ترجمة: رضا زيدان – تحرير ومراجعة: بلقيس الأنصاري
لا يمكن اختزالك إلى جسدٍ أو عقلٍ أو دورٍ اجتماعي معيّن. تلتقط نظرية صاعدة عن الذوات هذا التعقيد.
مَن أنا؟ كلنا نسأل أنفسنا هذا السؤال، والكثيرون يحبونه. هل تُحدَّد هويتي بحمضي النووي أم أنني نتاج لكيفية نشأتي؟ هل يمكنني تغيير هويتي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما القدر الممكن؟ هل هويتي هي هويَّة واحدة أم يمكن أن يكون لي أكثر من هويَّة؟ تتصارع الفلسفة، منذ بدايتها، مع هذه الأسئلة، التي تُعدّ مهمة لكيفية اتخاذنا للخيارات وكيفية تفاعلنا مع العالم من حولنا. اعتقَد سقراط أن فهم الذات ضروري لمعرفة كيفية العيش، وكيفية العيش كما يجب مع النفس ومع الآخرين. يعتمد التقرير-الذاتي self-determination على معرفة الذات ومعرفة العالم من حولنا. حتى أشكال سُلطة الحكم ترتكز على كيفية فهمنا لذواتنا والطبيعة البشرية. لذا فإن سؤال: “من أنا؟”، له مضامين بعيدة المدى.
لقد سعى العديد من الفلاسفة، على الأقل في الغرب، إلى تحديد الشروط التي لا تتغير أو الضرورية ليكون الشيء ذاتًا. والمقاربة المتبعة على نطاقٍ واسع هي ما يُعرف باسم الرؤية الاستمرارية النفسانية للذات، حيث تكون الذات عبارة عن وعيّ بالدراية الذاتية والذكريات الشخصية. وأحيانًا تؤطر هذه المقاربات الذاتَ كمزيج من العقل والجسد، مثل رينيه ديكارت، أو كوعي بالأساس أو كوعي فقط. وتجربة الأمير/الفقير لجون لوك، التجربة الفكرية التي يُنقَل فيها وعي أحد الأمراء وجميع ذكرياته إلى جسد إسكافي، هي مثال على فكرة أن الشخصية توازي الوعي. ابتكر الفلاسفة العديد من التجارب الفكرية اللاحقة – ومنها نقل الشخصية، والأدمغة المنشطرة، والنواقل الآنية – لاستشكاف المقاربة النفسية. لكن ينتقد الفلاسفة المعاصرون في المعسكر “الحيواني animalist” المقاربة النفسانية، ويجادلون بأن الذوات هي بالأساس كائنات بيولوجية بشرية (قد يكون أرسطو أيضًا أقرب إلى هذه المقاربة منه إلى أن يكون نفسانيًا بحتًا). والمقاربتان، النفسانية والحيوانية، يمثّلان إطار عمل “وعائي”، فكلاهما يتعامل مع الجسم على أنه وعاء للوظائف النفسية أو الموقع المحدود للوظائف الجسدية.
تعكس كل هذه المقاربات اهتمام الفلاسفة بالتركيز على ماهية الـسِمة المميِّزة أو المحدِّدة للذات، الـشيء الذي سوف يعيّن الذات دون غيرها، وسوف يحدد الذوات على أنهم ذوات، بغض النظر عن اختلافاتهم. من وجهة النظر النفسانية، الذات هي وعي شخصي. ومن وجهة النظر الحيوانية، الذات هي كائن أو حيوان بشري. وقد أدى هذا إلى منظور تبسيطي وأحادي البُعد إلى حد ما لماهية الذات، إذ هو يستبعد السمات الاجتماعية والثقافية والبين-شخصية التي تميز الذوات أيضًا، والتي كثيرًا ما يعتبرها الناس مركزية لهويتهم الذاتية. مثلما تمتلك الذوات ذكريات شخصية ودراية-ذاتية مختلفة، يمكن أن يكون لهم علاقات اجتماعية وبين-شخصية مختلفة، وخلفيات ثقافية وأنماط شخصية مختلفة. وهذه الأخيرة متقلبة في خصوصيتها، ولكنها لا تقلّ أهمية لماهية الذات عن البيولوجيا والذاكرة والوعي الذاتي.
