بقلم: هشام فؤاد
بينما يحتفل العمال والقوى الاشتراكية والنقابية في العالم بعيد العمال العالمي عبر مظاهرات حاشدة تجدد العزم على مواصلة النضال، نحاول في هذا المقال تقديم قراءة أولية لمواطن القوة والضعف وحدود التغيير في بنية الطبقة العاملة، ومراكز الاحتجاج والتحديات التي تواجهها، بهدف فتح نقاش بين المهتمين بالتغيير الاجتماعي الجذري.
تمتلك مصر أكبر طبقة عاملة في المنطقة العربية، يعود تاريخ تشكّلها إلى نهاية القرن التاسع عشر. وقد خاضت هذه الطبقة معارك كبرى من أجل التحرر الوطني والعدل الاجتماعي والحرية، كان آخرها دورها الحاسم في انتفاضة 25 يناير 2011.
تشير بيانات أبحاث القوى العاملة في مصر إلى أن إجمالي عدد المشتغلين بلغ 29.928 مليون عامل في عام 2024، منهم 21.748 مليون يعملون بأجر. وفي المقابل، بلغ عدد أصحاب الأعمال 1.032 مليون، بينما يعمل 5.858 مليون لحسابهم الخاص، ويبلغ عدد العاملين لدى الأسرة أو الغير بدون أجر نحو 1.290 مليون.
وكانت سياسات الليبرالية المتوحشة، من خصخصة وتصفية ووقف للتعيينات والتوسع في المعاش المبكر، قد أحدثت تحولات عميقة في بنية الطبقة العاملة، وأعادت توزيع مراكز الثقل داخلها. فتراجعت مواقع تقليدية مثل شبرا الخيمة وحلوان، لصالح مدن صناعية جديدة كالعاشر من رمضان والعبور وغيرها.
وعلى المستوى الكمي، تراجع عدد العاملين في الجهاز الحكومي من 5.88 مليون في 2014/2015 إلى 4.4 مليون في 2023/2024، كما انخفض عدد العاملين في قطاع الأعمال العام من 879 ألفًا في 2014 إلى 705 آلاف في 2023/2024. وبذلك يبلغ إجمالي العاملين في القطاعين الحكومي والعام نحو 5 ملايين و139 ألف موظف وعامل.
وزادت أعداد العاملين في القطاع الخاص ليشكلوا الأغلبية الكاسحة من العاملين بأجر، بنحو 14 مليون عامل، يعمل نصفهم تقريبًا في القطاع غير المنظم.
وتعكس هذه المؤشرات الإحصائية حجم تكثيف الاستغلال الذي يتعرض له العاملون بأجر، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن نسبة المشتركين في التأمينات الاجتماعية تبلغ 96.1% في القطاع الحكومي، مقابل 31.9% فقط في القطاع الخاص (داخل المنشآت) خلال عام 2024، في وقت يعيش فيه نحو 12 مليون مصري من أصحاب المعاشات على دخول هزيلة، حيث لا يتجاوز الحد الأدنى للمعاش 1750 جنيهًا.
كما يتضح من توزيع العمالة أن قطاع البناء والأخشاب يستوعب العدد الأكبر من العاملين بنحو 3.4 مليون عامل، يليه قطاع الصناعات التحويلية بنحو 3 ملايين، ثم الزراعة وصيد الأسماك واستغلال الغابات بنحو 2.7 مليون، ثم تجارة الجملة والتجزئة بنحو 2.2 مليون، إلى جانب 2.1 مليون في أنشطة التعليب، و943.4 ألف في قطاع الصحة والعمل الاجتماعي.
وأوضح الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أن 97% من المنشآت في مصر يعمل بها أقل من 50 عاملاً، بينما يعمل 32% منها بأقل من 5 عمال. كما يُصنَّف عمال مصر وفقًا لأقسام المهن الرئيسية، حيث يعمل 3.2 مليون في الخدمات ومحلات البيع، و2.6 مليون في الزراعة والصيد، ومثلهم في تشغيل المصانع والماكينات، إلى جانب 4.4 مليون حرفي و1.1 مليون في مهن عادية.
