في فيلم «الأزمنة الحديثة»، الذي مر على إنتاجه 90 عامًا، يدخل شارلي شابلن إلى خط إنتاج المصنع فيفقد جسده حركته وفق إيقاعه الخاص. تبتلعه الآلة، وتضبط ذراعيه، وتسرّع أنفاسه، وتحوّله إلى حركة متكررة داخل نظام أكبر منه. كوميديا تبدو خفيفة في ظاهرها، لكنها كشفت بصورة مبكرة عن جرح عميق في العالم الحديث: اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان بالتنازل عن إيقاعه الداخلي كي ينجو داخل إيقاع يختزله في فائدته.
من هذا الموضع يمكن أن نفهم العبارة التي تتردد في كافة المؤسسات: «لا أحد لا يعوّض» أو « لا أحد غير قابل للاستبدال». تبدو عملية، ومحايدة، وصالحة للحسم الإداري. غير أن عنفها يأتي من هدوئها؛ فهي لا تتحدث عن شاغر وظيفي بقدر ما تمرر تصورًا كاملًا للإنسان مؤداه: حضورك قابل للمحو، وخبرتك قابلة للنقل، ووقتك قابل للطي في ملف يغلق ثم يسلّم إلى يد أخرى.
تبدأ القسوة من الخلط بين الدور والإنسان. صحيح أنه يمكن أن يأتي من ينجز المهمة، ويجلس على المكتب نفسه ويقدم أداء مشابهًا في شكله. غير أن العمل لا يتكوّن من هذه الأفعال وحدها. فثمة حدس للمكان يتكوّن ببطء، وانتماء لا يظهر إلا في وقت الأزمات، ومعرفة صامتة بالإحداثيات، وقدرة على منع الانهيار قبل حدوثه. هذه الأمور لا تدخل في جداول الأداء، لكنها تصنع حياة العمل من الداخل.
وحين تسيطر فكرة الاستبدال، يتحول الإنسان تدريجيًا إلى وظيفة تمشي على قدمين. وهنا لحظة مثالية لتشيؤ الإنسان اليومي: الذات التي لها تاريخ وقلق وكرامة تصير موردًا قابلًا للقياس والتحريك والتقييم. لا يحتاج الأمر إلى إهانة مباشرة؛ تكفي لغة تقول له كل صباح إن قيمته في قابليته للاستخدام، وفي سرعته، وفي مرونته، وأيضًا في قدرته على الاندماج من غير مقاومة.
ولعل ما سماه هايدغر «التأطير» يكشف هذا التحول من زاوية أعمق. فالعالم التقني لا يكتفي بصناعة أدوات جديدة، بل يبدل طريقة ظهور الأشياء أمامنا. كل شيء يغدو مخزونًا جاهزًا للاستدعاء: الطبيعة، والوقت، والجسد، والانتباه، وحتى القلق. داخل هذا المنظور، لا يظهر الإنسان بوصفه حياة مفتوحة على المعنى، وإنما بوصفه طاقة قابلة للتعبئة..وحدة إنتاج.. قدرة احتياطية تنتظر الاستخدام.
ومع الوقت، يبدأ الإنسان في وصف نفسه باللغة التي تضغطه. يقول إنه يعمل تحت الضغط، كأنه يعلن جاهزيته لمزيد من الضغط. يفاخر بالتحمل، وبسرعة الاستجابة، وبسلاسة التكيف، كأن الوجود صار امتحانًا في احتمال ما لا ينبغي احتماله. هكذا تنتقل المؤسسة إلى داخل الإنسان؛ تصير طريقة ينظر بها إلى نفسه، ويقيس بها أهليته للبقاء.
الخوف هنا لا يصرخ، فهو يعمل بصمت. يجعل المرء يهذب اعتراضه، ويبتسم في غير موضع الابتسام..يرد وهو منهك، ويعتذر عن حدود طاقته كما لو كانت خطأ أخلاقيًا. شيئًا فشيئًا تتكون ذات صالحة للعمل.. يقظة تجاه توقعات الآخرين.. ضعيفة الصلة بما تريده حقًا. تعرف كيف تبقى في المكان، وتنسى السؤال الأعمق: بأي ثمن تبقى؟
تبلغ فكرة الاستبدال خطورتها حين تجعل الاعتراف مشروطًًا بالنفع. فالإنسان لا يطلب من العمل أن يمنحه معنى وجوده كله، لكنه يحتاج إلى ألا يسلبه إحساسه بأنه مرئي بما يتجاوز إنتاجه. الاعتراف إقرار بأن وراء الدور شخصًا لا تختصره خانة، وأن وراء الإنجاز حياة دفعت من أعصابها ووقتها وصمتها كي يظهر الإنجاز مكتملًا.
في الحساب الإداري، يمكن تعويض الأدوار. تستمر الملفات، وتمضي الرسائل، وتعقد الاجتماعات في موعدها. غير أن ما يخرج مع كل إنسان لا يعود بالصورة نفسها: طريقته الخاصة جدًا في الوجود (إذا توافرت)، وأثره الدقيق في الآخرين، ومعرفته التي لم تكتب، والمسافة التي قطعها بين خوفه وواجبه، والعمر الذي استهلكه المكان من غير أن يسجله في تقرير.
هنا يمكن استدعاء فكرة كانط عن الكرامة الإنسانية. فالأشياء التي يمكن استبدالها لها سعر، أي يمكن أن يقوم شيء آخر مقامها. أما الإنسان فله كرامة، لأنه لا يستمد قيمته من قابليته للتداول ولا من موقعه داخل شبكة المنفعة. الكرامة تعني أن في الإنسان ما يمتنع على المقايضة، وما يسبق كل عقد وظيفي، وما يبقى قائمًا حتى حين تنتهي الحاجة إليه.
يمكن أن يستبدل الاسم في جدول الأعمال. يمكن أن يجلس غيرنا على المقعد نفسه. ويمكن أن تمحى الرسائل، وتنسى الملاحظات، وتستكمل المهام. غير أن هذا كله لا يقول الحقيقة كاملة عنا. ما لا تقيسه المؤسسة قد يكون أصدق ما فينا: خوفنا، وعنايتنا، وطريقتنا في منح الأشياء أكثر مما تطلب، وذلك الأثر الخفي الذي يظل في المكان بعد أن نغادره.




