العائلة التي لم تكسرها الحرب
@UNHCR Libya/ Aml Albarghouti
عندما فرّ بشارة من نيالا في السودان إلى ليبيا عام 2024، حمل معه أغلى ما يملك: عائلته.
أم.
أب.
وأربعة أطفال.
وكحال كثير من العائلات السودانية التي أجبرتها الحرب على الفرار، تركوا خلفهم العنف والخوف ومستقبلاً لم يعد آمناً لأطفالهم. كان أملهم بسيطاً: أن يجدوا الأمان… وأن تبقى العائلة معاً.
ولفترة من الزمن، نجحوا في ذلك.
حتى جاءت ليلة في عام 2025 غيّرت كل شيء.
ففي طريق عودتهم إلى المنزل خلال شهر رمضان، صدمت سيارة مسرعة العائلة.
نجا بشارة.
لكن زوجته لم تنجُ.
كانت حاملاً في شهرها الخامس.
اليوم، يربي بشارة أطفاله الأربعة وحده.
في منزل صغير على أطراف طرابلس، أصبحت الحياة تدور حول تفاصيل لم يتخيل يوماً أنه سيواجهها بمفرده. يستيقظ باكراً لتحضير الطعام، يطمئن على أطفاله باستمرار، ويعمل كلما سنحت الفرصة ليؤمّن احتياجاتهم. حتى أنه بدأ يعلّم ابنته الكبرى إعداد وجبات بسيطة… تحسباً لأي ظرف.
يقول:
“أطفالي هم كل حياتي… كل شيء أملكه موجود فيهم.”
ولا يزال الأطفال يعيشون صدمة فقدان والدتهم. في الليل، لا يأتي النوم بسهولة. وخلال النهار، يلتصقون بوالدهم، يخشون الابتعاد عنه لفترة طويلة.
أحياناً، عندما يخرج للعمل، يطلبون مرافقته.
وأحياناً أخرى، ينتظرونه بصمت حتى يعود.
يقول:
“لا يشعرون بالراحة من دوني.”
بالنسبة لبشارة، أصبحت الأبوة اليوم مسؤولية ومعركة يومية للبقاء. يطبخ. ينظف. يعمل لساعات طويلة عندما يجد عملاً. وأحياناً يرفض فرص العمل لأنه لا يريد ترك أطفاله وحدهم.
ومع كل صباح… يحاول من جديد.
يقول:
“أخرج وأحاول، مرة بعد مرة… من أجلهم.”
وفي مختلف أنحاء ليبيا، تحاول عائلات سودانية كثيرة فرت من الحرب إعادة بناء حياتها، وهي تحمل الحزن وعدم اليقين ومسؤولية حماية أطفالها. وبالنسبة لكثير من الآباء والأمهات، كان قرار الفرار مدفوعاً بسبب واحد قبل أي شيء آخر: حماية أطفالهم.
لكل طفل الحق في الأمان.
الحق في أن يكبر محمياً.
والحق في البقاء مع عائلته.
لكن بالنسبة لكثير من العائلات النازحة، ما يزال الأمان هشاً. ومع تصاعد المصاعب وقلّة الخيارات، تضطر بعض العائلات إلى المخاطرة برحلات خطيرة بحثاً عن الاستقرار والحماية.
في اليوم الدولي للأسر، تذكّرنا قصة بشارة بالقوة التي تتمسك بها العائلات حتى بعد أقسى الخسارات.
كما تذكّرنا بأن العائلات التي أُجبرت على الفرار لا يمكنها تحمّل هذه الأعباء وحدها.
وتواصل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الدعوة إلى إنهاء الحرب في السودان، وزيادة الدعم للدول المستضيفة، بما فيها ليبيا، وتوسيع المسارات الآمنة والقانونية حتى لا تضطر العائلات إلى المخاطرة بحياتها بحثاً عن الأمان.
لأنه لا ينبغي لأي عائلة أن تُجبر على الاختيار بين الحرب أو الفقدان أو الخطر… فقط لحماية أطفالها.