بقلم اللواء الدكتور عبداللطيف بن محمد الحميدان…
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد يقف لبنان مجددا على مفترق طرق تاريخي تتقاطع فيه الجغرافيا مع السياسة وتتداخل فيه التحديات الأمنية مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. فالحرب الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية لا يمكن قراءتها فقط كتصعيد عسكري عابر بل هي امتداد لسياق طويل من محاولات إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. ومع ذلك فإن لبنان الذي اعتاد عبر تاريخه أن يكون ساحة للتجاذبات أثبت في أكثر من محطة أنه يمتلك قدرة كامنة على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاج ذاته بصورة أكثر توازنا.
والواقع اللبناني اليوم يبدو للوهلة الأولى مثقلا بالضغوط حيث البنية التحتية تتعرض لاختبارات قاسية والاقتصاد يعاني من هشاشة مزمنة والمجتمع يعيش حالة قلق مشروع. غير أن القراءة العميقة تكشف أن هذا البلد الصغير يحمل في داخله عناصر صمود استثنائية تتمثل في تنوعه الثقافي ومرونته الاجتماعية وقدرته على التكيف مع التحولات. وهذه الخصائص ليست مجرد سمات نظرية بل هي أدوات فعلية مكنت اللبنانيين عبر عقود من تجاوز أزمات كانت تبدو في حينها مستحيلة الحل.
ومن منظور استراتيجي فإن ما يحدث في لبنان يتجاوز حدوده الجغرافية ليعكس طبيعة الصراع الأوسع في الشرق الأوسط. حيث ان إسرائيل تسعى إلى فرض معادلات ردع جديدة بينما تحاول الأطراف الإقليمية والدولية إعادة ترتيب أوراقها بما يتناسب مع مصالحها. وفي هذا المشهد المعقد يبقى لبنان عاملا حاسما ليس بسبب قوته العسكرية التقليدية بل بسبب موقعه الرمزي والسياسي وقدرته على الصمود من ضغوط تأثير التوازنات الدقيقة في المنطقة.
واللافت في التجربة اللبنانية أن المجتمع رغم كل التحديات لا يزال يحتفظ بحيوية لافتة. فالمبادرات المدنية تتكاثر والقطاع الخاص يحاول أن يجد مسارات بديلة والطاقات الشبابية تواصل البحث عن فرص داخل البلاد وخارجها دون أن تفقد ارتباطها بالوطن. وهذه الديناميكية تمنح لبنان رصيدا مهما يمكن البناء عليه في مرحلة ما بعد التصعيد إذ أن إعادة الإعمار لا تعتمد فقط على الموارد المالية بل تحتاج أيضا إلى رأس مال بشري مؤمن بقدرة بلده على النهوض.
ومن زاوية عربية وبروح سعودية تتسم بالواقعية والتفاؤل يمكن القول إن استقرار لبنان ليس مصلحة لبنانية فحسب بل هو ضرورة إقليمية. فالمملكة العربية السعودية التي طالما وقفت إلى جانب لبنان تدرك أن هذا البلد يمثل نموذجا فريدا للتعايش وأن الحفاظ على استقراره يسهم في تعزيز التوازن في المنطقة. والدعم العربي عندما يقترن بإرادة لبنانية داخلية واعية يمكن أن يشكل رافعة حقيقية لإخراج لبنان من أزمته الحالية.
والمستقبل اللبناني رغم ضبابية اللحظة الراهنة لا يخلو من فرص. التجارب السابقة التي تشير إلى أن لبنان غالبا ما يخرج من أزماته أكثر إدراكا لذاته وأكثر قدرة على إعادة ترتيب أولوياته. لان المطلوب اليوم هو استثمار هذه اللحظة الصعبة في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع وفي إطلاق مسار إصلاحي حقيقي يعالج جذور الأزمة الاقتصادية ويعزز مناعة المؤسسات.
ولهذا فان لبنان يبقى قصة استثنائية في المنطقة بلد صغير وبدوره قادر على تحويل الألم إلى أمل وعلى صياغة مستقبل يتجاوز حدود الأزمات. وما بين التحدي والفرص تتجلى حقيقة أن لبنان لا يمكن اختزاله في مشهد الحرب بل يجب النظر إليه كمساحة للحياة والإبداع والتجدد.
@alatif1969
