السينما المغربية وصراع المرجعيات.. نقاد يسائلون حدود التعبير ومخاطر التبعية الثقافية للغرب
تجدد الجدل حول حدود حرية الإبداع والتعبير في السينما المغربية، على خلفية النقاش الذي أثاره عرض الفيلم الأخير للمخرج هشام العسري “المطرود من رحمة الله”، إذ أعاد العمل إلى الواجهة إشكالات قديمة متجددة مرتبطة بعلاقة الفن بالمقدس، وحدود الجرأة، والنقطة التي قد تتحول فيها حرية التعبير إلى مصدر توتر مع القيم المجتمعية.
وفي هذا الإطار، تباينت مواقف النقاد والمتابعين بين اتجاه يدعو إلى توسيع هامش الحرية الفنية دون قيود، وآخر يشدد على ضرورة ممارستها ضمن ضوابط تراعي الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع المغربي، ما يعكس تعقيد الإشكال المطروح داخل الحقل السينمائي، حيث تتقاطع الأبعاد الفنية مع الرهانات الفكرية والأخلاقية.
وفي قراءة نقدية لهذا الجدل، اعتبر الناقد السينمائي عبد الكريم واكريم، أن المطالبة بمنع الأعمال الفنية لا تخدم النقاش العمومي بقدر ما تساهم في الترويج لها بشكل غير مباشر، مؤكدا أن “كل ممنوع مرغوب”، وأن الدعوات إلى المنع تمنح تلك الأعمال إشعاعا أكبر بدل الحد من انتشارها.
وقال عبد الكريم واكريم في تصريح لـ”العمق، إن الاختلاف مع أي عمل فني يظل حقا مشروعا، لكن ينبغي أن يظل في إطار النقد والحوار، لا المنع والمصادرة.
وأضاف واكريم، أن ما حصل مع فيلم العسري، هو محاولة للحجر على حرية التعبير، لأنه لا وجود لخطوط حمراء في تداول الأفكار، ما دامت لا تمس بالأشخاص أو تتضمن تشهيرا بهم، مشددا على أن الأفكار ينبغي أن تواجه بالحجة لا بالمنع حتى وإن كانت تتعارض مع ما نؤمن به، وإلا فإننا نبدو وكأننا نخاف على ما نؤمن به لكونه هشا ومجرد ما أن يتعرض للنقد سينهار تماما، وفق تعبيره.
ويرى ذات المتحدث، أن الاحتكام إلى معيار “القيم الأخلاقية” لمحاكمة الأعمال الفنية يظل إشكاليا، لأن الفن له قوانينه الخاصة، كما أن الجمهور يقبل على هذه الأعمال باختياره، وليس بشكل مفروض عليه، مع ضرورة احترام التصنيف العمري المعمول به دوليا.
وتوقف واكريم، عند طبيعة فيلم العسري، مبرزا أنه يندرج ضمن الأعمال التي تتناول معاناة الكاتب خلال عملية الإبداع، وهو موضوع سبق أن عالجته السينما العالمية في تجارب متعددة بقيت راسخة في الذاكرة، غير أنه يرى أن معالجة العسري ظلت أقل من حيث المستوى الفني مقارنة بنماذج أخرى تناولت الإشكال ذاته بعمق أكبر.
وأشار الناقد السينمائي المعروف بتشريحه للأعمال السينمائية في برنامجه “سينما واكريم”، أن هشام العسري معروف بكونه مخرجا “نخبويا” بامتياز، يغرف من مرجعيات أدبية وسريالية تجعل أعماله عصية على الفهم الجماهيري البسيط، لافتا إلى أنه في فيلمه الأخير، يغوص في “مخاض الكتابة” ومعاناة المبدع، مستلهما أحداثا واقعية هزت العالم، وهي قضية رواية “آيات شيطانية” لسلمان رشدي.
ويتناول الفيلم قصة كاتب يسعى للشهرة والنجاح التجاري، فيقرر السير على خطى رشدي من خلال إثارة الضجة لضمان الانتشار وتحقيق الأرباح، مشيرا إلى أن هذا التقاطع بين “الفانتازي” و”الواقعي” وضع الفيلم في فوهة المدفع، حيث رأى فيه البعض مساسا طابوهات دينية، بينما رآه آخرون مجرد تشريح لعملية الخلق الفني.
في المقابل، يقدم الناقد الفني مصطفى الطالب رؤية مغايرة، إذ يعتبر أن النقاش حول “الإبداع والمقدس” مستورد من السياق الغربي الذي وصل إلى حالة من “الانحدار القيمي”، ولا يمكن إسقاطه بشكل آلي على المجتمعات العربية والإسلامية التي لها خصوصياتها الثقافية والقيمية.
ورأى مصطفى الطالب في تصريح لـ”العمق”، أن تبني هذه المفاهيم دون تمحيص قد يؤدي إلى نتائج سلبية تمس بتماسك المجتمع.
واعتبر الطالب، أن حرية الإبداع مكفولة دستوريا في المغرب، لكنها تظل مرتبطة بضوابط أساسية، في مقدمتها احترام قيم المجتمع وهويته، مشيرا إلى أن المبدع، مهما بلغ من شهرة أو تأثير، يظل جزءا من بيئته، ولا يمكن أن يضع نفسه فوقها أو يتعامل معها بنوع من الاستعلاء.
وشدد الناقد مصطفى الطالب، على أنه لا يمكن للمبدع، كائنا من كان، أن يضع نفسه فوق الجميع، لافتا إلى أن جنوح بعض المبدعين نحو “تأليه الذات” واعتبار أنفسهم فوق المساءلة أو النقد ينم عن نرجسية مفرطة، لأن صفة المبدع لا تمنح صاحبها الحق في التهكم على قيم ومقدسات بلد يمتد تاريخه لأكثر من اثني عشر قرنا، تعايش فيها أبناؤه في وئام تام مع ثوابتهم.
وانتقد الطالب بشدة ظاهرة المبدع الذي يظهر “بين عشية وضحاها” لينصب نفسه رسولا للحداثة والحرية، متدثرا برداء “المظلومية” وادعاء أنه ضحية التزمت والمحافظة.
واستطرد الناقد الفني، موضحا أن الأفلام التي تثير الجدل غالبا ما تفتقر للعمق الفكري أو القضايا الاجتماعية والسياسية الجوهرية التي تلامس وجدان المواطن وتساؤلاته الوجودية، بل هي أعمال تعتمد في جوهرها على اللعب على أوتار “الدين والجنس” كأدوات للإثارة المجانية واستقطاب فئة الشباب.
وعزا الناقد هذا التوجه إلى دور “المنتج الأجنبي” الذي يفرض شروطه وتصوراته، مما يدفع المبدع نحو الانسلاخ عن ذاته وثقافته الأصلية.
وخلص الطالب، إلى التأكيد على دعمه لحرية الإبداع التي تطرح الأسئلة الوجودية الحارقة، لا تلك التي تلهث- وفق تعبيره- خلف الإثارة، مؤكدا أن “الحرية الحقيقية” هي التي تنضبط باحترام الآخر والمجتمع ككل، مما يستوجب مراجعة شاملة للمفاهيم الفنية والجمالية المستوردة من الغرب، والتي يرى أنها قادت الإنسانية نحو انحدار قيمي وأخلاقي واضح.
ويمثل الجدل الذي أثاره فيلم هشام العسري “المطرود من رحمة الله” تجسيدا حيا لصراع المرجعيات في الساحة الثقافية المغربية ليبقى النقاش مفتوحا حول المسافة الفاصلة بين “الجرأة الفنية” و”الاستفزاز المجاني”، بين تيار حداثي يطالب برفع الوصاية عن العقل والإبداع وترك الحكم للجمهور في القاعات السينمائية (مع احترام السن القانوني)، وتيار محافظ يرى أن السينما يجب أن تكون قاطرة لبناء المجتمع لا معولا لهدم قيمه المستقرة منذ قرون مع التشديد على ضرورة القدرة على صياغة “إبداع سيادي” يتحرر من التبعية الثقافية للغرب وقوالبه الجاهزة.
تعليقات الزوار
الغرب تيطلب منكم تعطيوه تيساع