلة الإفريقية » (La revue africaine) التي تأسست سنة 1856م، أهم منبر الذي من خلاله نشر الأوروبيون دراساتهم في مختلف مجالات التراث، كما كان لبعض المثقفين الجزائريين أيضا مساهمات فيها. وظل تدريس الأدب المقارن على منوال المقرر الفرنسي إلى غاية الاستقلال. وفي سنة 1963م تأسس كرسي الأدب المقارن بكلية الآداب بجامعة الجزائر العاصمة.
9 – خصائص الاتجاه العربي في الأدب المقارن:
لقد ركز الرواد العرب الأوائل على دراسة التشابه والاختلاف ولم يتطرقوا إلى دراسة التأثير والتأثر، لأن فضل أدب أمة على أدب أمة أخرى لم يكن من اهتماماتهم.
الاتجاه العربي في الأدب المقارن يدرس التشابهات والاختلافات والأنماط وظاهرة التأثير والتأثر واختلاف أذواق المتلقي والترجمة وجمالية الأسلوب، لكن دون أن يستغرق في دراسة التاريخ مثل المدرسة الفرنسية، أو يبالغ في النقد مثل المدرسة الأمريكية، أو يركز على دراسة أنماط المجتمع مثل المدرسة السلافية، بل يقترب من المدرسة الألمانية في بعض منطلقاتها.
 

***

* الإحالة إلى المحاضرة:
د. محمد عباسة: مصادر ومدارس الأدب المقارن
abbassa.wordpress.com

***

Laisser un commentaire

Concevoir un site comme celui-ci avec WordPress.com
Commencer