منتدى العمق

الحكم الذاتي في الصحراء المغربية: رؤية ملكية تحول المبادرة المغربية إلى مرجعية دولية وترسخ دعائم الوحدة الوطنية

الدكتور حفيظ وشاك عضو الفدرالية الدولية لصحافيي وكتاب السياحة نائب برلماني RNI-

في عالم لم تعد فيه الحلول التقليدية قادرة على تفكيك النزاعات المعقدة، يبرز المقترح المغربي للحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية كصيغة متقدمة تجمع بين الواقعية السياسية والابتكار المؤسساتي. لم يعد هذا المقترح مجرد مبادرة دبلوماسية، بل تحوّل إلى مسار دولي متكامل، تقوده رؤية استراتيجية حكيمة بلورها صاحب جلالة الملك محمد السادس نصره الله   الذي نجح في نقل الملف من حالة الجمود إلى دينامية الحل، عبر مقاربة تقوم على التوازن بين السيادة الوطنية والانفتاح السياسي والتنمية المجالية.

هذا التحول لم يكن معزولاً عن السياق الدولي، بل تعزّز بشكل واضححيث لم يعد النقاش منصباً على شرعية المقترح، بل على سبل تفعيله، وقد جاء ليكرّس هذه النقلة النوعية، من خلال تأكيده على جدية ومصداقية المبادرة المغربية، وهو ما يعكس اعترافاً دولياً متزايداً بأن المغرب لم يعد مجرد طرف في نزاع، بل أصبح حاملاً لحل واقعي يحظى بثقة المنتظم الدولي.

وفي امتداد لهذه الدينامية، شكّلت اللقاءات التي احتضنتها مدريد وواشنطن في فبراير 2026 محطة مفصلية في مسار الملف، خاصة وأنها جرت برعاية أمريكية وأممية، ما منحها ثقلاً سياسياً ودبلوماسياً استثنائياً. هذه المفاوضات لم تكن مجرد لقاءات عادية، بل عبّرت عن انتقال نوعي نحو مرحلة أكثر تقدماً، حيث قدّم المغرب مقترحه بصيغة أكثر نضجاً، مدعّمة بهندسة مؤسساتية دقيقة تستحضر أفضل الممارسات الدولية، وتؤكد في الآن ذاته خصوصية النموذج المغربي.

وفي هذا الإطار، يبرز استلهام التجربة الفيدرالية الألمانية التي كان المغفور له الحسن الثاني معجبا بها كأحد المفاتيح الجوهرية لتعزيز قوة المقترح المغربي. فقد نجحت هذه الدولة في بناء نموذج متوازن يقوم على “اللاندَر” (Länder)، حيث تتمتع الجهات بصلاحيات واسعة، دون أن يشكل ذلك أي تهديد لوحدة الدولة، بل على العكس، يتم دعم هذه الوحدة من خلال إشراك الجهات في القرار الوطني هذه التجربة، التي كانت محل إعجاب، تؤكد أن تعزيز صلاحيات الجهات يمكن أن يتحول إلى رافعة استراتيجية لدعم الوحدة الوطنية، وهو ما ينسجم بعمق مع فلسفة المقترح المغربي.

ان ما يميز النموذج المغربي اليوم ليس فقط مرونته السياسية، بل قدرته على التطور المستمر.

فمملكتنا الشريفة وهي تراكم مكاسبها الدبلوماسية، مدعوة الى تعميق هذا المسار من خلال توسيع مشاركة الاقاليم الجنوبية في القرار الوطني، وتعزيز وضوح توزيع الاختصاصات، وبناء نموذج اقتصادي جهوي قوي، الى جانب ترسيخ ضمانات دستورية وهي خطوات كفيلة بتحويل الحكم الذاتي من إطار سياسي الى مشروع وطني متكامل، يعزز الاستقرار ويكرس الانتماء.

هذا، فان المسار الذي يقوده المغرب لم يعد مجرد تدبير لملف نزاع اقليمي، بل أصبح نموذجا في ابتكار الحلول داخل نظام دولي معقد. ومع تثبيت لمرجعية المقترح المغربي، ومع الزخم الذي منحته المفاوضات الأخيرة برعاية أمريكية وأممية، تتجه القضية نحو مرحلة حاسمة عنوانها الانتقال من الاعتراف إلى التنزيل، ومن المبادرة إلى النموذج.

هكذا، لا يقدم المغرب فقط حلا لنزاع طال أمده، بل يقدم رؤية حديثة لدولة قوية وبوحدتها قادرة على تحويل الحكم الذاتي إلى رافعة استراتيجية لترسيخ الاستقرار، وتعزيز الوحدة الوطنية، وبناء مستقبل مشترك قائم على الثقة والتكامل.                                                                           

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *