د. حمد الكواري:
قبل الحرب..
مقدمات كشفت ما كان يُراد للمنطقة
هل يمكن أن نتجاهل التطورات الكبيرة التي سبقت هذه الحرب — التي لا تزال تترنّح — وكأنها أحداث منفصلة لا رابط بينها؟
لقد شهدنا قبل اندلاعها مباشرة تصاعدًا لافتًا في الحديث عمّا سُمّي بـ”إسرائيل الكبرى”، حين عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خريطة أمام العالم في الأمم المتحدة تضمّ أراضي من دول عربية، بينها أجزاء من المملكة العربية السعودية. ثم جاء حديث السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي عن “حقّ إلهي” لإسرائيل في هذه الأرض، وهو طرح يحمل دلالات سياسية لا يمكن التقليل من شأنها.
وفي السياق ذاته، برزت محاولة انفصال في اليمن، ترافقت مع وعود بعلاقات مع إسرائيل وإقامة قاعدة لها هناك، لولا التحرّك الحازم وفي الوقت المناسب من المملكة العربية السعودية — حفظها الله — الذي أسهم في إفشال هذا المخطط قبل أن يترسّخ، لوقع المحظور.
هنا يبرز التساؤل المشروع:
هل كانت هذه الأحداث، بكل ما تحمله من دلالات، مجرّد تطورات متفرقة؟ أم أنها شكّلت مقدماتٍ سياسية واستراتيجية للحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران؟ وهل كانت هذه الطروحات جزءًا من رؤية أوسع لو سارت الحرب وفق ما تمناه مشعلوها؟
نقف عند هذه النقطة لنقول بإنصاف: لولا الحكمة التي تحلّت بها بعض دول الخليج، واكتفاؤها بالدفاع المشروع عن مقدّراتها دون الانجرار إلى التصعيد، لكان المحظور قد وقع.
كان من الممكن أن يتحوّل الصراع إلى مواجهة بين المسلمين أنفسهم، سنّة وشيعة، فتأكل الحرب الأخضر واليابس، ويأتي المتربّص ليقطف الثمار وينفّذ ما سبق أن مهّد له من خرائط وتصريحات وخطوات.
لقد جنّبت حكمة بعض قيادات الخليج منزلقًا خطيرًا، وحمت المنطقة من سيناريو كارثي. ومن حقّ هؤلاء القادة أن تُرفع لهم التحية والتقدير، فقد جمعوا بين البطولة في الدفاع عن أوطانهم، والصبر في مواجهة الاستفزاز، والبصيرة في تفويت الفرصة على المخططات المعادية.
ومع ذلك، فإن الطريق لا يزال طويلًا وشاقًا. فما جرى ينبغي أن يكون درسًا يُستفاد منه، لا محطة تُنسى. علينا أن نستوعب ما حدث، وأن نعمل بمقتضاه، وأن ننطلق بثقة ووعي وحكمة، لأن التحديات لم تنتهِ، والمشاريع التي طُرحت لم تُسحب بالكامل من التداول، بل قد تعود بأشكال مختلفة.
لهذا، فإن اليقظة ضرورة، والوحدة قوة، والحكمة مع العمل — كما أثبتت الأيام — هي السلاح الأنجع في مواجهة العواصف.
دكتور حمد الكواري
وزير دولة بدرجة نائب رئيس وزراء
رئيس مكتبة قطر الوطنية