وخلال السنوات الماضية، تزايدت أعداد العمالة غير المنتظمة بشكل ملحوظ، تحت وطأة تدهور الأوضاع المعيشية.
ويظل تعريف الاقتصاد غير الرسمي محل خلاف؛ إذ تشمل بعض التعريفات الأنشطة غير الخاضعة للضرائب، بينما تركز أخرى، وهو التعريف الذي نعتمده هنا، على علاقات العمل غير الرسمية، بما يشمل العمال بلا عقود أو تأمينات اجتماعية.
وتشير منظمة العمل الدولية، في تقريرها السنوي لعام 2025، إلى أن أكثر من 67% من عمال مصر يعملون في الاقتصاد غير المنتظم، الذي يهيمن بشكل خاص على قطاعات الزراعة والتجارة والصناعة، خاصة الغزل والنسيج والملابس، كما يشكّل نحو 53% من إجمالي المنشآت وفقًا لآخر مسح اقتصادي وطني.
وعلى الرغم من ارتفاع صادرات الملابس الجاهزة بنسبة 22٪ خلال عام 2025، لتسجل نحو 3.4 مليار دولار مقابل 2.8 مليار دولار في 2024، ومساهمة القطاع بنسبة 3٪ من الناتج المحلي و70٪ من الإنتاج الصناعي، وفقًا لمركز معلومات مجلس الوزراء، فإن معظم العمالة في هذا القطاع تظل بلا عقود أو تأمينات اجتماعية.
ويعمل هؤلاء في ورش صغيرة داخل الأحياء الفقيرة والقرى، هربًا من اللوائح والرسوم المفروضة في المدن الصناعية الجديدة مثل العبور و6 أكتوبر والعاشر من رمضان. كما يعمل كثيرون بنظام القطعة أو بشكل موسمي، محرومين من أي حقوق أو مزايا اجتماعية.
ويعكس ذلك نموذجًا اقتصاديًا قائمًا على العمالة الرخيصة والمجزأة، يهدف إلى خفض التكاليف وضمان استقرار التدفقات المالية لكل من الدولة والمستثمرين الأجانب.
قراءة في المقاومة الاجتماعية
تشق الحركة الاجتماعية طريقها، ويتصاعد النضال الطبقي ببطء، مدفوعًا بسياسات حكومية تعمّق اللامساواة وتنحاز بشكل صارخ للرأسماليين. فقد كشفت وثيقة حكومية غير منشورة هذا العام أن نصيب الأجور تقلّص من 40% في الثمانينات إلى 22% من الناتج الإجمالي المحلي، بينما تستحوذ الشركات على 78% من الدخل. وهو ما يعكس اختلالًا متزايدًا في العلاقة بين رأس المال والعمل، يضعف موقع العمال ويعزز هيمنة رأس المال.
وتشير أحدث البيانات الرسمية إلى ارتفاع نسبة الفقراء من 25.2% في نتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك 2010–2011 إلى نحو 30% في 2020، مع تقديرات تشير إلى وصولها إلى حوالي 35.7% من السكان في 2023.
هذا التدهور الحاد في أوضاع الكادحين، بالتوازي مع ما بدا من انفراجة سياسية محدودة وإبرام اتفاق جديد مع صندوق النقد، والذي روّجت له الحكومة باعتباره دليلًا على قوة الاقتصاد، ساهم في عودة المقاومة الاجتماعية، رغم القمع الشديد وسياسات الفصل والاعتقال وغياب الغطاء السياسي والنقابي.
لغة الأرقام توضح الصورة بجلاء: ففي عام 2023 شهدت مصر نحو 81 احتجاجًا، ارتفعت إلى 170 احتجاجًا في 2024، قبل أن تصل إلى 222 خلال العام الماضي، بحسب تقرير “الاشتراكيين الثوريين” عن الاحتجاجات الاجتماعية.
واللافت أن نحو 95% من الاحتجاجات تركز على تطبيق الحد الأدنى للأجر وحق التعيين، وهو ما يشكل تحديًا مباشرًا لسياسات صندوق النقد التي تدفع نحو تكريس العمل المؤقت تحت مسمى “مرونة العمل”، أي نموذج رأسمالي متحرر من أي التزامات تجاه حقوق العاملين.