وإدراكًا من بعض الفلاسفة لتأثير هذه العوامل، تصدوا بقوة للمقاربات الاختزالية وجادلوا بإطار يقدّر تعقيد الأشخاص وتعدد أبعادهم. تنبثق رؤية الذات الشبكية network self من هذا الاتجاه. وقد بدأت في أواخر القرن العشرين واستمرت في القرن الحادي والعشرين، عندما بدأ الفلاسفة في الانتقال إلى فهم أوسع للذوات. يقترح بعض الفلاسفة رؤى سردية وأنثروبولوجية للذوات. ويناقش الفلاسفة الشيوعيون والنسويون الرؤى العلائقية التي تقرّ بالانطمار embeddedness الاجتماعي والترابط والتقاطع بين الذوات. ووفقًا للرؤية العلائقية، تُعدّ العلاقات الاجتماعية والهويَّات أساسية لفهم ماهية الأشخاص.
إنّ الهويَّات الاجتماعية هي سِمات للذوات بحكم العضوية في المجتمعات (محلية، مهنية، عِرقية، دينية، سياسية)، أو بحكم الفئات الاجتماعية (مثل العِرق، والجنس، والطبقة، والانتماء السياسي) أو العلاقات الشخصية (مثل الزواج، الأخوة، الوالدية، الصداقة، الجوار). تتضمن هذه الرؤى أن ما هو مهم لماهية الذات ليس فقط التجسد embodiment، ولا ذاكرة أو وعي العلاقات الاجتماعية، وإنما أيضًا العلاقات نفسها. والرؤى التي يطلق عليها الفلاسفة: “رؤى الـ 4E” للإدراك cognition (الإدراك المتجسد والمنطمر والتفاعلي والممتد embodied, embedded, enactive and extended cognition)، هي أيضًا تحرك في اتجاه منظور للذات أكثر علائقية وأقل “وعائية”. تشير الرؤى العلائقية إلى تحول نموذجي من المقاربة الاختزالية إلى مقاربة تسعى إلى التعرف على تعقيد الذات. وتعمل رؤية الذات الشبكية على تطوير هذا النهج الفكري وتقول إن الذات علائقية من كل وجه، ولا تكمن فقط في العلاقات الاجتماعية، وإنما أيضًا العلاقات الفيزيائية والجينية والنفسية والعاطفية والبيولوجية التي تشكّل معًا ذات شبكية. تتغير الذات بمرور الوقت أيضًا، فتكتسب وتفقد سِمات بفضل الأوضاع والعلاقات الاجتماعية الجديدة، على الرغم من أنها تستمر كذات واحدة.
كيف تحدد هويتك الذاتية؟ من المحتمل أن يكون لديك العديد من الجوانب الخاصة بك وتقاوم الاختزال أو التنميط بحيث لا تكون كأي أحد. لكن لا يزال بإمكانك تحديد نفسك بتراثك وإثنيتك وعِرقك ودينك: الهويَّات التي غالبًا ما تكون بارزة في سياسات الهويَّة. وقد تحدد نفسك بالعلاقات والخصائص الاجتماعية والشخصية الأخرى، مثل: (“أنا” أختُ ماري)، و(“أنا” من محبيّ الموسيقى)، و(“أنا” المشرفة على أطروحة إيميلي Emily)، و(“أنا” من شيكاغو). أو يمكنك تحديد الطباع الشخصية: (“أنا” منبسط مع الآخرين). أو الالتزامات: (“أنا” أعتني بالبيئة)، (“أنا” أمين). ويمكنك تحديد نفسك بالمقارنة: (“أنا” أطول شخص في أسرتي). أو بالمعتقدات أو الانتماءات السياسية: (“أنا” مستقل). أو باعتبار زمني معين: (“أنا” الشخص الذي عاش معك في نفس الدور في مجمع الكُلية)، أو (“أنا” سأتزوج العام المقبل). بعض هذه التعريفات أهم من الأخرى، وبعضها عابر. والنقطة المهمة هي أن “مَن أنت” أعقد من أيّ هويَّة من هوياتك. والتفكير في الذات كشبكة هو طريقة لتصور هذا التعقيد والسيولة.
