مصر أمام لحظة حاسمة

على الأرض، تغيّر مشهد التنمية في مصر خلال السنوات الماضية: مشاريع بنية تحتية وأخرى إسكانية، عاصمة إدارية جديدة، ومناطق صناعية عدة.

لكن معظم هذه المشاريع يحتاج إلى تمويل حكومي مباشر، وهو ما فرض على القاهرة التوجّه، من حين إلى آخر، إلى صندوق النقد الدولي للحصول على قروض، وهو أمر تتطلّب الموافقة عليه الالتزام بعدد من شروط الصندوق، مثل اتخاذ اجراءات لتحرير الاقتصاد ورفع الدعم عن السلع والخدمات.

وقبل أيام، بدأت بعثة صندوق النقد الدولي زيارة إلى القاهرة لإجراء المراجعتين الخامسة والسادسة من البرنامج التمويلي المشترك مع مصر، في إطار نقاش معمّق حول مدى التقدّم في الإصلاحات المالية والهيكلية الرامية إلى تعزيز مرونة الاقتصاد وقدرته على مواجهة الصدمات.

وتأتي الزيارة عقب قرار الصندوق، في يوليو الماضي، دمج المراجعتين، بما يتيح صرف شريحة تمويلية تصل إلى 2.7 مليار دولار فور الانتهاء من الإجراءات المطلوبة.

وقد أعادت هذه الجولة من المحادثات طرح التساؤلات حول مدى قدرة البلاد على الالتزام بشروط صندوق النقد للحصول على التمويل والتحديات الاقتصادية والآثار الاجتماعية لهذا الالتزام.

المالية العامة والخصخصة

تزامن وصول البعثة مع إصدار الصندوق بيانات تشير إلى التزامات على مصر بقيمة 717.7 مليون دولار مستحقة خلال ديسمبر الجاري، إلى جانب 343 مليون دولار سددتها القاهرة في نوفمبر الماضي.

وتُبرز هذه الأرقام حجم الضغوط الواقعة على المالية العامة وميزان المدفوعات، وتضيف أعباء إضافية على الاحتياطي النقدي.

وتتميّز جولة المباحثات الحالية بأنها تأتي في وقت تشير فيه البيانات الرسمية إلى تحسّن نسبي في بعض مؤشرات الاقتصاد، مقارنة بجولات المراجعة السابقة.

ومع اقتراب البرنامج التمويلي من نهايته، يركّز الصندوق على تقييم مدى قدرة الحكومة على الالتزام بتعهداتها، خصوصاً ما يتعلق ببرنامج الطروحات الحكومية وإتاحة مساحة أوسع للقطاع الخاص، وهو ملف يعدّ من أهم عوامل تعزيز تدفقات النقد الأجنبي.

ويعتبر الخبير الاقتصادي د. محمد فؤاد في حديثه لموقع “الحرة” أن دمج المراجعتين جاء نتيجة بطء تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية، مؤكداً أن “اهتمام الصندوق ينصبّ على تطبيق وثيقة سياسة ملكية الدولة، وليس مجرد إتمام عمليات بيع أصول حكومية”.

وكان التعامل قد توقّف على 32 شركة مدرجة ضمن برنامج الخصخصة منذ عام 2023، وذلك رغم تكرار إعلان الحكومة نيتها طرح هذه الشركات، لكنها ترفض إتمام عمليات البيع بأسعار منخفضة مستندة إلى تحسن المؤشرات المالية وانحسار الضغوط الدولارية.

وأشار فؤاد إلى أن مصر حققت في وقت سابق 5.6 مليار دولار من بيع حصص في شركات كبرى مثل: أبو قير، موبكو، فوري، البنك التجاري الدولي، والشرقية للدخان. في المقابل، اعتبر أن بطء إجراءات الطرح في شركتي “صافي” و”وطنية” يمثل أحد نقاط الانتقاد من جانب الصندوق، لافتًا إلى أن الصندوق كان يتوقع تحقيق 3 مليارات دولار بنهاية عامي 2024–2025، بينما لم تتجاوز الحصيلة الفعلية 600 مليون دولار حتى الآن.

رؤية مصر

لدى استقباله وفد صندوق النقد، أعرب وزير الاستثمار والتجارة الخارجية حسن الخطيب عن تفاؤله بنتائج المراجعتين، مؤكداً أن عدداً من المؤشرات الاقتصادية جاء أفضل من التوقعات المدرجة في البرنامج المتفق عليه مع الصندوق، وأن الحكومة تتحرّك وفق رؤية إصلاحية تستهدف تعزيز دور القطاع الخاص وتحسين بيئة الاستثمار.

وأشادت بعثة الصندوق بما وصفته بـ”تقدّم ملحوظ” في ملفات الاستثمار والتجارة، معتبرة أن الرؤية الاقتصادية أصبحت أكثر وضوحاً واتساقاً، وأن الإجراءات الحكومية الحالية تعكس جدية في تعزيز الثقة وجذب الاستثمارات. وأكدت أن المناقشات تسير في أجواء إيجابية تدعم إمكانية الوصول إلى نتائج مشجعة خلال هذه الجولة من المراجعات.

