رغم إنجازاته المؤسسية، يواجه المجتمع الحديث تحدّيًا أخلاقيًا يتمثل في السؤال المزمن حول معنى الحياة البشرية وأنماط السلوك الأخلاقي فيها. وهو السؤال الذي يعود إلى الواجهة مع اندلاع أزمات أخلاقية يبدو معها أن الترتيبات المؤسسية والاعتبارات الحقوقية والقانونية الحديثة لم تكن فعّالة في مواجهتها، كجرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي التي تتورط فيها دول وتؤيدها مجتمعات ذات تقاليد ليبرالية حقوقية راسخة تتناقض قيميًا مع هذا الشكل من الممارسات الإجرامية. عاد هذا السؤال مؤخرًا ليثير الجدل مع افتضاح ملفات إبستين التي كشفت عنها الحكومة الأمريكية الفيدرالية، وظهر فيها أن الشبكة كانت محورًا لأشكال متنوعة من الفساد والجرائم ضد الإنسانية، تمتد عبر قطاع واسع من النخب، يبدأ من عالم السياسة ولا ينتهي بعالم المال أو الفن، بل يمتد إلى عالم العلم والثقافة.
تقود الأسئلة الأخلاقية غالبًا إلى العودة إلى التقاليد الدينية والجماعية الناقدة للحداثة والعقلانية، باعتبارها التقاليد الثقافية التي ترتكز على محورية الأخلاق والرؤية الكونية في الحياة البشرية. وإذا انتقل السؤال الأخلاقي إلى التقاليد العقلانية الحداثية، فإنه غالبًا ما يبقى في إطار النقاش حول حقوق الإنسان وفق التصورات الليبرالية. تحتل الماركسية موقعًا فريدًا في هذا النقاش، يقع بين الإقصاء الذاتي والإقصاء الخارجي. فمن ناحية، رفض كارل ماركس منذ البداية أن يؤسس فكره على أي أسس أخلاقية، طامحًا إلى تقديم تحليل علمي للتاريخ الاجتماعي، وبناء البرنامج والوعد السياسي الماركسي على هذا التحليل. وقد خلق هذا توترًا نظريًا واضحًا في الفكر الماركسي بين ادعاءات التمسك بالتفكير العلمي والمادي من جهة، وما يطرحه هذا الفكر من منطلقات أخلاقية وطموح مثالي يجعله أقرب إلى فكر رومانسي، أو إلى بشارة دينية على حد وصف برتراند راسل.
إن من المهم، لذلك، العودةُ للبحث عن تلك المنطلقات الأخلاقية في الفكر الماركسي، وعلاقتها بمنهجه المادي الجدلي وانتسابه للنزعة العلمية. والهدف من وراء ذلك ليس إعادة اكتشاف الماركسية نقدًا وتفنيدًا أو دفاعًا وتنزيهًا، وإنما اكتشاف ما إذا كان لدى الماركسية ما تضيفه إلى تأملاتنا حول الأخلاق ومعنى الحياة. فإذا كانت الماركسية هي الفلسفة النقدية المحورية في مواجهة الأنظمة الاجتماعية الحديثة، فإن من المفترض أن يكون لدى هذا الفكر تصورٌ معياري عن الصواب والخطأ والخير والشر، يتأسس عليه النقد الاجتماعي المادي الذي يوجّهه للمجتمع الرأسمالي.
نشأة الفكر الأخلاقي الحديث
يحتل الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط مكانةً محورية في تأسيس الفكر الأخلاقي الحديث، منطلقًا من سؤال العلاقة بين الدين والأخلاق. وُلد الفكر الكانطي في لحظة كانت فيها المرجعية الدينية التي تتأسس عليها الأخلاق تواجه ضربات قاسية في إنجلترا وفرنسا. في إنجلترا، عمل الفكر التجريبي الحسي، خاصة مع الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم، على تفكيك أي أسس عقلانية للإيمان بالله، كالتصديق بالنبوة بناءً على المعجزات، أو افتراض ضرورة أن يكون للعالم صانع. أما في فرنسا في القرن الثامن عشر، فقد سيطر الاتجاه المادي التنويري الذي سعى إلى نقل المعرفة العلمية الميكانيكية كما قدمها إسحاق نيوتن إلى دراسات الإنسان والمجتمع، جاعلًا منهما آلات تخضع للتفكيك الميكانيكي المادي الخالص دون اعتبارات روحانية.