لنأخذ مثالًا معينًا. فكّر في ليندسي Lindsey: هي زوجة، وأم، وروائية، ومتحدثة بالإنجليزية، وكاثوليكية أيرلندية، ونسوية، وأستاذة فلسفة، وسائقة سيارة، وكائن نفسي-بيولوجي، وانطوائية، وتخاف من المرتفعات، وعسراء، وحاملة لمرض هنتنغتون Huntington’s disease (HD)، ومُقيمة في مدينة نيويورك. هذه المجموعة لا تشمل كل السمات، وإنما هي فقط مجموعة مختارة من السمات أو الهويات. ترتبط السمات ببعضها البعض لتشكيل شبكة من السمات. وليندسي هي الشبكة الكُليّة، فهي مجموعة السمات المرتبطة ببعضها البعض. وتتكون الشخصية العامة للذات (كُليّة الذات) من التعالق الفريد بين سماتها العلائقية الخاصة، النفسية والاجتماعية والسياسية والثقافية واللغوية والجسدية.
يعتمد الشكل 1 أدناه على مقاربة لنمذجة الشبكات البيئية، فالعُقَد تمثّل السمات، والخطوط هي العلاقات التي بين السمات (دون تحديد نوع العلاقة).
الشكل 1
نلاحظ مباشرة التعالق المعقّد بين سمات ليندسي. ويمكننا أيضًا أن نرى أن بعض السمات تكتّلية أكثر من غيرها، أي متعلقة أكثر ببعض السمات دون غيرها. وكما أن الجسم عبارة عن شبكة معقدة للغاية ومنظمة من الأنظمة العضوية والجزيئية، فإن الذات هي شبكة منظمة للغاية. يمكن أن تُنظَّم سمات الذات في تكتّلات أو محاور، مثل التكتل الجسدي والتكتل العائلي والتكتل الاجتماعي. وقد يكون هناك تكتلات أخرى، لكن الإبقاء على عدد قليل منها كافٍ لتوضيح الفكرة. التقريب الثاني، الشكل 2، يمثّل فكرة التكتل.
الشكل 2
إن الشكلان 1 و 2 (كلاهما من كتابي “الذات الشبكية The Network Self”)، عبارة عن تبسيط للعلاقات الجسدية والشخصية والاجتماعية التي تتكوّن منها الذات. يمكن تجميع السمات في مواضع متقاربة، ولكنها أيضًا تتواصل وتتقاطع مع السمات التي في محاور أو تكتلات أخرى. على سبيل المثال، تتعلق السمة الجينية – “حمل مرض هنتنغتون (HD في الشكلين 1 و 2)” – بالسمات البيولوجية والعائلية والاجتماعية. وإذا كان وضع حامل المرض معروفًا، يكون هناك أيضًا علاقات نفسية واجتماعية مع الحاملين الآخرين ومع المجتمعات العائلية والطبية. إن التكتلات أو الشبكات الفرعية ليست معزولة أو محاور مغلقة، وقد تعيد تجميع نفسها مع تطور الذات.
في بعض الأحيان قد تكون تجربتها مجزَّأة، كما هو الحال عندما يتعامل الآخرون على إحدى هوياتها على أنها تعريف لها ككل: قد تكون بعض السمات مهيمنة أكثر من غيرها. فكون ليندسي زوجة قد يكون متعلقًا بشدة بمن تكون ليندسي، في حين كونها خالة ذا تعلّق ضعيف بماهيتها. وقد تكون بعض السمات أكثر بروزًا في بعض السياقات من غيرها. ففي الحيّ الذي تسكن فيه ليندسي، قد يكون كونها أُمًّا أبرز من كونها فيلسوفة، أما في الجامعة فكونها فيلسوفة هو الأبرز.
بإمكان ليندسي أن تتمتع بخبرة كُلّانية holistic لهويتها الشبكية المترابطة ومتعددة الأوجه. لكن في بعض الأحيان، قد تكون خبرتها تجزيئية، كما هو الحال عندما يتعامل الآخرون على إحدى هوياتها على أنها تعريف لها ككل. افترض، في سياق العمل، أنها لم تترقى، وأنها تحصل على راتب أقل أو لم يُبحث إمكان توظيفها بسبب جنسها. يحدث التمييز عندما تصبح إحدى الهويات – العِرق أو الجنس أو الإتنية – هي الطريقة التي يحدد بها الآخرون هويَّة الشخص، ومن ثمّ، في حالة ليندسي، تشعر بالانتقاص منها أو موضعتها. هذا هو البروز غير المناسب أو التعسفي أو الظالم لسِمةٍ ما في سياقٍ ما.
