في عالم تتشابك فيه السياسة بالاقتصاد، وتتحول فيه النزاعات إلى أزمات إنسانية عابرة للحدود، يبرز ملف الأمن الغذائي كأحد أخطر التحديات التي تهدد ملايين البشر. من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن غزة إلى إفريقيا وآسيا، تتسارع التداعيات مع كل تصعيد، لتطال سلاسل الإمداد وأسعار الغذاء والوقود على حد سواء.
في مقابلة مع “الحرة”، تكشف الدكتورة عبير عطيفة، المتحدثة الإعلامية باسم برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة عن صورة مقلقة للأوضاع الحالية، وتحذر من موجة جوع عالمية قد تتفاقم إذا استمرت الأزمات دون احتواء سريع.
كيف ترين التوترات في مضيق هرمز؟ وهل تفرض المخاطر الأمنية المرتفعة على السفن أزمة في الغذاء؟
هذا النزاع له تداعيات إنسانية مزدوجة، التأثير الفوري على ملايين الأشخاص في البلدان المتأثرة بالنزاع، وكثير منهم يواجهون أصلا أزمات ممتدّة، إضافة إلى اتساع الآثار الارتدادية لهذا النزاع حول العالم مع تعطّل سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الغذاء والوقود عالميا. هناك مئات آلاف الأشخاص في البلدان المتأثرة بالتصعيد ينزلقون يوما بعد يوم إلى مستويات أعمق من انعدام الأمن الغذائي.
يشهد العالم أكبر اضطراب في سلاسل الإمداد منذ حدوث جائحة كوفيد-19 في 2019، وبداية الحرب في أوكرانيا في أوائل 2022، وسيكون تأثير ذلك على الجوع حول العالم كبيرا. وفقا لتقديرات برنامج الأغذية العالمي، فإن 45 مليون شخص آخرين قد يُدفعون إلى حالة من انعدام الأمن الغذائي إذا استمرت الأزمة وبقيت أسعار النفط مرتفعة. وقد يرتفع عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع عالميا إلى 363 مليون شخص، متجاوزا الرقم القياسي السابق البالغ 349 مليون شخص عند بداية الحرب في أوكرانيا.
يعمل برنامج الأغذية العالمي على التكيّف بسرعة لضمان استمرار نقل الشحنات الإنسانية حول العالم، من خلال إيجاد طرق بديلة وحلول نقل جديدة لضمان استمرار هذا العمل الإنساني الحيوي.
ومع ذلك، ستؤدي هذه الأزمة إلى ارتفاع كبير في التكاليف التشغيلية في وقت يعاني فيه البرنامج من عجز تمويلي حاد. من الضروري احتواء تأثيرات هذا النزاع قبل أن تتفاقم الاحتياجات بشكل يصعب السيطرة عليه. تداعيات النزاع على الاقتصاد العالمي، بما يشمل ارتفاع أسعار النفط والطاقة وتعطّل طرق الشحن، ستؤدي إلى زيادة الجوع عالميا في 2026.
ما أكثر الدول التي تعاني من أزمة سلاسل الغذاء في المنطقة؟
العديد من البلدان في إفريقيا جنوب الصحراء وآسيا هي الأكثر عرضة للخطر بسبب اعتمادها الكبير على واردات الغذاء والوقود. وتشير التقديرات إلى زيادات في عدد من يعانون انعدام الأمن الغذائي لتشمل 21% في غرب ووسط إفريقيا، و17% في شرق وجنوب إفريقيا، و24% في آسيا.
إن العديد من البلدان في إفريقيا جنوب الصحراء تدخل موسم الزراعة فيما ترتفع أسعار الأسمدة بشكل كبير، ما يعني استمرار ارتفاع أسعار الغذاء حتى 2027. وتشير تقارير في بلدان مثل السودان وميانمار إلى طوابير وقود طويلة، بينما بدأت بلدان أخرى بفرض تقنين في الوقود. يستورد السودان 80% من احتياجاته من القمح، ما يجعل الأسعار الحالية تهدد بدفع مزيد من الأسر نحو الجوع.
في الصومال، الذي يعاني من جفاف شديد، ارتفعت أسعار السلع الأساسية بنسبة 20% على الأقل منذ بداية النزاع في منطقة الخليج. وارتفعت أيضا أسعار الوقود بشكل ملحوظ منذ فبراير، ومن المرجح أن تستمر الزيادات. يعاني كل من الصومال والسودان من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، وقد شهدا المجاعة في السنوات الأخيرة.
وتشهد أفغانستان تأثيرات على سلاسل الإمداد، بما في ذلك حظر إيران الأخير صادرات الغذاء والمنتجات الزراعية، ما بدأ بالفعل في رفع الأسعار. ومن المرجح أن يؤدي استمرار الحظر إلى نقص في السلع الأساسية، يبدأ من المناطق الحدودية ويمتد تدريجيا إلى مختلف أنحاء البلاد مع تراجع الإمدادات.
هل هناك أزمة في تكاليف الشحن بسبب طرق الملاحة البحرية الدولية؟
طرق الملاحة البحرية الرئيسية تواجه تعطيلات واسعة، مع تصاعد النزاع في وضع نادر ينطوي على اختناق مزدوج، ففي مضيق هرمز، تواجه السفن مخاطر أمنية مرتفعة واستهدافا مباشرا وقيودا تشغيلية. وفي باب المندب، تتسبب المخاطر وتكاليف التأمين في تأخيرات وتحويل مسارات السفن.