وتشير البيانات المتداولة عن الشهور الثلاثة الأولى من العام الجاري إلى تصاعد النضالات الاجتماعية دفاعًا عن لقمة العيش، مقارنة بالعام الماضي.
كما تكشف الملامح العامة لهذه الاحتجاجات عن اتجاه تصاعدي واضح، سواء من حيث العدد أو الانتشار الجغرافي، مع امتدادها إلى قطاعات جديدة. ويُلاحظ كذلك تشكّل شبكات تنظيمية بين العمال عبر فروع ومحافظات مختلفة، إلى جانب بروز أشكال احتجاجية طويلة النفس. وقد شكّل العمال النسبة الأكبر من المشاركين بنحو 45%، تلاهم المهنيون بنسبة 28%، ثم الأهالي بنسبة 27%.
وتصدّرت الوقفات الاحتجاجية المشهد، تلاها الإضراب عن العمل، ثم الشكاوى الجماعية، فالتقاضي والاعتصام.
واللافت، كما يوضح التقرير، أن عمال الخدمات والمرافق تصدّروا الاحتجاجات بـ68 احتجاجًا، يليهم كل من العاملين في صناعة الغزل والنسيج والملابس، والعاملين في الطباعة والإعلام والنشر بـ13 احتجاجًا لكل منهما، ثم البناء والأخشاب والصناعات الغذائية بـ6 احتجاجات، تليها صناعة الكيماويات بالعدد نفسه.
ورغم التوسع الكبير في أعداد العاملين بالقطاع الخاص، فإن احتجاجاتهم خلال العام الماضي لم تتجاوز 38% من إجمالي الاحتجاجات، مقابل 62% للعاملين في القطاعات التابعة للدولة (الحكومي والعام وقطاع الأعمال العام). ويمكن تفسير ذلك بإطلاق يد رجال الأعمال في فصل وتشريد المحتجين، بل وتقديم بلاغات ضد قياداتهم، ما يفضي سريعًا إلى القبض عليهم.
وجغرافيًا، تصدّرت القاهرة عدد الاحتجاجات، تلتها الجيزة ثم الإسكندرية فالشرقية، وصولًا إلى أسوان، في مؤشر لافت على امتداد الحركة الاحتجاجية إلى عمق الصعيد، بما يعكس اتساع نطاق الغضب الاجتماعي.
وقليل من هذه الاحتجاجات نجح في تحقيق مطالبه، كليًا أو جزئيًا، مثل احتجاج صحفيي جريدة الوفد الذي انتهى بتطبيق الحد الأدنى للأجور، واحتجاج عمال سيراميكا إينوفا الذين انتزعوا صرف جزء من أجورهم المتأخرة بعد الإضراب، وكذلك عمال “لينين جروب” الذين فرضوا عددًا من مطالبهم في سياق غضب واسع أعقب وفاة الرضيعة “سيليا”، ومحاولة إدارة الشركة احتواء الموقف قبل تصاعده.
لكن أغلب هذه الاحتجاجات اتسمت بالطابع الدفاعي، ولم تحقق مكاسب تُذكر، بل دفعت في بعض الأحيان أثمانًا باهظة، أبرزها الفصل التعسفي.
وفي صفوف المهنيين، الذين ينزلقون تدريجيًا إلى مواقع الطبقة العاملة، تصدّر المحامون المشهد احتجاجًا على زيادة رسوم التقاضي تحت مسمى “رسوم الخدمات المميكنة”. ونظموا وقفات احتجاجية، وأضربوا عن العمل وحضور الجلسات، مطالبين بإسقاط هذه الرسوم التي اعتبروها شكلًا من أشكال تسليع العدالة.
وفي نقابة المهندسين، عكست هزيمة مرشح السلطة، ومرشح حزب مستقبل وطن، الوزير السابق والنقيب الأسبق هاني ضاحي، في انتخابات منصب النقيب الشهر الماضي، حالة الغضب المتنامية وسط قطاعات من المهنيين، الرافضة لإعادة إنتاج الرموز المحسوبة على السلطة، كما حدث سابقًا في نقابة الصحفيين.