قد تشعر ليندسي بالصراع أو التوتر بين هويَّاتها. وقد لا ترغب في اختزالها في أيّ هوية من هوياتها أو تنميطها بها. وقد لا تشعر بالحاجة إلى تزييف أو قمع أو إخفاء هوية ما، وكذلك المشاعر والاعتقادات المرتبطة بها. وربما تشعر بأن هوية ما ليست ضرورية لكينونتها الحقيقية. ولكن حتى لو كانت بعض الهويات أقل أهمية من البعض الآخر، وكان بعض الهويات متعلق بكينونتها وهويتها، فكل تلك الهويات لا تزال مترابطة فيما بينها بالطرق التي تكون بها ليندسي هي ليندسي.
يمثّل الشكلان 1 و 2 أعلاه الذات الشبكية، ليندسي، في مقطع زمني، لنقل مثلًا منذ الطفولة إلى منتصف مرحلة البلوغ. فماذا عن تقلب الذات وسيولتها؟ وماذا عن المراحل الأخرى من حياة ليندسي؟ ليندسي البالغة من العُمر خمس سنوات ليست زوجة ولا أمًّا، وأيضًا قد تتضمن المراحل المستقبلية لها سمات وعلاقات مختلفة: قد تنفصل عن زوجها أو تغير مهنتها أو تجري عملية تحول في الهوية الجنسية. إن الذات الشبكية هي أيضًا عملية process.
ربما يبدو غريبًا لأول وهلة أن تفكر في نفسك كعملية. إذ قد تعتقد أن العمليات هي مجرد سلسلة من الأحداث، وأنت تشعر بأن نفسك أكثر جوهرية من ذلك. وربما تفكر في نفسك ككيان متميز عن العلاقات، وهذا التغير شيء يحدث للُبّ غير قابل للتغيير هو أنت. إن كنتَ كذلك فلا تقلق، فكثير من الشخصيات المقدَّرة كانت كذلك. إذ هناك فلاسفة على مدار تاريخ الفلسفة الطويل، منذ أرسطو، يجادلون للتمييز بين المادة وخصائصها، وبين الجوهر والعلاقات، وبين الكيانات والأحداث. ومع ذلك، فإن فكرة أن الذات هي شبكة وعملية أكثر معقولية مما تظن. إن المواد النموذجية، مثل الجسم، أنظمة من الشبكات التي تكون في عملية مستمرة وإن لم نرَ ذلك على المستوى الكبروي macro: إذ تُستبَدل الخلايا، وينمو الشعر والأظافر، ويُهضَم الطعام، وتستمر العمليات الخلوية والجزيئية ما دام الجسم حيًا. والوعي نفسه، أو تيار الدراية، في تدفق مستمر. وربما تكون النزعات النفسية أو التوجهات attitudes عرضة لأن تتباين في التعبير والوقوع. فهي ليست ثابتة ولا تقبل التغيير، حتى عندما تمثل جوانب مستقرة بعض الشيء من جوانب الذات. إن السمات الاجتماعية تتطور.
فمثلًا، ليندسي-كابنة تنمو وتتغير. وليندسي-كأم لا ترتبط فقط بسماتها الحالية، وإنما ترتبط أيضًا بماضيها، في كيفية تجربتها لكونها ابنة. وقد شكّلت العديد من الخبرات والعلاقات السابقة كيف هي الآن. ربما اكتُسبت اعتقادات وتوجهات جديدة ونُقحت اعتقادات قديمة. لكن هناك ثبات أيضًا، حيث لا تتغير جميع السمات بنفس الوتيرة، وربما لا يتغير بعضها على الإطلاق. لكن الانتشار الزمني للذات، إذا جاز التعبير، يعني أن كيف تكون الذات ككل في أيّ وقت هو نتيجة تراكمية لما كانت عليه وكيفية مضيها قُدُمًا.