وقد سجّل برنامج الأغذية العالمي زيادة بنسبة 15–20% في تكاليف الشحن، إلى جانب تأخيرات ناجمة عن إعادة توجيه السفن. وإذا استمر هذا الوضع، فإن ذلك سيؤدي إلى تكاليف تشغيلية ضخمة وتأخير في توفير المساعدات الغذائية المنقذة للحياة.
كيف تهدد الحرب على لبنان حياة المواطنين من ناحية الجوع وعدم القدرة على الوصول إلى أبسط الاحتياجات الغذائية؟
في لبنان، وهو أول بلد فعّل فيه البرنامج استجابة فورية للتصعيد، يزداد عدد النازحين يوما بعد يوم. ومنذ الساعات الأولى، كان البرنامج على الأرض يوفّر وجبات ساخنة، وحصصا جاهزة للأكل، وخبزا طازجا للعائلات في الملاجئ، إضافة إلى مساعدات نقدية للأسر النازحة خارج الملاجئ لتلبية احتياجاتها الغذائية العاجلة.
خلال أسبوعين فقط، وصل البرنامج إلى 230,000 شخص بمزيج من المساعدات الغذائية والنقدية، ووزّع أكثر من مليون وجبة ساخنة. ويحتاج البرنامج خلال الأشهر الثلاثة المقبلة إلى 72.5 مليون دولار أميركي لتلبية الاحتياجات الإنسانية المتزايدة في لبنان.
كما يستجيب البرنامج لنزوح الأشخاص من لبنان إلى سوريا، حيث عاد آلاف الأشخاص، ويتيح البرنامج مساعدات غذائية عند الحدود للأسر أثناء تحركها.
هل هناك أزمة غذائية حالية في إيران بعد دخول الحرب شهرها الأول؟
في إيران، تستمر عمليات البرنامج التي تدعم اللاجئين الأفغان في شرق البلاد مع حد أدنى من التعطيل. وتشير التقارير إلى زيادة في عودة الأسر إلى المخيمات. ويراقب البرنامج حركة السكان واتجاهات أسعار الغذاء وتأثيراتها على الأمن الغذائي للاجئين، بينما يعمل مع الشركاء المحليين والدوليين وبرامج الأمن الغذائي حسب الحاجة. كما يعمل البرنامج على إيجاد مسارات إمداد بديلة ومكمّلة، بما في ذلك عبر تركيا، لضمان الوصول إلى اللاجئين الأفغان الأكثر احتياجا إذا تطلب الأمر.
يبدي البرنامج قلقا من أن يؤدي التصعيد إلى دفع الأفغان في إيران إلى العودة. ومع التمويل المتدنّي للعمليات في أفغانستان، فإن موجة كبيرة من العائدين، إلى جانب آثار النزاع الأخير مع باكستان، قد تدفع الاحتياجات الإنسانية إلى مستويات تفوق قدرة البرنامج الحالية.
من دون وصول يمكن التنبؤ به، وبنية تحتية تتمتع بالحماية، وتمويل مستقر، ستتراجع بسرعة المكاسب الأخيرة التي أحرزت في الأمن الغذائي في المنطقة، وقد تكون العواقب الإنسانية بالغة الخطورة.
هل هناك خطط طارئة لدى برنامج الأغذية العالمي لمواجهة تفاقم الأزمات الغذائية في المنطقة؟
يعمل البرنامج على التكيّف السريع مع التحديات اللوجستية. فمثلا، لضمان استمرار توفير المساعدات إلى أفغانستان، يعمل البرنامج على تفعيل ممر اللازورد (Lapis Lazuli) الذي يربط تركيا وجورجيا وأذربيجان وبحر قزوين وتركمانستان وصولا إلى أفغانستان. هذا المسار بديل حيوي لكنه يتطلب وقتا أطول وتكاليف إضافية كبيرة.
وأيضا تُستخدم المساعدات النقدية حيثما تكون الأسواق قادرة على العمل، بما في ذلك في لبنان وداخل إيران، لتلبية الاحتياجات الغذائية العاجلة. ومع ذلك، تبقى المساعدات الغذائية العينية عنصرا أساسيا، ويستمر البرنامج في استخدام مسارات العبور عبر تركيا ومصر والأردن وباكستان، والممرات البرية، للتخفيف من تحديات سلاسل الإمداد. ويعتمد البرنامج أيضا على الموانئ المصرية العاملة بالكامل، وعلى قناة السويس التي تبقى محورا لوجستيا رئيسيا للمنطقة.
هل لا يزال المواطنون في غزة يعانون من نقص حاد في الغذاء؟
في غزة، لا تزال الأسر معرضة بشكل كبير إلى خطر الجوع. ومع بداية التصعيد، أدت إغلاقات الحدود إلى ارتفاع كبير في أسعار الغذاء. ورغم استعادة القدرة على الوصول إلى جنوب غزة سريعا، لا تزال الأسعار مرتفعة، ولا يوجد وصول مباشر عن طريق المعابر في شمال القطاع. وتجد الأسر صعوبة في تحمّل تكلفة الخضروات والبروتين ومنتجات الألبان.
وللحفاظ على إيصال الغذاء لأكثر من مليون شخص في غزة، يحتاج البرنامج إلى تدفّق ثابت للسلع من الأردن وإسرائيل ومصر، ويشمل ذلك المساعدات الغذائية الإنسانية والسلع التجارية لضمان بقاء الأسواق مزوّدة بالأغذية الطازجة.



