26-01-2022 | 04:40

عندما يتشابه الخصوم: حزب "الدعوة" يستسلم لـ"القائد الضرورة" كما استسلم له حزب "البعث"

رَشَحت أخيراً أخبار من مصادر موثوقة عن عزم بعض قياديي حزب "الدعوة الاسلامية" العراقي على ازاحة نوري المالكي من منصب الأمين العام، عبر مؤتمر يعقده الحزب، لانتخاب أمين عام جديد.
عندما يتشابه الخصوم: حزب "الدعوة" يستسلم لـ"القائد الضرورة" كما استسلم له حزب "البعث"
Smaller Bigger
رَشَحت أخيراً أخبار من مصادر موثوقة عن عزم بعض قياديي حزب "الدعوة الإسلامية" العراقي على إزاحة نوري المالكي من منصب الأمين العام، عبر مؤتمر يعقده الحزب، لانتخاب أمين عام جديد. فشل هذا السعي، وبحسب المحلل السياسي نزار حيدر، فإن المالكي "تغدى" بخصومه "قبل أن يتعشوا هم به"، وذلك باستعجاله عقد المؤتمر المخطط له، تحت عذر قانوني واهٍ، قبل أن يستكمل معارضوه تحضيراتهم لتنحيته باستخدام أدوات التداول الانتخابي التي ينص عليها النظام الداخلي للحزب.
 
وينقض تمسكُ المالكي بمنصب الأمين العام تعهداً منه ومن كبار زعماء الحزب من "الجيل القديم" أطلقوه في مؤتمر الحزب السابق في كربلاء عام 2019، بعدم ترشحهم جميعاً لمناصب قيادية لفسح المجال للجيل الجديد لتولي قيادة الحزب وإدارة شؤونه. 

جزء من السعي الأخير الفاشل لإزاحة المالكي عن سدة القيادة الحزبية مرتبط بالأداء السيئ للحزب في الانتخابات الأخيرة (حصل على مقعد برلماني واحد)، واستبعاد زعيم الحزب من الحكومة المقبلة بسبب إصرار "التيار الصدري" وما يعنيه هذا من إخراج "حزب الدعوة" من تشكيلة الحكم التي لم يغادرها منذ دخوله الأول فيها عام 2006. والجزء الآخر، وربما الأكبر، نزعة الاستئثار والتفرد التي طبعت أسلوب حكم المالكي وإدارته بدءاً بإدخال أقاربه ومقربيه في الحزب الى مراكز السلطة وليس انتهاءً بالسياسات الإشكالية التي انتهجها الرجل في الحكم، خصوصاً في فترة حكومته الثانية 2010-2014. 
 
عبر هذه كلها، قوض المالكي سمعة الحزب الجيدة سابقاً في الأوساط الشيعية وحوّله حزباً سلطوياً من دون نهج فكري، فضلاً عن ضربه تقليد القيادة الجماعية الذي طبع تاريخ "حزب الدعوة"، وأخيراً أخذ الحزب معه في دهاليز الطائفية والفساد والفشل.

وخلافاً لأحزاب عراقية كثيرة وُلدت عابرةً بسبب حاجات سياسية ومصلحية ضيقة وتغادر بنهاية هذه الحاجات، فإن "حزب الدعوة الإسلامية" حزب حقيقي وعريق، ويستوفي الشروط السياسية والاجتماعية اللازمة للأحزاب الحقيقية: رؤية فكرية (إسلام سياسي شيعي بمسحة حداثوية)، وقاعدة شعبية (الطبقى الوسطى الشيعية المتعلمة مهنياً والمحافظة اجتماعياً)، وبُنية تنظيمية تسعى الى تفعيل الرؤية الفكرية لخدمة مصالح وتطلعات القاعدة الشعبية التي يمثلها الحزب.
 
تأسس الحزب في نهاية الخمسينات (1959) كرد فعل إسلامي على صعود الشيوعية العراقية في الحيز العام، وذلك بخلاف إصرار الحزب على أنه تأسس قبل ذلك (1957) في إطار تطور فكري طبيعي وليس كرد فعل على تحديات اجتماعية وسياسية ضاغطة.
 
طَوَّرَ الحزبُ وطَبَّقَ على مدى العقدين التاليين منهجاً حزبياً لأسلمة المجتمع تدريجياً وصولاً الى الإمساك بالسلطة أخيراً (ما عُرف بالمراحل الأربع)، في إطار فهم عام يقتبس رؤية "الإخوان المسلمين" بخصوص السياسة: البدء بكسب المجتمع إسلامياً، حتى يصبح سقوط السلطة بيد الحزب تحصيلاً منطقياً. 

راهن الحزب على الزمن والتنظيم والجهد لتحقيق هدفه، إلى أن فاجأته الثورة الإسلامية في إيران، وتعاطفُ زعيمه الروحي السيد محمد باقر الصدر معها ورغبته في أن يكرر الحزب في العراق ما فعله الخميني في إيران: التخلي عن المنهج التدريجي الطويل الأمد الذي يستثمر بصبر في المجتمع وتبني المنهج الثوري العاصف الذي يهاجم السلطة في عقر دارها ويطيحها. دخل الحزبُ في مواجهة غير متكافئة مع سلطة "البعث" الشمولية، بصرامتها الأمنية وحس الخطر الذي أقلقها من احتمال امتداد التجربة الإيرانية الى العراق. خسر الحزب في هذه المواجهة الكثير من ناشطيه وقيادييه والمتعاطفين معه الذين التهمتهم ماكنة القمع البعثية، إعداماً واغتيالاً وسجناً. وفر المتبقون الى خارج البلاد ليُنظموا أنفسهم في سوريا وإيران. في هذه الأخيرة، واجه الحزب تحدياً كبيراً تواصل قوياً على مدى عقد الثمانينات بإصرار الجمهورية الإسلامية على أن يندرج الحزب في منظومة ولاية الفقيه وبالتالي يفقد استقلاله كحركة حزبية عراقية. في آخر المطاف، استطاع الحزب أن يحافظ على استقلاله وإن بأثمان باهظة أحياناً.
 
عندما أطاحت الولايات المتحدة نظامَ صدام في 2003، عاد الحزبُ إلى العراق. كانت سمعته البطولية المختلطة بدماء ضحاياه الكثر من اضطهاد الثمانينات الذي تعرض له قد سبقته، لتساهم في تمهيد السبيل له للحصول على الحصة الأكبر من كعكة السلطة الضخمة مقارنةً بكل الأحزاب العراقية الأخرى، حتى الشيعية منها.
 
المفارقة التي ينبغي أن تكون مريرة للدعاة القلائل الذين رفضوا المسارات الخطأ التي انتهجها الحزب هي أن إنهاء حزب "الدعوة الإسلامية" الذي فشلت فيه الحكومة البعثية بالعنف والقسوة، أنجزته تجربة السلطة التي هيمن عليها الحزبُ في عراق ما بعد 2003! فقد دخل الحزب سريعاً في خطاب الطائفية واستثمر في سياساتها الكارثية، بعكس تراثه قبل السلطة الذي ابتعد من الطائفية وأصر على قيم إسلامية عامة وطوعية، بعيدةً من الخصوصية المذهبية أو التشدد الديني. لكن الفشل الأكبر الذي أطاح الحزب شعبياً هو دخوله الواسع في فساد السلطة، خصوصاً في ظل حكومة المالكي الثانية؛ هذا فضلاً عن فشله الفظيع في إدارة الدولة وتوفير حد أدنى من الخدمات والفرص للمجتمع.
 
عبر سلوكه هذا، ناقضَ حزب "الدعوة" كل قيمه المعلنة التي ضحى كثيرون من أعضائه بحياتهم من أجلها، ليتحول حزباً سلطوياً لا يستطيع أن يعيش خارج السلطة. تربع على مسيرة الفشل هذه وقادها نوري المالكي، منذ أن أصبح أول أمين عام للحزب في 2007 حتى الآن.