ويمتد هذا الحراك إلى خريجي الكليات الطبية، الذين بدأوا يواجهون سياسات التقشف، ويدفعون أثمانًا لم تكن مألوفة سابقًا خارج الحركة العمالية.
فقد شهدت الأشهر الماضية القبض على ثلاثة أطباء من خريجي دفعة 2023 (طبيبا أسنان وصيدلي)، على خلفية تنظيم حملة إلكترونية، ورفع دعاوى قضائية، وتقديم طلبات إحاطة برلمانية، احتجاجًا على قرار وزارة الصحة المفاجئ بتطبيق نظام التكليف وفق الاحتياجات، بدءًا من دفعة 2023، بدلًا من النظام القائم منذ عام 1974، الذي كان يضمن تكليف جميع الخريجين.
نضال الأطباء يتجاوز حدود المطلب الاقتصادي المباشر، ليصطدم بجوهر سياسات الليبرالية المتوحشة الساعية إلى تقليص أعداد العاملين في الجهاز الحكومي.
ودفاعًا عن حق التنظيم، أطلق الدكتور المعلم محمد زهران حملة لجمع تفويضات تخوّله إدارة نقابة المعلمين، في مواجهة تعنت خلف الزناتي، نقيب المعلمين المقرّب من الحكومة، وعرقلته تنفيذ حكم قضائي يدعو إلى إجراء انتخابات في النقابة، التي تديرها لجنة إدارية منذ عام 2014.
وبعيدًا عن مواقع العمل، يخوض الكادحون نضالات موازية في مناطقهم السكنية ضد الإخلاء القسري، من طوسون في الإسكندرية، مرورًا بجزيرة الوراق في الجيزة، وصولًا إلى طبطباي (المنيل القديم) في حي المنيل بالقاهرة. ويترافق ذلك مع امتناع الغالبية الساحقة من مستأجري الإيجار القديم، البالغ عددهم 1.5 مليون مستأجر، عن التقديم على المنصة الحكومية للحصول على بدائل سكنية، إذ لم يتقدم سوى 70 ألفًا، رغم تمديد فترة التقديم أكثر من مرة، إلى جانب آلاف الدعاوى القضائية ضد قرارات رفع الأجرة، وصولًا إلى الطعن على القانون أمام المحكمة الدستورية.
ويمثل نضال السكان في الإسكندرية والجيزة والقاهرة ضد الطرد صرخة في مواجهة سياسات الإحلال الطبقي، التي تستهدف إقصاء الفقراء من المدن المتميزة لصالح الشركات العقارية الكبرى.
ورغم الصعود البطيء في الصراع الطبقي، لا تزال هناك تحديات تعرقل هذا النهوض، ما يفرض التعامل معها بجدية.
الفرص والتحديات
التزمت الحكومة مجددًا أمام المؤسسات الدولية بالمضي قدمًا في سياسات الخصخصة، وتعويم العملة، ورفع أسعار الطاقة، سعيًا للحصول على مزيد من القروض، وهي سياسات ستضغط بقوة على معيشة العاملين بأجر.
وأعادت الحكومة إنتاج سيناريو العامين الماضيين في التعامل مع موجة الغلاء المتصاعدة، عبر رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين لديها إلى 8 آلاف جنيه، بنسبة زيادة 14.3٪، في خطوة لا تزال عاجزة عن ملاحقة معدلات التضخم أو الحد من الفقر بين العاملين بأجر، خاصة في ظل العجز الواضح في مد مظلة الحد الأدنى إلى القطاع الخاص والاقتصاد غير الرسمي.
ورغم هذه المحدودية، فإن إقرار حد أدنى جديد للأجور يضع الحركة العمالية، بمختلف قطاعاتها، أمام هدف واضح وقابل للنضال قانونيًا.
واللافت أن شهر نوفمبر الماضي شهد الذروة في الاحتجاجات العمالية خلال العام، بالتزامن مع الانتخابات البرلمانية التي كشفت انقسامات داخل الأجهزة السيادية، وبعد شهرين فقط من دخول قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025 حيّز التنفيذ، والذي ألزم أصحاب الأعمال بتطبيق الحد الأدنى للأجور.
وقد يزيد من سخونة الصراع الاجتماعي أن الزيادة الأخيرة بالكاد تعوض تآكل أجور العام الماضي، خاصة مع توقع ارتفاع ملموس في معدلات التضخم خلال الأشهر الأربعة المقبلة، بفعل رفع أسعار الطاقة الذي تم خلال شهر رمضان، وتراجع قيمة الجنيه أمام الدولار، واستمرار الضغوط عليه نتيجة تخارج الأجانب من الدين العام في ظل تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة، إلى جانب رفع أسعار الكهرباء للاستخدام التجاري والشريحة المنزلية العليا.
ويعني ذلك، كما يشير تقرير حديث للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن القيمة الحقيقية للحد الأدنى للأجور بدأت بالفعل في التآكل دون أي حماية، منذ الآن وحتى موعد الزيادة المقبلة. بل إن قيمته الحالية عند 8 آلاف جنيه تقل بنحو 960 جنيهًا عن حد الفقر الشهري للأسرة، إذا ما احتُسبت بالقيمة الحقيقية مع الأخذ في الاعتبار التضخم التراكمي منذ يناير 2020، وهو آخر عام تم فيه احتساب خط الفقر رسميًا عبر بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك، الذي توقف صدوره منذ ذلك الحين.
وعلى خلاف العام الماضي، سيواجه العمال هذا العام “خطاب الأزمة الرسمي” في ظل الوضع الإقليمي المتفجر وتداعياته، مع إعطاء أولوية متزايدة في الإنفاق الحكومي لخدمة الدين، ما يفرض على القوى السياسية المنحازة لهم طرح بدائل واضحة تُحمّل الرأسماليين كلفة الأزمة.
ويأتي ذلك في وقت تخوض فيه الطبقة العاملة معركة احتجاجية بالغة الصعوبة، تتبلور خلالها قيادات جديدة ما تزال في أمسّ الحاجة إلى الخبرة والوعي، بعد تصفية قيادات موجة 2006–2011 عبر الفصل والنقل والاعتقال.
وبسبب غياب التنظيمات النقابية المعبّرة عن العاملين بأجر، ووجود نحو 80% من العمال خارج أي مظلة نقابية، تفتقد الحركة العمالية إلى التنسيق بين فروعها وتوحيد الفعل.
ويتراوح عدد أعضاء النقابات التابعة لاتحاد عمال مصر بين 3 و5 ملايين عامل موزعين على 27 نقابة عامة. في المقابل، تعاني النقابات المهنية من خلل هيكلي يجعلها أقرب إلى تجمعات مهنية تضم ملاك المستشفيات والشركات القانونية والهندسية إلى جانب العاملين بأجر، وهو ما يحدّ من قدرتها على الدفاع عن حقوق أعضائها.
وتواصل الحكومة وضع عراقيل متعددة أمام إنشاء النقابات العمالية المستقلة ومنع تقنينها. فقد أسقط قانون المنظمات النقابية رقم 213 لسنة 2017 وتعديلاته قطاعات حيوية مثل العاملين بالصيد وأصحاب المعاشات، رغم ما تميزت به نقاباتهم من كفاءة وحيوية. كما يكرّس القانون البنيان الهرمي ويفرض نموذج الاتحاد العام لنقابات عمال مصر كنموذج وحيد، مع رفض الاعتراف بالاتحادات الإقليمية والقطاعية التي أنشأها العمال سابقًا، إلى جانب تقييد تأسيس النقابات العامة باشتراط تكوينها من 15 لجنة فرعية، واشتراط وجود عشر نقابات عامة لتشكيل اتحاد.
وفي هذا السياق، يمكن فهم التعديلات التشريعية المفاجئة المطروحة حاليًا في مجلس النواب على قانون المنظمات النقابية، والتي تستهدف مدّ الدورة النقابية إلى خمس سنوات وتأجيل الانتخابات العمالية، بما يعزز هيمنة البيروقراطية النقابية على الحركة العمالية، ويحرمها من فرص طرح مطالبها وتجديد قياداتها، خصوصًا على المستويات القاعدية، رغم ما تشهده هذه الانتخابات عادة من تدخلات إدارية وأمنية واسعة.
ويلفت تقرير لمركز “مسار”، وهو مؤسسة مصرية غير ربحية تُعنى بالدفاع عن الحقوق الرقمية، إلى تحدٍ آخر يواجه العمل الجماعي في الاقتصاد الرقمي. ويشمل ذلك العاملين في خدمات النقل الذكي مثل “أوبر” و”كريم”، الذين يُقدَّر عددهم بنحو 730 ألفًا وفق بيانات رسمية، إلى جانب عشرات الآلاف العاملين في منصات مثل “طلبات” وغيرها.
ويشير “مسار” إلى أن “بنية اقتصاد الوظائف المؤقتة صُممت بعناية لتعطيل العمل الجماعي وتقويض الآليات التقليدية التي جمعت العمال تاريخيًا للدفاع عن حقوقهم”. وقد أدّت الطبيعة المتفرقة والمعزولة لهذا النمط من العمل إلى عوائق كبيرة أمام التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية، بما يخلق بيئة يصعب فيها تحقيق التضامن العمالي.
وبحسب التقرير نفسه، تستخدم المنصات الرقمية “سيطرتها الخوارزمية كأداة لقمع جهود المفاوضة الجماعية، إذ يمكنها تغيير شروط الخدمة بشكل أحادي، أو تعديل الخوارزميات، أو تعطيل حسابات العمال دون إشعار، بما يرسّخ مناخًا من الخوف وعدم الاستقرار، ويقوّض أي محاولة للفعل الجماعي”.
كما جرى إقصاء أصوات المحتجين من الوصول إلى البرلمان، المفترض أن يكون ساحة للتشريع والرقابة، بعدما تحوّل إلى أداة طيّعة في خدمة النظام، عقب هندسة انتخابات العام الماضي وتوزيع المغانم على أحزاب الموالاة، مع الاكتفاء بمنح هامش محدود لجزء من المعارضة.
وتفتقد الحركة العمالية إلى ظهيرها اليساري المتجذر. فقد لعب اليسار تاريخيًا دورًا محوريًا في تشكيل وعيها السياسي، وكانت العلاقة بين قوة اليسار وقوة الحركة النقابية علاقة طردية واضحة: كلما تصاعد نفوذ القوى اليسارية، تعززت قدرة الحركة العمالية والتنظيم النقابي.
وعلى سبيل المثال، شهدت شركة الحديد والصلب بالتبين جنوب القاهرة حضورًا واسعًا لمختلف التيارات اليسارية، من التروتسكيين إلى العمال و8 يناير والحزب الشيوعي المصري.
ورغم أن الحركة العمالية نجحت، في أغلب موجات الاحتجاج، في فرض نفسها واتساعها، ولم يتمكن النظام من كتمها أو دفنها في بداياتها، وهو ما يُعد مكسبًا للقوى الديمقراطية، فإن المناخ الأمني شديد الإحكام، إلى جانب تهديد القيادات العمالية بالاعتقال والحبس والفصل، وتجريم حق الإضراب، يظل قادرًا على كتم أصوات قطاعات واسعة من العمال.
وتضع هذه التحديات على عاتق القوى السياسية، اليسارية بالأساس، مسؤولية نضالية كبرى تجاه الحركة العمالية والاجتماعية.
وقد تكون نقطة البداية تشكيل لجنة عمالية تضم نقابيين وحقوقيين وسياسيين وإعلاميين، تناضل من أجل تطبيق الحد الأدنى للأجور باعتباره المطلب الرئيسي للحركة العمالية اليوم، على أن تتركز مهامها في:
توفير الدعم القانوني والإعلامي والتوعوي للعمال.
نقل الخبرات الكفاحية ومساندة العمال في تنظيم أنفسهم نقابيًا.
مساندة القيادات العمالية التي تتعرض للفصل أو الحبس.
دعم التضامن والتنسيق بين عمال فروع الشركة الواحدة، وبين المواقع العمالية المختلفة.
فتح جسور التعاون بين المنظمات العمالية والمهنية لتوحيد حركة العاملين بأجر.
تسييس الحركة العمالية، إذ أدى غياب الكوادر المسيسة، على سبيل المثال، إلى غياب المبادرات القاعدية للتضامن مع الشعب الفلسطيني في غزة.







