في وقت متأخر من صباح أحد أيام السبت، صادفت حشدًا صاخبًا تجمّع لوجبة الضحى حول متنزه جريميرسي في نيويورك. فبعد الشوارع الخالية على نحو مخيف في العام الماضي [أثناء جائحة كوفيد-19]، كانت الطوابير تتشكل مرة أخرى، ويبدو أن المارّة اندفعوا للتجمع على الأرصفة تحت الأشجار المزهرة. كان المزاج العامّ عبارة عن نشوة ممزوجة بأطباق التاباس وشراب الميموزا. واصلت طريقي إلى المنزل خلف الكمامة ذات الطبقتين.
مثل لحم الماموث المحفوظ الذي يطلّ من خلال التربة الصقيعية الذائبة، فإن حجم ما شهدناه يكشف عن نفسه ببطء بينما نكافح مع الصدمة، والخسارة، والقلق المزمن، والاكتئاب، سواء كانت جماعية أو فردية. ومع ذلك، إذا كان لدينا امتياز في الغرب أن نبدأ في رؤية الضوء في نهاية نفق فيروس كورونا الطويل -على عكس غالبية البلدان، التي لا تستطيع الوصول إلى لقاح كافٍ على الرغم من التحركات الأخيرة- فلا تزال القضية الملحّة للتغيّر المناخي لم تتقلص، ولم تُهزم العنصرية النظامية تمامًا، فزمن الأزمات لم ينته بعد، لذا فإن ضميري حتى الآن ليس مرتاحًا تمامًا بعد، فأنا أضع في اعتباري ليس فقط أكثر من ثلاثين ألفًا من سكان نيويورك الذين ماتوا نتيجة كوفيد١٩، ولكن أيضًا هتافات احتجاجات حياة السود مهمّة والكثير غيرها.
لقد عانيت مثل ما عانى كثيرون آخرون من الشعور بالذنب أكثر من مرّة منذ مارس 2020. لقد واجهت ذنبي عندما لم أستطع أن أكون بجانب والدي في فرنسا، وتساءلت إذا كنت قد احترمت صداقاتي (الجواب لا)، أو قيمي (فقط في الأيام الجيدة)، وكذلك تساءلت عندما ذهب التعب عما إذا كنت ضايقت أحدًا (في الحقيقة أكثر من مرة)، وشعرت بالذنب أيضًا بسبب جميع الرحلات الدولية التي كنت أقوم بها، ولكل شيء لم يعد بإمكاني تحمله، وبالنسبة لأشياء صغيرة أخرى، لست مستعدًا تمامًا للاعتراف بها.
في كتابه مسألة الذنب الألماني (1947)، حاول الوجودي الألماني كارل ياسبرز معالجة ما يبدو مستحيلًا: فهم القتل الجماعي الواعي والمنهجي لليهود والغجر والمعارضين السياسيين والجماعات الأخرى التي حدّدها النظام النازي على أنها «غير مرغوب فيها» وتهديدًا لوجهة نظرها الشمولية لدولة آرية «نقية».
الإبادة الجماعية هي شكل متطرّف من المعاناة والفظائع وهي تستدعي إحساسًا عميقًا بالذنب بنفس القدر. لكن أفكار ياسبرز، تمامًا مثل تصوير حنة آرنت لتفاهة الشرّ، تظلّ ذات صلة بفهم الإحساس بالذنب لمجموعة من المواقف الأقلّ تطرّفًا، والأكثر يومية.
ولتحليل الهولوكوست، اقترح ياسبرز تصنيف الذنب إلى:
أولًا: ذنب جنائي ينشأ نتيجة لانتهاك القوانين «القاطعة». الجناية تفسح المجال للأدلة الموضوعية؛ وتختص المحكمة عمومًا بجمع الحقائق والفصل في الجرم.
ثانيًا: ذنب سياسي يعمل على مستوى السياسيين ومجموعة المواطنين. إن تصرفات الدولة أو من يتصرّفون كممثلين لها يمكن أن تحمل تداعيات وذنب لكل من يعيشون تحت سلطة تلك الدولة.
ثالثًا: ذنب أخلاقيّ يثير سلطة الضمير الشخصيّ. كما كتب ياسبرز: «يظلّ كل عمل خاضعًا للحكم الفرديّ».
وأخيرًا: يعود الشعور الميتافيزيقيّ بالذنب إلى فكرة انتهاك التضامن العالميّ بين البشر الذي يتجاوز حدود الذات أو الأسرة أو الأمّة؛ ففي الوقت الحاضر، يمكن للمرء أن يمدّ هذا التضامن ليشمل جميع الكائنات وكوكبنا، وبالتالي توسيع نطاق ذنبنا الميتافيزيقيّ، ففي ضوء العلاقة بين النشاط البشريّ والاستغلال المنهجيّ للحيوانات، وانهيار التنوّع البيولوجيّ، والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية، وحالة الطوارئ المناخية.
أجد نفسي معرّضًا للأنواع الثلاثة الأخيرة من الذنب.
الذنب والشعور بالمسؤولية
من السهل أن نفهم أنه لن يشعر الجميع أو يختاروا أن يميلوا إلى الشعور بالذنب. ففي تحليله للجريمة المحيطة بالهولوكوست، راجع ياسبرز أيضًا الأعذار المحتملة والمبرّرات الذاتيّة. على سبيل المثال، هناك إغراء للتترّس بالحتمية، أي بفكرة أن “الأشياء كان من المفترض أن تحدث بهذه الطريقة على أيّ حال”، وبهذه الطريقة ينكر المرء مسؤوليته.
تنشأ المسؤولية نفسها من المساءلة -قانونيًا، وأخلاقيًا، أو الأهم من ذلك- عند تحمّل واجبات تجاه مجموعات مختلفة. فالذنب مقترنٌ بالمسؤولية، لا يمكنك أن تكون مذنبًا بحقّ إلا إذا كنت مسؤولًا بطريقة ما عن ارتكاب أي مخالفات، ولكنه يعتمد أيضًا على الوعي، أي يحتاج الشخص إلى إدراك أو الاعتراف حقًا بكلّ من قيامه بالفعل، ومسؤوليته ليشعر بالذنب.
وصف فيلسوف ألمانيّ آخر، هو هانس لينك، المسؤولية على أنها علائقية -فأحدهما مسؤول أمام شخص ما عن شيء ما (ويمكن للمرء أن يضيف في مواجهة شيء ما، ومتعلق بشيء آخر، وفي إطار شيء ما أيضًا)- وإسنادية، ففيها شخص ما يتحمّل المسؤولية أو يتمّ تحديده على أنه مسؤول.
وتطرح المسؤولية أيضًا أسئلة عن القصدية والسببية؛ من المسؤول عن تفشي فيروس كورونا؟ معمل ووهان؟ أو الأفراد المصابون لا يتخذون الاحتياطات الكافية؟ أو فشل الحكومات في تقديم الإمدادات الضرورية ومعدات الحماية الشخصية بسرعة وبنحو عادل؟ شركات التواصل الاجتماعيّ التي تسمح بانتشار الأخبار الكاذبة وغيرها من نظريات المؤامرة؟ أو على نطاق أوسع، التسويق التجاريّ الموثق جيدا للحياة البرية، والذي يؤدّي في النهاية إلى إطلاق العنان للفيروسات بين الأنواع؟ والمثل بالنسبة لمقتل جورج فلويد: من المسؤول؟ الشرطيّ ديريك شوفين، الذي أدين في 20 أبريل 2021 بقتل فلويد؟ زملاؤه في الدورية الذين لم يتدخلوا؟ أو على نحو أوسع مؤسسة أمنية لها تاريخ معلن من التنميط العرقيّ؟ أو إرث العبودية الفاسد والسامّ الذي لم يُحلّ، والذي ما زال يتغلغل بعمق في الولايات المتحدة؟ ما لم نفحص طبقات العزو المختلفة وشبكة الترابط المتأصلة في العديد من القضايا المهمّة، ستظل العدالة غير كافية والتعافي سيكون ناقصًا. كما أن ضدّ الجنح الأخلاقيّة، تأتي الحقيقة أولًا، ثم التعويضات.
يصرّ الفيلسوف الفرنسيّ بول ريكور على هشاشة المسؤولية، التي هي«قابلة للتفكك من خلال الضعف الطبيعيّ ومهدّدة تحت ضربات العنف التاريخي» (هيرمينوطيقا الفعل، 1996). اقترح ريكور، وهو مُنظِّر مشهور للتاريخ والذاكرة والنسيان، أن المسؤولية انتقلت تاريخيًا من مفهوم قانونيّ ضيّق لمفهوم الأخلاق الأكثر اعتناقًا، وربما الأكثر استقطابًا.
كما نميل إلى فحص المسؤولية من خلال عدسة الاستذكار، تمامًا كما فعلت عندما واجهت تعبيرًا جديدًا عن «العادي» في نزهة في عطلة نهاية الأسبوع والتي جعلتني أتساءل عن نتائج معاناة السنة المعقدة. يمكن أن يساعدنا تذكر تصنيف ياسبرز لأنواع الذنب على شقّ طريق نحو أشكال إيجابية ومؤكدة للذات من المسؤولية، لأجل إعادة تنشيط إرادتنا وأفعالنا. وكما كتب ياسبرز، «كل شخص مسؤول عن الطريقة التي يُحكم بها»، لكن المسؤولية يمكنها أن تشمل أكثر من المجال السياسيّ لدمج الأخلاق الشخصية أيضًا.
ما التغيير الذي سيظهر إذا نظرنا أيضًا في المسؤولية المحتملة، أي رأينا الحاضر في ضوء المستقبل؟ وماذا قد تقول الأجيال القادمة بحقّ عن أفعالنا الفردية أو الجمعيّة؟ إذا اختار المرء المساءلة والواجب وتحمّل المسؤولية، فإن عيش «وعي الذنب» الذي يصفه ياسبرز يمكن أن يكون تجسيدًا تحويليًا وصحيًا للوعي الذاتي.
هل لا يزال هناك مجال للشعور بالذنب أو المسؤولية الميتافيزيقية في مجتمع اليوم للمستقطب والباحث عن المتعة الفردية؟ مع ازدياد تنشيط الاحتفالات في الشرفات وأسطح المباني المحيطة بمباني ما بعد الفيروس في المساء، أسمع نفاد صبر الأشخاص الذين يريدون قلب صفحة جديدة، بعيدًا عن عمليات الحظر والتباعد الاجتماعيّ والقيود ذات الصلة. لكن بالنسبة لأولئك الذين ما زالوا حزانى، تظلّ أضواء الحفلة خافتة، والأمر ربما أكثر من ذلك حتى بالنسبة لأولئك الذين ما زالوا يكافحون.