قد يكون مفهوماً أن أحزاباً حقيقية وذات تاريخ نضالي تتفكك وتفقد شعبيتها وحسها بنفسها بسبب دخولها في السلطة وانقيادها لاغراءاتها الكثيرة. ليس هذا غريباً في قصص التاريخ السياسي. الغريب وغير المفهوم هو غياب مقاومة جدية في داخل هذه الأحزاب لمثل هذا الانحدار الذي يفقدها هويتها التعريفية.
 
في أثناء سنواته الطويلة في الحكم (12 عاماً)، لم يقدم حزب "الدعوة الإسلامية" نموذجاً لمثل هذه المقاومة، بل، بالعكس، انساق بسهولة نسبية في دروب الطائفية والفساد والفشل. حتى العدو اللدود لحزب "الدعوة"، حزب "البعث"، كان أداؤه أفضل بكثير من "الدعاة" بهذا الصدد.
 
عندما شرع صدام حسين باختطاف حزب "البعث" وتحويله من حزب ايديولوجي الى حزب شخصي يدين له بالولاء، قاوم الكثير من البعثيين هذا الاختطاف وفقدوا حياتهم في محاولات إنقاذ الحزب من مخالب الأمين العام (مجزرة قاعة الخلد مثالاً). بغض النظر عن صحة الأفكار التي آمن بها هؤلاء البعثيون المعترضون، فإن حرصهم على حزبهم فاق خوفَهم على حياتهم من ماكنة البطش المرعبة التي بيد صدام حسين؛ على النحو ذاته لم يتبخر هذا الحرص أمام إغراءات السلطة وكرم "القائد" وعطاياه عند اختيار الولاء له. 
 
لم يكن أعضاء حزب"الدعوة"، وهم يشهدون تفكك حزبهم من الداخل وذوبانه في السلطة بفشلها ومفاسدها، بإزاء خيارات مصيرية قاسية تهدد حياتهم كما كان الأمر مع البعثيين الناقمين على صدام، إذا قرروا الوقوف بوجه الأمين العام لحزبهم الذي كان يختطف الحزب ويشوهه أمام أعينهم والمجتمع. كان المعارضون البعثيون لصدام حسين أكثر شجاعة وأشد مبدئية من "الدعاة" الذين صمتوا أو اكتفوا بالاعتراض الخجول أو حتى الصاخب في غرف مغلقة. صحيح أن البعثيين المعترضين انتهوا بالفشل في مساعيهم لإنقاذ حزبهم ومضوا الى نهاياتهم المأسوية المعروفة، لكنهم على الأقل تميزوا بشرف المحاولة التي تجنبها "الدعاة" في "حزب الدعوة" رغم أن ثمن الفشل لو حاولوا ما كان ليكون باهظاً كذلك الذي دفعه نظراؤهم البعثيون. 
 
نجح حزب "الدعوة الإسلامية" في المعارضة، وفشل فشلاً ذريعاً في الحكم، وكان فشله أشد في إنقاذ نفسه من نفسه.

الأكثر قراءة

لبنان 6/10/2026 5:22:00 AM
من لا يزال حليف "حزب الله" في الساحة السياسيّة السنيّة؟
لبنان 6/10/2026 7:00:00 AM
صباح الخير من "النهار"...

إليكم أبرز الأخبار والتحليلات لليوم الأربعاء 10 حزيران/ يونيو 2026
فن ومشاهير 6/8/2026 1:25:00 PM
أيقونة الاستعراض شريهان تفتح صندوق ذكرياتها في التليفزيون المصري وتكشف لأول مرة عن أجرها الحقيقي في فوازير رمضان و"ألف ليلة وليلة"، وتفجر مفاجأة حول استيحاء بيوت الأزياء العالمية لتصميماتها من إطلالاتها.