الإرساء والتحول، والمماثلة والتغير: الشبكة التراكمية هي هذا وذاك وليس إما هذا أو ذاك: نحن بصدد إجراء نقلة باراديمية لرؤية الذات كعملية، كشبكة تراكمية ذي كُلِّي متغير، بدلًا من تصور جوهر غير متغير يكتسب الخصائص ويفقدها. إن الشبكة التراكمية لها هيكل وتنظيم، كما هو الحال العديد من العمليات الطبيعية، سواء كنا نفكّر في التطورات developments البيولوجية أو العمليات الفيزيائية أو العمليات الاجتماعية. فكّر في هذا الثبات والبنية كمراحل للذات تتداخل أو تترابط مع بعضها البعض. بالنسبة إلى ليندسي، يتداخل كونها أختًا من ليندسي-في-عمر-السادسة حتى وفاة الأخ؛ ويتداخل كونها زوجة من ليندسي-في-عمر-الثلاثين حتى نهاية الزواج. علاوةً على ذلك، حتى لو توفى أخوها، أو انفسخ الزواج، فإن أخاها وزوجها سيظلان من سمات تاريخ ليندسي –، وهو التاريخ الذي ينتمي إليها ويشكّل هيكل الشبكة التراكمية.
إذا كانت الذات هي تاريخها، فهل هذا يعني أنه ليس بإمكانها حقًا إحداث تغيير كبير؟ وماذا عن الشخص الذي يريد أن يتحرر من ماضيه أو من ظروفه الحالية؟ إن الشخص الذي يهاجر أو يفر من العائلة أو الأصدقاء لبدء حياةٍ جديدة أو يخضع لتحول جذري لا ينقطع عن كونه هو ما كان عليه. في الواقع، تجارب التبدل أو التحول هي تجارب لتلك الذات، تلك التي تُبدّل وتُحوّل، وتهاجر. وبالمثل، تخيَّل تجربة الندم أو التوبة. أنت فعلت شيئًا تندم عليه الآن، ولن تفعله مرة أخرى أبدًا، وتشعر أنه كان تعبيرًا عن ذاتك المختلفة جدًا عن ذاتك الآن. لكن، لا يكون الندم منطقيًا إلا إذا كنتَ الشخص الذي تصرف في الماضي بطريقةٍ ما. وعندما تندم و تتوب وتعتذر، فإنك تقرّ بأن ذاتك التي تغيرت مستمرة مع ماضيك وتحويه باعتبارها المرتكب لذلك التصرف. هناك إرساء وتحول، واستمرارية وتحرّر، وتماثل وتغير: فالشبكة التراكمية هي هذا وذاك وليس إمَّا هذا أو ذاك.
يمكن أن يحدث التحول للذات أو يُختَار. ويمكن أن يكون إيجابيًا أو سلبيًا. ويمكن أن يكون تحرريًا أو تناقصيًا. لنتحدث عن التحول المختار. ليندسي تجري عملية تحول جنسي، وتصبح بول Paul. لم ينقطع بول عن كونه ليندسي، تلك الذات التي عانت من عدم التوافق بين الجنس القديم وشعورها بالهوية الذاتية، وإن كان بول قد يفضّل أن يكون تاريخه كليندسي بُعدًا غير علنيّ من أبعاد نفسه. لا تزال الشبكة التراكمية المعروفة الآن باسم بول تحتفظ بالعديد من السمات – البيولوجية والجينية والعائلية والاجتماعية والنفسية – لتكوينه السابق كليندسي، وهو تشكَّل بتاريخ كونه ليندسي. أو فكِّر في المهاجر. فالمهاجر لا ينقطع عن كونه الذات التي يشمل تاريخها كونها مُقيمة ومواطنة في بلدٍ آخر.
إنّ الذات الشبكية قابلة للتغيير ولكنها مستمرة، لأنها ترتبط بمرحلة جديدة للذات. وتصبح بعض السمات وثيقة الصلة بطرق جديدة، وربما لم تعد بعض السمات ذات صلة حاليًا، على الرغم من أنها تظل جزءًا من تاريخ الذات. لا يوجد مسار محدد للذات. فالذات هي شبكة تراكمية لأن تاريخها مستمر، حتى لو كان هناك جوانب عديدة من تاريخها تتنصل منها وهي تمضي قدمًا، أو حتى إذا تغيرت الطريقة التي يكون بها تاريخها ذا صلة. إنّ الإقرار بأن الذات شبكة تراكمية، يسمح لنا بتفسير سبب كون التحول الجذري هو لذاتٍ وليس لذاتٍ أخرى حرفيًا.
