صراع الطاقة في الشرق الأوسط.. تداعيات تتجاوز ساحات القتال

لامار أركندي – نورث برس

في ظل تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، لم تعد ضربات منشآت الطاقة في إيران ودول الخليج مجرد عمليات عسكرية، بل تحولت إلى عامل ضغط مباشر على حياة المدنيين.

فاستهداف المصافي ومحطات الكهرباء وخطوط الغاز ينعكس على أسعار الوقود، وانقطاع الكهرباء، وارتفاع تكاليف المعيشة، وصولاً إلى التأثير على الاستقرار الاجتماعي والنفسي. وتشير تقديرات مراكز بحثية إلى أن هذه الضربات تستهدف البنية التحتية الحيوية لإضعاف القدرات الاقتصادية، ما يجعل المدنيين الحلقة الأضعف في معادلة الصراع.

ومع استمرار الهجمات، يواجه سكان المنطقة واقعاً يتسم بارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات، ما يطرح تساؤلاً حول تأثير ضربات الطاقة على الحياة اليومية في الشرق الأوسط.

العراق.. هشاشة الطاقة وانعكاساتها اليومية

يعتمد العراق بشكل كبير على الغاز الإيراني لتشغيل محطات الكهرباء، إذ يشكل نحو 40% من احتياجاته، وفق الخبير النفطي جاسم العلاوي.

ويقول العلاوي لنورث برس إن هذا الاعتماد يجعل منظومة الكهرباء عرضة للاضطرابات مع أي توتر إقليمي أو استهداف لمنشآت الطاقة في إيران، حتى دون وقوع هجمات داخل العراق.

ويعكس ذلك قلق السكان، إذ يقول أحمد منصور، مدرس في بغداد، إن أي توقف في إمدادات الغاز يؤدي مباشرة إلى انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، ما يؤثر على الحياة اليومية والعمل.

كما تشير ليلى، صاحبة صالون تجميل في بغداد، إلى أن ارتفاع تكاليف الكهرباء والمولدات أصبح عبئاً كبيراً، مع تزايد المخاوف من تفاقم الأزمة.

ويرى العلاوي أن الاعتماد الهيكلي على الغاز الإيراني يجعل العراق عرضة لتداعيات الصراع، حيث يترجم أي انقطاع في الإمدادات إلى ضغط مباشر على الاقتصاد والخدمات.

الخليج.. ارتفاع التكاليف وضغوط على الأسر

في دول الخليج، أظهرت تحليلات الوكالة الدولية للطاقة أن الهجمات على منشآت الطاقة أدت إلى اضطرابات في الإمدادات وارتفاع الأسعار العالمية.

ووفق تقارير حديثة، ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 5%، متجاوزة 100 دولار للبرميل، ما انعكس على تكاليف الطاقة محلياً، رغم سياسات الدعم.

كما تشير تقديرات إلى ارتفاع تكاليف التشغيل في الصناعات الثقيلة، مثل البتروكيماويات والألمنيوم، لتشكل نسبة كبيرة من إجمالي الإنتاج.

ويقول الخبير الاقتصادي سعيد النبهان إن هذه الزيادة قد تدفع الشركات إلى رفع الأسعار، ما ينعكس على المستهلكين ويزيد الضغوط على القدرة الشرائية.

بدوره، يحذر صندوق النقد الدولي من أن ارتفاع تكاليف الطاقة يعزز التضخم ويبطئ النمو الاقتصادي، مع تأثير مباشر على أسعار النقل والسلع والخدمات.

الطاقة كسلاح في الصراع الإقليمي

يرى خبراء أن استهداف منشآت الطاقة بات أداة ضغط رئيسية في الصراعات الحديثة.

ويقول الخبير العسكري مايكل نايتس في تصريحات صحفية، إن ضرب البنية التحتية للطاقة يهدف إلى تقليص الموارد الاقتصادية للدول والضغط عليها سياسياً دون الانخراط في حرب شاملة.

كما تشير تحليلات دولية إلى أن الضربات الأميركية-الإسرائيلية على إيران تمثل تحولاً نحو استهداف البنية الاستراتيجية، بهدف الحد من نفوذها الإقليمي.

وفي السياق، حذر مسؤولون في قطاع الطاقة من أن استمرار التصعيد قد يشكل خطراً على الاقتصاد العالمي، خاصة مع تهديد ممرات حيوية مثل مضيق هرمز.

تداعيات أوسع على الاقتصاد والاستقرار

يرى المحلل الاقتصادي أكرم مرهف أن الصراع على الطاقة لم يعد يقتصر على الدول المستهدفة، بل امتد ليؤثر على اقتصادات المنطقة، خصوصاً في الخليج.

ويشير إلى أن أي تصعيد عسكري يرفع تكاليف حماية المنشآت النفطية والنقل والتأمين، ما ينعكس على الأسعار عالمياً ومحلياً.

كما يؤدي تهديد الممرات البحرية إلى زيادة كلفة الشحن، وهو ما يضاعف الأعباء على الحكومات والشركات، وينعكس في النهاية على المستهلكين.

وتشير التقديرات إلى أن ارتفاع كلفة الطاقة، حتى في الدول المنتجة، بات مرتبطاً بالمخاطر الجيوسياسية، ما يجعل استقرار هذا القطاع رهناً بالاستقرار الإقليمي.

وفي ظل استمرار التوترات، يبقى السؤال مفتوحاً:

هل يمكن احتواء صراع الطاقة في الشرق الأوسط، أم أن المدنيين سيواصلون دفع كلفته لسنوات؟

تحرير: عكيد مشمش