بقلم: عماد مبارك
“لعل أفظع ما في دقيقتي الكراهية هو أن المرء لم يكن مجبَرًا على تمثيل دور ما، ومع ذلك كان من المستحيل عليه تجنب الانخراط في هذا المشهد، ففي غضون ثلاثين ثانية تصبح المشاركة في دقيقتي الكراهية أمرًا ضروريًا، ذلك أن نشوة من الخوف والرغبة في الانتقام والتعذيب وتهشيم الوجوه بالمطرقة كانت تتملك الحضور وتسري في أوصالهم وكأنها تيار كهربائي يدفع المرء رغمًا عنه للصراخ والصياح كمن أصابه مس من الجنون. ومع ذلك فإن هذا الغضب الذي يشعر به المرء آنذاك كان انفعالًا طائشًا غير محدد الوجهة ومن الممكن تحويله من جهة إلى أخرى مثل لسان لهب متصاعد.”
— جورج أورويل، رواية 1984
لا يمكننا قراءة موجة التحريض المسعورة ضد اللاجئين في مصر اليوم بمعزل عن سياق الأزمة الهيكلية الطاحنة التي تعصف بالرأسمالية المصرية التابعة. إن الخطاب الذي يملأ الفضاء العام ضجيجًا حول “أعداد اللاجئين” و”استنزاف الموارد” ليس مجرد عصبية قومية عابرة أو احتقان عابر، بل هو استراتيجية سياسية وأداة كلاسيكية في يد الطبقة الحاكمة وأبواقها الإعلامية لتوجيه غضب الفئات الشعبية المسحوقة بعيدًا عن المتسبب الحقيقي في إفقارها. نحن أمام محاولة بامتياز لشق صفوف الكادحين، واختراع عدو وهمي يسكن في البيت المجاور، بدلًا من النظر إلى القصور والمؤسسات التي تحتكر الثروة والقرار.
أولًا: صناعة العدو كآلية لامتصاص الغضب الطبقي
في كل مرة تشتد فيها أزمة النظام الرأسمالي، وتصل التناقضات الطبقية إلى ذروتها بفعل السياسات النيوليبرالية المتوحشة، تبرز الحاجة السلطوية لـ”عدو داخلي” أو “وافد” يُلقى عليه بتبعات الفشل. إن ما نشهده اليوم من حملات تحريض مسعورة ضد اللاجئين والمهاجرين هو سردية سياسية منظمة تهدف إلى إعادة توجيه غضب الطبقات العاملة من الأعلى (السلطة والطبقة المهيمنة) إلى الأسفل (الفئات الأكثر هشاشة).
بدلًا من أن تواجه السلطة استحقاقات الأزمة الاقتصادية بتقديم كشف حساب عن سياسات الاقتراض والإنفاق غير المنتج، تفتح المجال لخطاب يصور اللاجئ كأنه “الآكل للأخضر واليابس”؛ لتحويل الأزمة من فشل في إدارة وتوزيع الثروة إلى صراع على موارد “يزاحمنا فيها الغريب”. إن هذا التكتيك ليس جديدًا؛ فالنظام الذي يغذي اليوم خطاب الكراهية ضد اللاجئين هو ذاته الذي استثمر لسنوات في “الفتنة الطائفية” لتفتيت وحدة المضطهدين ومنعهم من النظر إلى الأبراج العاجية حيث يسكن عدوهم الحقيقي.
ثانيًا: خديعة الاستنزاف وإعادة تدوير الاستغلال الطبقي
في الوقت الذي تروج فيه الأبواق الإعلامية لأسطورة اللاجئ الذي يزاحم المصري في رغيف الخبز، تغفل عمدًا عن حقيقة أن الرأسمالية لا ترى في اللاجئ “عبئًا”، بل جيشًا احتياطيًا من العمالة الهشة، لخفض سقف الحقوق للجميع.
يُتهم اللاجئون بالتسبب في جنون الإيجارات، بينما الحقيقة تكمن في استغلال الرأسمالية العقارية لغياب الرقابة لرفع الأسعار دون ضوابط؛ مستغلين اضطرار اللاجئ للسكن في مجموعات لتقاسم التكلفة العالية. إن الأزمة السكنية هي أزمة “احتكار”؛ فهناك ملايين الوحدات المغلقة والمشاريع الفاخرة التي لا يجد فيها المهمشون موطئ قدم، لكن السلطة تفضل أن يلوم المواطن جاره السوداني بدلًا من السؤال عن سياسات العمران الطبقية التي تخدم الأثرياء فقط.