ورغم هذه الإشادات، يبقى التحدي الأساسي يتعلّق بقدرة الإصلاحات على تحقيق تحسن ملموس يشعر به المواطن، إذ ان اختلالات الاقتصاد المصري ممتدة منذ سنوات طويلة وتفاقمت بفعل صدمات إقليمية ودولية.

ويرى الكاتب الصحفي عبد اللطيف وهبة أن مراجعات الصندوق الحالية تختلف بشكل كبير عن سابقاتها، إذ يقوم الصندوق بتقييم دقيق لما تم تنفيذه فعلياً من التزامات، وليس مجرد استعراض للخطط. وأوضح أن المراجعة السابقة شهدت إشكالية واضحة في ملف الطروحات الحكومية، لكن ظروف الحرب في غزة والحرب في أوكرانيا أثّرت على قدرة مصر في تنفيذ البرنامج. ومع ذلك، فإن الأجواء الحالية أكثر استقراراً، ما يعزز فرص التقدم، كما يؤكد.

الآثار الاجتماعية المحتملة

رغم البيانات الحكومية التي تتحدث عن تحسن في المؤشرات الاقتصادية، كشف البنك المركزي المصري في أحدث تقاريره عن استمرار الضغوط التضخمية خلال أكتوبر الماضي، إذ ارتفع المعدل الشهري للرقم القياسي الأساسي لأسعار المستهلكين، مسجّلاً تضخّماً أساسياً بلغ 12.1% في أكتوبر 2025 مقارنة بـ 11.3% في سبتمبر 2025.

وفي سياق متصل، أظهر استطلاع لوكالة “رويترز” نُشر في 8 ديسمبر أن التضّخم في المدن المصرية مرشّح للارتفاع للشهر الثاني على التوالي خلال نوفمبر، ليصل إلى 13.1% على أساس سنوي، مدفوعاً بزيادات في أسعار التبغ والكحول وخدمات النقل. وتؤكد هذه التقديرات استمرار الضغوط المعيشية التي أثرت بوضوح على القدرة الشرائية للمواطنين.

وبطبيعة الحال، تترك زيادة نسب التضخم انعكاسات سلبية على حياة المواطن، وسط مخاوف من أن يؤدي تنفيذ الحكومة لشروط قاسية من صندوق النقد إلى ارتفاعات أخرى لمعدّله.

في هذا السياق، يلفت فؤاد إلى أن المحادثات بين مصر وصندوق النقد الدولي لا تشمل زيادات فورية في أسعار الطاقة، لكن حساسية الشارع تجاه أيّ تغييرات تظل عالية، خاصة في ظل محدودية قدرة الأسر على استيعاب مزيد من الضغوط، ويؤكد أن الطرفين يناقشان خيارات لتخفيف عجز قطاعي الكهرباء والبترول دون إحداث صدمات اجتماعية.

ويتفق عبد اللطيف وهبة مع هذا الرأي، مؤكداً أن وجود البعثة لا يعني فرض أعباء مالية جديدة مباشرة، خصوصاً في ملفات الطاقة والمواد البترولية التي أنجزت الحكومة جزءًا كبيراً منها مسبقاً، وأن التركيز الآن ينصبّ على جذب استثمارات أجنبية وضخ عملة صعبة لتقليص العجز.

التمويل وأسعار الصرف

بالنسبة لأسواق المال، أكد خبير أسواق المال محمد هشام أن نجاح البعثة في إتمام المراجعتين سيمنح مصر شهادة ثقة دولية تعزز استقرار سوق الصرف، إضافة إلى حصولها على شريحة تمويلية تتجاوز ملياري دولار من إجمالي القرض. ويرى أن حالة الاستقرار المرتقبة قد تدفع المؤشر الرئيسي للبورصة إلى تجاوز مستوى 40 ألف نقطة على المدى المتوسط، بدعم من زيادة شهية المستثمرين الأجانب وإعادة تسعير الأسهم.

وبينما تستهدف الحكومة عوائد تقارب 3 مليارات دولار من الطروحات خلال العام المالي الجاري، يؤكد هشام أن أيّ اتفاق نهائي مع الصندوق سيوفّر بيئة مثالية لاستئناف الطروحات المؤجلة، لأن المستثمر الاستراتيجي يحتاج دائماً إلى رؤية اقتصادية واضحة قبل الإقدام على صفقات كبرى.

وبناء على كلّ هذه المعطيات ونتائج المحادثات، تشكّل المراجعتان الخامسة والسادسة محطة فارقة تكشف حجم التحديات التي يواجهها الاقتصاد المصري، ومدى قدرة مصر على تحويل الإصلاحات من قرارات على الورق إلى نتائج واقعية تقود نحو استقرار اقتصادي طويل الأمد.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading