بقلم: أحمد عباس
زادت حرب الإبادة في غزة الاهتمام بموضوع الاستعمار الاستيطاني. من جهة النظر إلى التاريخ والحالات المشابهة وكيف تطورت ثم انتهت بهدف محاولة التأثير على الوضع في غزة. ومن جهة أخرى للنقاش والتعريف، فكثيرًا ما ينفي مؤيدي الصهيونية وصف الاستعمار الاستيطاني عن الوضع في غزة لتجنب الوصم الذي تحول بدرجة إلى تهمة. في الحالة الأخرى يهدف الاهتمام بالتعريف إلى التحريض السياسي للتحرك ضد مفهوم مرتبط بالوصم.
يحاول المقال أن يستكشف تعريفًا واضحُا لمفهوم للاستعمار الاستيطاني ثم أن يطبقه على حالة الإبادة في غزة. وللقيام بهذه المهمة يدمج المقال محتوى نصين: الأول ورقة أكاديمية بعنوان “الاستعمار الاستيطاني وإزالة السكان الأصليين” من كتابة باتريك وولف. والثاني محاضرة للينا أوبرماير عن منطق الإزالة في حالة “الخط الأصفر” في غزة.
يقدم وولف في تعريفه عدة خصائص رئيسية: العلاقة بين الاستعمار والحداثة، وأنماط التدمير والإنشاء، ومنطق الإزالة، وإنتاج العِرق بوصفه أداةً للتجريد من الملكية. ويتتبّع كيف شكّلت هذه الديناميات الصهيونية ولا تزال تعمل في فلسطين. بينما تصل محاضرة أوبرمايرالتحليل بالحاضر. وتتناول كيف يعمل منطق الإزالة اليوم: من خلال الهندسة الجغرافية لـ«الخط الأصفر» في غزة، ومن خلال المخططات الاقتصادية الكبرى التي تحوّل التهجير إلى استثمار، ومن خلال استهداف الأجساد — الإعاقة، والإنهاك، وتدمير البنية الطبية والاجتماعية التي يحتاجها شعبٌ ما للبقاء.
تعريف الاستعمار الاستيطاني
باتريك وولف (1949–2016) مؤرخ أسترالي وأحد المؤسسين لحقل دراسات الاستعمار الاستيطاني. قضى معظم مسيرته الأكاديمية في جامعة لا تروب في ملبورن. كان عمله مقارنًا منذ البداية — كتب عن أستراليا وأمريكا الشمالية وفلسطين، باحثًا دائمًا عن الأنماط البنيوية التي تربط سياقات استعمارية استيطانية مختلفة بدلًا من معالجة كل حالة على حدة.
أكثر نصوصه تأثيرًا هو «الاستعمار الاستيطاني وإزالة السكان الأصليين»، نُشر في مجلة Journal of Genocide Research عام 2006. حجته المركزية أن الاستعمار الاستيطاني ليس حقبة تاريخية بل بنية مستمرة — تعمل من خلال الإزالة المنهجية لوجود السكان الأصليين بهدف تأمين الأرض. حداثة الاستعمار
يتحدى وولف مفهومًا خاطئًا واسع الانتشار — فكرة أن الثورة الصناعية كانت ظاهرة «حضرية» بحتة، شيئًا جرى في عزلة داخل المركز الأوروبي. لم تنشأ الحداثة في مصانع لندن أو برلين وحدها. احتاجت إلى أرض استعمارية وعمالة استعمارية لإنتاج المواد الخام. وفي الوقت نفسه، احتاجت إلى مصانع المركز وبروليتاريا صناعية لتصنيعها.
«إن السكان الأصليين المنزوعي الملكية، والأفارقة الأمريكيين المُستعبَدين، والآسيويين المُستعبَدين بعقود، هم حديثون تمامًا مثل عامل المصنع أو البيروقراطي أو المتسكّع في المركز الحضري. كون العبد مقيّدًا بالسلاسل لا يجعله قروسطيًا.»
أن يرقد إنسان في سلاسل العبودية لا يجعله «قروسطيًا». إنه مكوّن مركزي في الآلة الصناعية الحديثة. ومن الخطأ اعتبار الاستعمار «ما قبل حداثي». بل العكس: كان الاستعمار الاستيطاني تأسيسيًا للحداثة.
حرّكت هذا قوى السوق الدولية. ربطت، على سبيل المثال، الصوف الأسترالي بمصانع يوركشاير. وهذا بدوره ارتبط بالقطن المُنتَج في ظروف استعمارية متنوعة في الهند ومصر وولايات الجنوب الأمريكي المُستعبِدة. لذا إذا ما ضمننا هذه الخاصية في تعريف الاستعمار الاستيطاني نستبعد أنه شيء من الماضي من طريقة تنظيم المجتمع كانت ما قبل حداثية وانتهت. ويضعها في سياق أنها مشكلة ما زلنا علينا أن نواجهها، وأن تكون هذه المواجهة مربوطة بالتنظيم الحداثي للمجتمع.
التدمير والإنشاء
لا يدمر الاستعمار الاستيطاني عشوائيًا بل عمدًا، من أجل الإحلال. تقسيم مناطق النفوذ هو عنصره المحدَّد الذي لا يُختزَل. الفرق الجوهري عن الاستعمار الامتيازي أن هذا الأخير يستهدف بالدرجة الأولى استغلال العمالة والموارد، بينما يستهدف الاستعمار الاستيطاني الأرض جوهريًا: الاستيلاء الدائم، والاستيطان، والإحلال.
«الأرض هي الحياة — أو على الأقل، الأرض ضرورية للحياة. لذا فإن الصراعات على الأرض يمكن أن تكون — بل كثيرًا ما تكون — صراعات على الحياة.»
يحتاج الاستعمار الاستيطاني دائمًا إلى المزيد من الأرض، لكن هذه الحاجة تبقى مجردة ما لم تكن هناك وسيلة تُترجمها إلى فعل. الزراعة هي هذه الوسيلة. فكل مزرعة جديدة تعني أرضًا مُصادَرة، وكل توسع زراعي يعني تقليصًا لأراضي السكان الأصليين. وهكذا تتحول الزراعة من مجرد نشاط لإنتاج الغذاء إلى أداة إنشائية لإزاحة الشعوب الأصلية وتدمير أنماط حياتها. لا تلعب الزراعة دورًا اقتصاديًا مركزيًا فحسب. إنها أيضًا رمز قوي للهوية الاستعمارية الاستيطانية. من خلال الارتباط الحيوي بالتربة، تمثّل الزراعة الديمومة: «جئتُ لأبقى». وفي الوقت نفسه، من خلال توسعها الحثيث، تلتهم الزراعة تدريجيًا الأراضي الأصلية. كأحد أشكال التراكم البدائي يستولى على الموارد لتأسيس اقتصاد جديد. تصبح النباتات والحيوانات المحلية موردًا متناقصًا. وتُدمَّر أنماط الإنتاج الأصلية.
يصف وولف الاستعمار الاستيطاني بوصفه تفاعل بُعدين يعملان في آن واحد:
البُعد التدميري: تفكيك المجتمعات الأصلية.
البُعد الإنشائي: بناء مجتمع استعماري جديد على أرض منزوعة الملكية.
يطرح وولف الفكرة القائلة بأن:
«المستعمرون الاستيطانيون يأتون ليبقوا: الغزو بنية لا حدث.»
في بُعدها الإنشائي تصبح الإزالة المبدأ المنظِّم للمجتمع الاستعماري الاستيطاني وليست واقعة لمرة واحدة تكتمل في لحظة ما ثم تُنسى. إما أن يُجبَر السكان الأصليون على الاعتماد على الاقتصاد الاستيطاني، أو يتعرضون عبر نزع الملكية وتقييد الحركة وسحب مقومات العيش لضغط يجعل المقاومة حتمية — من الرفض اليومي إلى المواجهة المفتوحة.
ثم تُؤطَّر هذه المقاومة في كثير من الأحيان بوصفها «مشكلة أمنية». وهذا يُستخدم ذريعةً كلاسيكية لتبرير القمع والعقاب الجماعي والعنف المتصاعد باعتبارها إجراءات ضرورية ظاهريًا. لكن القوة الدافعة الكامنة تبقى الإحلال الإقليمي. والعنف ليس سوى واحدة من عدة وسائل للإزالة.
منطق الإزالة
«الاستعمار الاستيطاني إزالي بطبيعته لكنه ليس إبادي بالضرورة دائمًا.»
«الإزالة» بمعنى وولف تعني أكثر من التصفية الجماعية للسكان الأصليين، وإن كانت تشملها. إنها تشير إلى ذخيرة من الممارسات التي تهدف إلى إزالة الوجود الأصلي بوصفه حقيقة سياسية وإقليمية. ولأن الاستعمار الاستيطاني تشكيلة اجتماعية معقدة وعملية مستمرة في آن واحد، فلا بد من فهمه بوصفه بنية لا حدثًا آنيًا.
هذه الممارسات تتحول عبر الحقب التاريخية، لكن اتجاهها المشترك هو إزالة الوجود الأصلي بوصفه حقيقة سياسية وإقليمية. تشمل الإزالة ممارسات المجازر والطرد المسلح؛ والجدران ونقاط التفتيش وأنظمة التصاريح؛ زالسجن الجماعي والاعتقال الإداري؛ والفصل والتصنيف العرقي؛ والاستيعاب القسري عبر المدارس الداخلية وتفكيك الأراضي المشاعية؛ وتدمير البنية التحتية بحيث تصبح الحياة على الأرض غير قابلة لإعادة الإنتاج.
لا يمكن اختزال هذا المنطق في العنف الملحوظ. فهو يعمل أيضًا من خلال ممارسات طويلة الأمد أقل ظهورًا تُخفي السكان الأصليين بوصفهم فاعلًا جماعيًا — سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا. الاستيعاب مثلًا لا يستهدف بالضرورة تدمير الأجساد، بل تفكيك الانتماء والاستمرارية واللغة وإعادة الإنتاج الاجتماعي والحق في الوجود كشعب متمايز على أرضه. مثال آخر هو تخطيط الأراضي ووسائل النقل بحيث تحدد الحركة، وتُجزّئ المساحات وتتحكم إداريًا في الوصول إلى قطع الأرض وأماكن العمل ومتطلبات الحياة. قد يستمر الوجود الأصلي جسديًا، لكن قابليته للحياة الجماعية تُضعَف بشكل منهجي.
من هذا المنظور، كما قالت ديبورا بيرد روز:
«كل ما يحتاجه السكان الأصليون ليقفوا في طريق الاستعمار الاستيطاني هو أن يبقوا في بيوتهم.»
ولهذا بالتحديد تُخاض المعارك بهذه الشراسة حول الفئات والحقوق وأشكال الانتماء: لأنها تحدد بقاء مَن يُعدّ حضورًا مشروعًا.
تشكيل العِرق
«لا يمكننا ببساطة أن نقول إن الاستعمار الاستيطاني أو الإبادة الجماعية استهدفا أعراقًا بعينها، لأن العِرق لا يمكن اعتباره معطى مسبقًا. إنه يُصنَع في فعل الاستهداف ذاته.»
بالنسبة لوولف، الدافع الأساسي للإزالة ليس العِرق أو الدين أو الانتماء الإثني. ما يهم هو الوصول إلى الأرض والقدرة على احتلالها واستغلالها بشكل دائم. مع ذلك، تلعب العرقنة دورًا مركزيًا. فهي تعمل بوصفها قواعد تصنيف وتبرير تجعل نزع الملكية والسيطرة والعنف قابلة للإدارة والتواصل السياسي، أكثر من كونها «سببًا بذاته».
يستخدم الإبادة الجماعية والاستعمار الاستيطاني قواعد تنظيمية للعِرق لإعادة إنتاج اللامساواة. وفي الولايات المتحدة، عُرقِن السود والسكان الأصليون بطريقتين متعاكستين.
بالنسبة للسود، كانت العمالة مركزية. عُرقِن السود بوصفهم عبيدًا؛ ونظام العبودية هو الذي شكّل «سوادهم». أنتجت العبودية تصنيفًا شموليًا. قاعدة «النقطة الواحدة» من الدم كانت تعني أن أي أصل أفريقي يجعل الشخص أسود. ولأن تكاثرهم زاد ثروة المالكين، صُمّم النظام لإدراج أكبر عدد ممكن في فئة العبيد.
بالنسبة للسكان الأصليين، كانت الأرض مركزية. بما أن الشعوب الأصلية عرقلت وصول المستوطنين إلى الأرض، كانت زيادة عددهم مشكلة من منظور النظام. لذا استُخدم الانحدار غير الأصلي لتقويض الأصلانية عبر لوائح «حصص الدم» — منطق معاكس تمامًا: منطق للإقصاء وليس لللشمول. التصنيفات العرقية التقييدية أداة إضافية لدفع منطق الإزالة، لأنها تُضيّق دائرة من يحق لهم قانونيًا المطالبة بالأرض.
من هذا التناقض ينبثق نظام بسيط: يجب أن يكون المستوطن في النهاية هو الوحيد الذي يُعتبر المالك «الشرعي» للأرض. يُعامَل السكان الأصليون عبر نزع الملكية والإقصاء كما لو لم يعد لديهم أي حق في الأرض؛ والسود المُستعبَدون يُبقَون في الوقت ذاته داخل النظام بوصفهم عمالة تابعة قابلة للتوريث.