أما في سوق العمل غير الرسمي، فيمثل اللاجئون صيدًا سهلًا لرجال الأعمال للتهرب من التأمينات والحد الأدنى للأجور، مستغلين خوفهم من الملاحقة الأمنية. هذا الوضع يضرب القوة التفاوضية للطبقة العاملة المصرية أيضًا؛ فالرأسمالي يراكم أرباحًا إضافية عبر خفض تكلفة العمل، بينما يُوجَّه غضب الكادحين نحو زملائهم في المأساة بدلًا من توجيهه نحو صاحب العمل الذي يمتص دماء الطرفين.
ثالثًا: سيكولوجية الكراهية وبروباغندا القومية الزائفة
يعتمد خطاب الكراهية الحالي على استدعاء مفاهيم الهوية الوطنية والنقاء الثقافي كأدوات تضليل. يتم تصوير اللاجئ كـ”غاز” ثقافي يهدد استقرار المجتمع، وهي نغمة فاشية كلاسيكية تهدف إلى خلق حالة من “الذعر الأخلاقي”. هذا الذعر يُستخدم لتبرير المزيد من الإجراءات الأمنية والتضييق على المجال العام، ليس فقط ضد الأجانب، بل ضد أي صوت ينتقد الوضع الراهن. إن البروباغندا التي تقودها “لجان إلكترونية” مجهولة تعمد إلى نزع الصفة الإنسانية عن اللاجئين؛ حيث يتم الحديث عنهم كـ”كتل بشرية” أو “أرقام مليارية”، وهو ما يمهد الطريق لتقبل العنف ضدهم.
تاريخيًا، كانت هذه هي الخطوة الأولى في كل الصراعات الإثنية؛ البدء بالتحريض اللفظي، وصولًا إلى الفعل العنيف. واليوم، بينما يُسمح للمسحوقين بتفريغ إحباطهم في صراخ جماعي ضد “اللاجئ”، يُعاد إنتاج مشهد “دقيقتي الكراهية” الأورويلية بامتياز؛ لضمان أن يظل الغضب الشعبي مشتتًا وموجهًا نحو الضحايا بدلًا من الجناة.
رابعًا: التوظيف السياسي للقانون: حماية الفاشية الاجتماعية وخنق الحريات
القانون في ظل الرأسمالية التابعة ليس كيانًا محايدًا، بل هو تعبير عن موازين القوى. نجد اليوم ازدواجية فجة؛ فبينما يُزج بالمناضلين في السجون بتهم “نشر أخبار كاذبة”، تفتح السلطة المجال لخطاب تحريضي فاشي عبر أذرعها الإعلامية. هذا الصمت الإداري والقضائي هو تواطؤ ضمني لشق صفوف الفقراء. لقد اسُتخدمت قوانين ازدراء الأديان لسنوات لخنق حرية الفكر وللتنكيل بالمواطنين المسيحيين، واليوم يُعاد إنتاج ذات المشهد حيث يصبح اللاجئ هو “المسيحي الجديد” في سردية الكراهية. هذا النوع من التحريض أداة تاريخية؛ فكما وثّق المؤرخ أحمد عبد الله رزة في كتابه عن الحركة الطلابية، جرى استدعاء صراعات الهوية في السبعينيات لتفتيت وحدة الطلاب.
ذات التكتيك اسُتخدم لكسر التضامن في الأحياء الكادحة، كما حدث في فتنة “الزاوية الحمراء” عام 1981 التي فجَّرت صراعًا بين الفقراء في عز الأزمة الاقتصادية لتوجيه غضبهم لبعضهم البعض بدلًا من النظام. إن كسر آلة التحريض هو الخطوة الأولى لاستعادة قدرة المجتمع على التفكير في مصالحه الطبقية، بعيدًا عن أساطير السيادة الزائفة التي تُرفع شعاراتها بينما تُباع أصول الوطن في الغرف المغلقة.
خامسًا: اللاجئ كضحية للإمبريالية والحروب بالوكالة
لا يمكننا مناقشة قضية اللاجئين في مصر دون العودة إلى جذور مأساتهم. إن السودانيين والسوريين واليمنيين الذين يحتمون بهذا الوطن لم يغادروا بلادهم رفاهية، بل هم ضحايا مباشرون للحروب الإمبريالية، وتدخلات القوى الإقليمية، وصراعات الجنرالات على السلطة والثروة.
إن النظام الرأسمالي العالمي هو الذي يشعل الحروب لبيع السلاح والسيطرة على الموارد، ثم يغلق حدوده في وجه الضحايا. وفي بلادنا، تُستخدم هذه المأساة للمقايضة مع القوى الدولية؛ حيث تبتز السلطة الغرب بملف الهجرة غير الشرعية للحصول على الدعم المالي والسياسي، بينما يُترك اللاجئون في الداخل ليواجهوا مصيرهم أمام خطاب كراهية لا يرحم. إن الدفاع عن اللاجئين هو في جوهره دفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، واعتراض على تحويل البشر إلى سلع مقايضة في الصفقات السياسية الدولية. إن تضامننا مع اللاجئ هو امتداد طبيعي لتضامننا مع ثورات الشعوب في السودان وسوريا واليمن ضد الاستبداد والتدخل الأجنبي.
سادسًا: نحو جبهة طبقية ضد العنصرية.. تضامن المضطهدين لا كراهية الفقراء
إن مواجهة خطاب الكراهية تتطلب اشتباكًا طبقيًا يعيد ترتيب أولويات الصراع. إن المعركة الحقيقية ليست بين “مصري” و”لاجئ”، بل هي معركة “جبهة الكادحين والمستغَلين ضد سلطة رأس المال”.
يجب استعادة بوصلة الانحياز الطبقي؛ فالوطنية الحقيقية لا تعني الانغلاق العنصري، بل تعني الانحياز لفقراء الأرض المنهوبين. إن اللاجئ الذي يكدح في مواقع البناء هو حليف طبيعي للعامل المصري، وكلاهما ضحية لنظام يحمي مصالح كبار المل
اك والمستثمرين العابرين للقارات، بينما يترك الكادحين يتصارعون على فتات الخبز.
التضامن هنا هو ضرورة نضالية. يجب انتزاع الحق في المعلومة وفضح كذبة الاستنزاف بالبيانات، والضغط على النقابات المهنية لمحاسبة مروجي التحريض العنصري كجريمة مهنية. يجب أن نربط بوعي بين الدفاع عن اللاجئ والدفاع عن المسيحيين والنساء وكافة المهمشين؛ فآلة القمع التي تدهس “الغريب” اليوم هي التي استخدمت ذات الحجج لضرب المجال العام بالأمس.
على القوى المدنية أن تلعب دورًا رياديًا في الشارع والمصنع والجامعة؛ بتوضيح أن العدو لا يلبس الجلباب السوداني أو يتحدث بلهجة شامية، بل هو من يملك المصنع، والبنك، والقرار السياسي. إن وحدتنا هي السلاح الوحيد لانتزاع حقوقنا، أما التشرذم خلف رايات “الشوفينية” فلن يحصد منه المحرومون إلا مزيدًا من الفقر والتبعية. إن وعينا الطبقي هو الحصن المنيع ضد سموم العنصرية.
خلاصات: عن “الفاشية الاجتماعية” والتحول نحو الوحشية
يُشكل ما نواجهه اليوم جرس إنذار لنمو نوع جديد من الفاشية الاجتماعية التي تجري تغذيتها في عروق المجتمع المصري. وتكمن خطورة خطاب الكراهية ضد “الآخر” في قدرته على تحويل الفقراء إلى “شرطة ذاتية” لخدمة النظام؛ حيث يراقب المواطن جاره، ويحرض عليه، ويحمله مسؤولية جوعه، بدلًا من التفكير في آليات التغيير الجماعي.
باعتبار أن القبول الشعبي لهذه اللغة الإقصائية يعني ببساطة تفكيك ما تبقى من قيم التضامن الطبقي التي تراكمت عبر عقود من النضال العمالي والطلابي، فإن المجتمع الذي يفقد بوصلته تجاه ضحايا الحروب والإمبريالية، هو مجتمع يسهل تدجينه وقمع أي حراك مطلبي داخلي فيه مستقبلًا تحت ذات الحجج القومية.
من هنا، تصبح مواجهة هذا الخطاب معركةً لكسر أدوات التزييف التي تُبقي الفئات الشعبية أسيرة لأوهام الصراع العرقي بدلًا من الصراع الطبقي. فالمعركة الآن سياسية بامتياز لمنع تحويل المجتمع إلى جزر منعزلة من الكراهية يسهل قمعها فرادى. فإذا سقطنا في فخ الكراهية، لن يربح المصريون وطنًا، بل سيخسرون وعيهم الطبقي وكرامتهم للأبد أمام عدو مشترك يبتسم وهو يرانا نتقاتل على الفتات.