تخيل الآن تحولًا لم يختاره الشخص وإنما حدث له، على سبيل المثال: إصابة أب بمرض الزهايمر. هو لا يزال أب، ومواطن، وزوج، وأستاذ سابق. ولا يزال هو تاريخه؛ فهو لا يزال ذلك الشخص الذي يمرّ بتغيرات منهكة. وينطبق الشيء نفسه على الشخص الذي يعاني من تغير جسدي كبير ومفاجئ، مثل الممثل كريستوفر ريف Christopher Reeve الذي أصيب بشلل رباعي بعد حادث، أو الفيزيائي ستيفن هوكينغ الذي تدهورت قدراته بشدة بسبب مرض التصلب الجانبي الضموري (ALS). كان كل منهما لا يزال والدًا ومواطنًا وزوجًا وممثلًا/عالممًا ورياضيًا سابقًا. يعاني الأب المصاب بالخرف من فقدان الذاكرة والقدرات النفسية والإدراكية، ووهن مجموعة فرعية من شبكته. ويعاني المصاب بالشلل الرباعي أو بالتصلب الجانبي الضموري من فقدان القدرات الحركية، وهو ضعف جسدي. ولا شك أن المَرَضيْن يؤديان إلى تغيير في السمات الاجتماعية ويعتمد المصابون على الدعم المكثف من الآخرين ليبقوا أنفسَهم كذوات.
أحيانًا يقول الناس إن الشخص المصاب بالخرف الذي لم يعُد يعرف نفسه ولا الآخرين ليس هو نفس الشخص الذي كان عليه، أو ربما ليس حتى شخصًا أصلًا. وهذا يعكس انجذابًا إلى الرؤية النفسانية – التي تقول إن الأشخاص هم الوعي بالأساس. لكن النظر إلى الذات كشبكة يأخذنا إلى رؤية مختلفة. إن الذات ككل هي أوسع من الذاكرة الشخصية والوعي. ربما لا تزال الذات المتضائلة تمتلك العديد من سماتها، لكن قد يتشكّل تاريخ الذات على وجه الخصوص.
أدرك أفلاطون، قبل فرويد بأمد طويل، أن معرفة الذات هي إنجاز شاقّ ومرحلي provisional، يعكس الوصف المؤثر المذكور في “ما زالت غلوريا Still Gloria” (2017)، لعالمة الأخلاقيات البيولوجية الكندية فرانسواز بايليس Françoise Baylis لمرض والدتها، الزهايمر، هذا المنظور. فعندما تقوم بايليس بزيارة والدتها، تساعدها في الإبقاء على ذاتها الكُليّة حتى عندما لا تستطيع غلوريا القيام بذلك بنفسها. لكنها لا تزال هي ذاتها. هل هذا يعني أن معرفة الذات غير مهمة؟ بالطبع لا. إن قدرات غلوريا المتناقصة بمثابة تقلص لذاتها، وقد يكون نسخة مما يحدث بدرجة ما لذات متقدمة في السن تعاني من ضعف في القدرات. وهنا درس لأيّ ذات: لا أحد منا شفاف تمامًا لذاته. هذه الفكرة ليست جديدة. بل إن أفلاطون قد أدرك، قبل فرويد بأمد طويل، أن هناك رغبات غير واعية، وأن المعرفة الذاتية هي إنجاز شاقّ ومرحلي. فعملية استجواب الذات واكتشافها مستمرة طوال حياتنا، لأننا لا نملك هويات ثابتة ولا تقبل التغيير: هويتنا متعددة ومعقدة وسائلة.