يستطيع المستوطن بذلك تقديم الأرض على أنها «خالية» بينما يدّعي في الوقت نفسه أنه «طوّرها» — بعمالة أدّاها المُستعبَدون فعليًا.
حتى وإن اختلفت أشكال العرقنة المحددة بحسب السياق وتغيرت تاريخيًا، يبقى الجوهر واحدًا: الاستعمار الاستيطاني ينتج «نحن» جماعية جديدة من خلال إقصاء السكان الأصليين. هذا المنطق أساسي لشخصية «اليهودي الجديد» في المشروع الصهيوني.
إنتاج «اليهودي الجديد» كبداية للصهيونية
«اليهودي الجديد» موضوع دائم في الصهيونية يجسّد مباشرةً ما يسميه وولف منطق الإزالة. في مذكراته، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي اللاحق مناحيم بيغن كيف وُلد «نموذج بشري جديد»:
«من الدم والنار والدموع والرماد وُلد نموذج بشري جديد، نموذج لم يعرفه العالم لأكثر من ثمانية عشر قرنًا: ‘اليهودي المقاتل’.»
بالنسبة لوولف، لم يكن هذا مجرد تحوّل ثقافي بل متطلبًا بنيويًا للاستعمار الاستيطاني. لخلق هذه الهوية الجديدة، كان على المستوطن أن يُحلّ محل السكان الأصليين. في أوروبا، كانت الصورة الذاتية اليهودية غالبًا دفاعية ومُشكَّلة بالصور النمطية المعادية للسامية عن اليهودي «الضعيف» أو «بلا جذور» في الشتات. في فلسطين، حوّل منطق الإزالة تلك الصورة إلى هوية ذكورية عدوانية وزراعية متجذرة في الأرض.
ضمن هذا التحوّل، عُرقِن السكان الأصليون عمدًا بوصفهم «رُحَّلًا» لتبرير الطرد. عرّف المستوطن الفلسطيني بأنه «بدوي رحّال»، حتى حين كان فلاحًا مستقرًا. اتهام الترحال هذا تكتيك مركزي ضمن منطق الإزالة: إذا حُكم على شعب بأنه يتنقل، فلا حقوق دائمة له في الأرض. حيث لم يكن السكان الأصليون رُحَّلًا بالفعل، جعل المستوطن هذا نبوءة تحقق ذاتها. باقتلاع أشجار الزيتون وحرق المحاصيل، دمّر المستوطن رموز الديمومة. كان القصد من هذا العنف تحويل السكان الأصليين إلى «رُحَّل» يمكن تهجيرهم بسهولة أكبر لإفساح المجال لـ«اليهودي الجديد».
قاد هذا المنطق أيضًا «احتلال العمل». على خلاف الأنظمة الاستعمارية الأخرى التي استغلت العمالة المحلية الرخيصة، أعطى المشروع الصهيوني الأولوية للإقصاء الكامل للسكان الأصليين من الاقتصاد. يرى وولف أن العملية التدميرية لإقصاء مالكي فلسطين الأصليين وفّرت القوة البنائية التي بنت الأمة اليهودية. أنتجت هذه العملية منطقة goyim-rein (خالية من الأغيار) وأسست مؤسسات مركزية كالكيبوتسات والهستدروت. عرّف «اليهودي الجديد» نفسه إذن من خلال عمله على أرض أُزيل منها السكان الأصليون.
يعمل منطق الإزالة أيضًا عبر المحو القانوني والثقافي. يُلزم قانون العودة الدولة بسياسة هجرة إثنية حصرية تمنع بنيويًا استيعاب السكان الأصليين غير اليهود. يشير وولف إلى أن الاستيعاب ليس هدفًا ثابتًا للاستعمار الاستيطاني؛ بل هو واحدة من عدة استراتيجيات لإخفاء السكان الأصليين بوصفهم حقيقة سياسية وإقليمية. وبالمثل، خدم رفض اليديشية لصالح العبرية في «اقتلاع» الهوية الجديدة من الشتات الأوروبي مع المطالبة في الوقت نفسه بالماضي القديم للأرض، متجاوزًا الوجود الأصلاني الحديث. في نهاية المطاف، يسعى هذا المنطق إلى إعادة تشكيل المشهد الطبيعي ذاته.
«كان لا بد من إفراغ يافا من ماضيها العربي وسكانها العرب حتى يتمكن المعماريون من إعادة تصوّر المنطقة بوصفها ‘مدينة شرق أوسطية نموذجية’.»
بالنسبة لوولف، تاريخ يافا والنكبة ليسا حدثين معزولين؛ إنهما يُظهران أن الغزو بنية لا حدث. يستمر منطق الإزالة اليوم عبر تجزئة الضفة الغربية وهدم المنازل وحصار قطاع غزة. هذه ليست تطورات جديدة بل التطور المستمر لمشروع يهدف إلى تعزيز السيطرة على الأرض من خلال إزالة الوجود الأصلي.
«الخط الأصفر» في غزة
ينطبق مفهوم الإزالة على ما يُسمى «الخط الأصفر» في قطاع غزة. والذي صُمّم أصلًا في خطة ترامب Peace to Prosperity بوصفه علامة تخيلية تفصل تدريجيًا القوات الإسرائيلية عن المناطق الفلسطينية وتُهيكل انسحابًا، لكنه تحوّل إلى شيء مختلف تمامًا: أداة تقسيم فعلي. تستخدم إسرائيل هذه الحدود المتحركة لجعل الأرض غير قابلة للوصول والاستعادة كأمر واقع.
ما بدأ كعلامة مؤقتة وتخيلية من المرحلة الأولى لخطة ترامب لغزة يعمل الآن كخطَّ تقسيم فعلي: يشطر قطاع غزة إلى غزة الغربية (42 بالمئة من الجيب؛ خيث لا تزال حماس تمارس السيطرة؛ وحيث أكثر من مليوني شخص يعيشون في أضيق الظروف) وغزة الشرقية (58 بالمئة من الأرض؛ مُفرَّغة من المدنيين؛ تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي وأربع ميليشيات وكيلة)، فيما تواصل القوات الإسرائيلية توسيع الانقسام بالسواتر الترابية والتحصينات والحواجز — ما يوحي بالديمومة.
نظرة على صور جوية تاريخية من ستينيات القرن العشرين تكشف تفصيلًا لافتًا: يمتد الخط الأصفر بشكل شبه مطابق لحدود الكثبان الساحلية. حين يُدفَع الفلسطينيون غربًا، يُدفَعون إلى كثبان رملية — فاقدين الوصول إلى الأراضي الزراعية الخصبة التي كانت يومًا سلة غذاء قطاع غزة.
المخطط الاقتصادي الكبير
إلى جانب تحييد الأراضي الزراعية ومع فشل مخطط تهجير سكان غزة كليًا لجأ الاحتلال الإسرائيلي إلى الاستثمار العقاري للتحكم في البيئة المبنية. مثال راهن هو «المخطط الرئيسي لغزة» الذي قدّمه جاريد كوشنر في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس: أبراج سكنية، مراكز بيانات، منتجعات شاطئية، مناطق صناعية. أُعدّ دون أي استشارة للسكان الفلسطينيين. حقوق الملكية القائمة، أسئلة الدولة السياسية — غائبة. الأرض تتحول إلى رأسمال؛ والعوائد تتدفق عبر العقارات والسياحة.
بنى لا أحداث
ماذا يحدث لأجساد المتضررين من الاستعمار الاستيطاني؟ تحاجج الباحثة لينا حجة أوبرماير بأن الإصابات والإعاقة (الإنهاك) ليست آثارًا جانبية عرضية كحادث سيارة. إنها بل أدوات. ما يحرّك هذه العملية هو ما تسميه الأدبيات منطق الإزالة. هدفه دائمًا واحد: الوصول إلى الأرض.
تأطير هذه الديناميات بوصفها استعمارًا استيطانيًا ليس حكمًا أخلاقيًا. إنه أداة تحليلية. يسمح بفهم الصراع بوصفه مسألة جوهرية تتعلق بالأرض والسكان والبنية السياسية — لا بوصفه سلسلة تصعيدات منفردة. ينتقل المنظور نحو الأنماط طويلة الأمد. تصبح التطورات أكثر قابلية للتنبؤ. ويُفسّر لماذا تفشل «الحلول» الدبلوماسية البحتة في كثير من الأحيان: لأنها تتجاهل أن الأرض تُعاد تنظيمها باستمرار وأن وقائع لا رجعة فيها تُصنع على الأرض — خاصة أثناء المفاوضات. في نهاية المطاف، يضع هذا الإطار فلسطين ضمن تاريخ عالمي للمجتمعات الاستيطانية.
وربما لا يقوي من حجج وولف مثل توقع له من عام 2006 حيث يقول:
«مع ذلك، فبينما يصبح الفلسطينيون قابلين للاستغناء عنهم أكثر فأكثر، يتحول قطاع غزة والضفة الغربية إلى ما يشبه البانتوستانات أقل فأقل، وإلى ما يشبه المحميات (أو غيتو وارسو) أكثر فأكثر. الحدود المسامية لا تقدّم مخرجًا.»