هذا يعني أن الآخرين لا يعرفوننا معرفة تامة أيضًا. عندما يحاول الناس تثبيت هوية شخص ما على أنها خاصية مميزة، يمكن أن يؤدي ذلك إلى سوء الفهم والتنميط والتمييز. يبدو أن خطابنا الاستقطابي حاليًا يقوم بذلك بالضبط – بحصر الناس في تصنيفات ضيقة: “أبيض”، “أسود”، “مسيحي”، “مسلم”، “محافظ”، “تقدمي”. لكن الذوات أشد تعقيدًا وثراءً. وتُعدّ رؤية أنفسنا كشبكة طريقة خصبة لفهم تعقيدنا. ربما تساعد هذه الرؤية في كسر القوالب النمطية الجامدة والاختزالية التي تهيمن على الخطاب الثقافي والسياسي الحالي، وتزرع تواصلًا أكثر إنتاجية. قد لا نفهم أنفسنا أو الآخرين فهمًا تامًا، لكن غالبًا ما يكون لدينا هويات ومنظورات متداخلة. وبدلًا من النظر إلى هوياتنا المتعددة على أنها تفصلنا عن بعضنا البعض، ينبغي أن نراها كأساس للتواصل والفهم، حتى لو كان جزئيًا. ليندسي هي امرأة بيضاء فيلسوفة. وهويتها كفيلسوفة مشتركة مع فلاسفة آخرين (رجال ونساء، بيض وغير بيض). في الوقت نفسه، قد تشترك في الهوية كامرأة فيلسوفة مع فيلسوفات أخريات تشكّلت تجاربهن كفلاسفة بكونهن نساءً. أحيانًا يكون التواصل أصعب من غيره، كما هو الحال عندما تُرفَض بعض الهويات أيديولوجيًا، أو تبدو مختلفة لدرجة تحول دون بدء التواصل. لكن الهويات المتعددة للذات الشبكية تمدنا بأساس لإمكانية وجود أرضية مشتركة.
كيف أيضًا يمكن أن تساهم الذات الشبكية في المشاغل العملية والمعيشية؟ أحد أهم العوامل التي تساهم في إحساسنا بالعيش الطيب هو شعورنا بالتحكم في حياتنا، وبأن نكون موجهين لأنفسنا. ولعلك قلق من أن تعددية الذات الشبكية تعني أنه تُحدَّد بعوامل أخرى ولا يمكن أن تكون ذاتية-التقرير self-determining. وربما تكون الفكرة هي أن الحرية والتقرير-الذاتي يبدآن بصفحة نظيفة، بذات ليس لها خصائص ولا علاقات اجتماعية ولا تفضيلات أو قدرات تحددها سلفًا. لكن من شأن هذه الذات أن تفتقر إلى الموارد لتوجيه نفسها. وكائن كهذا سيتعرض للهجوم من قِبل قوى خارجية بدلًا من إدراك إمكاناته واتخاذ خياراته الخاصة. وهذا يعني المجازفة وليس التقرير-الذاتي. في المقابل، بدلًا من تقييد الذات، ترى الرؤية الشبكية الهويات المتعددة باعتبارها موارد للذات التي تحدد اتجاهها الخاص وتتخذ الخيارات بنفسها.
قد تُقدّم ليندسي مسارها المهني على الأمومة لفترة من الزمن، وقد تلتزم بالانتهاء من روايتها وتنحي العمل الفلسفي جانبًا. لا شيء يمنع الذات الشبكية من الاختيار الحرّ لاتجاهٍ ما أو طرق اتجاهات جديدة. إن التقرير-الذاتي يعبّر عن الذات. وهو متجذر في الفهم الذاتي.
تتصوّر رؤية الذات الشبكية ذاتًا غنية وإمكانيات متعددة للتقرير الذاتي، بدلًا من وصف طريقة معينة يجب أن تكون عليها الذوات. وهذا لا يعني أن الذات ليس عليها مسؤوليات تجاه الآخرين وأمامهم. إن بعض المسؤوليات قد تكون موروثة، على الرغم من أن العديد من المسؤوليات مُختارة. وهذا جزء من نسيج العيش مع الآخرين. إن الذوات ليسوا فقط “متصلين شبكيًا networked”، أيّ في الشبكات الاجتماعية، بل هم أنفسهم شبكات. لكن من خلال تبنّي تعقيد وسيولة الذوات، نتوصل إلى فهمٍ أفضل لمَن نحن وكيف نعيش حياة طيبة مع ذواتنا ومع بعضنا البعض.
الهوامش
١- النواقل الآنية teleporters، هي أداة فكرتها إنتاج نسخة مصورة دقيقة للغاية من الشخص، عن كل خليَّة فيه، ثم تحلّ النسخة محلّ الأصل بعد هلاكه، فلن يشعر الشخص بأيّ تغير. هذه هي الفكرة العامة لتلك التجربة الفكرية، وأشهر من استخدمها الفيلسوف ديريك بارفيت، والأداة نفسها شائعة في أفلام الخيال العلمي (المترجم).
المصدر
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومجلة إيون).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