كانت ألمانيا، أو مملكة بروسيا على وجه الدقة (شمال شرق ألمانيا قبل توحيد ألمانيا سنة 1871)، تمثل استثناءً في هذا الاتجاه، إذ حافظت على عقلانية حديثة تسعى إلى العثور على أساس عقلاني للفكر الديني، كما في فلسفات غوتفريد ليبنتز وكريستيان وولف، وهما الفيلسوفان الألمانيان الأساسيان اللذان تأثر بهما كانط. لكن كانط وجد نفسه في مواجهة التحديات البريطانية الفرنسية التي رأى أن عليه أن يأخذها على محمل الجد، وألا يحاول التهرب منها أو مجرد طرح ردود جدلية خطابية ضدها.
انطلقت الفلسفة النقدية الكانطية، لذلك، من البحث عن مدى إمكانية التوصل إلى معرفة عقلانية عن الوجود المطلق أو الماورائي، وتحديدًا وجود الله والنفس البشرية والوجود الكلي للعالم. وانتهى كانط في كتابه «نقد العقل المجرد» إلى أطروحة مفادها أن المعرفة الإنسانية معرفة محدودة، لأنها قائمة على مجموعة من القواعد القبلية، أي القواعد التي تسكن العقل البشري قبل تعرضه لأي معرفة حسية. تسمح هذه القواعد القبلية (أو «المركّب القبلي» بمصطلحات كانط الفلسفية) للإنسان ببناء معرفة رياضية وطبيعية بناءً على ملاحظاته التجريبية، لكنها لا تسمح له بأن يثبت أي وجود يتجاوز الوجود الطبيعي. فمعرفة الإنسان عمومًا، حتى معرفته بالقوانين الطبيعية، هي معرفة محدودة بحدود هذه القواعد، وليست معرفة مطلقة؛ فالإنسان يعرف الظواهر فقط كما تدركها حواسه وينظمها عقله، لكنه لا يعرف «الشيء في ذاته» أو الحقيقة المطلقة.
وهكذا انتهت الفلسفة النقدية النظرية لكانط إلى طريق مسدود؛ فإذا كان الإنسان لا يمكنه أن يعرف الحقائق المطلقة، ولا يمكنه أن يجد أساسًا للأخلاق، فإن ذلك يعني الانتهاء إلى العدمية واللاأدرية. لذلك سعى كانط في أعماله اللاحقة، وتحديدًا كتابيه «تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق» و«نقد العقل العملي»، إلى البحث في أساس الأخلاق البشرية. انطلق كانط من البحث عن الشيء الذي يمكن وصفه بأنه خير محض، فوجد أن المواهب كالذكاء، والفضائل كالشجاعة، يمكن أن يُستخدما في الخير والشر. وحتى السعادة يمكن أن تقترن بالشر. أما الشيء الوحيد الذي لا ينطوي على أي شر مضمر فهو النية الطيبة.
ويقود مفهوم النية الحسنة، عند تحليله، إلى مفهوم الواجب. فالإنسان قد يعطي الصدقة لأنه يتألم من رؤية الشخص الفقير، وهو هنا يسعى إلى علاج ألمه الشخصي بهذه الصدقة، ولكنه قد يعطي الصدقة أيضًا لأنه يرى أن هذا واجب عليه، وهذه هي النية الحسنة الحقيقية. فالواجب هو الشيء الذي يقول العقل للإنسان إنه «ينبغي عليه» أن يفعله. وما تقول عقولنا لنا إنه «ينبغي علينا» أن نفعله نوعان: واجب شرطي، مثل أن تقول عقولنا لنا: إذا كنت جائعًا فعليك أن تأكل، وواجب غير مشروط برغبات الإنسان أو مصالحه، كأن تقول لنا عقولنا: عليك أن تعطي الفقير من مالك دومًا بغض النظر عن مصلحتك وعن رغباتك الخاصة. هذا هو الواجب الخالص، أو الواجب في حد ذاته، وهو أساس الأخلاق.
ولكن كيف نعرف ما هو الواجب الخالص؟ يضع كانط قاعدة معيارية للإجابة عن هذا السؤال، وهي أن على الإنسان أن يتصرف وفق قاعدة يرجو أن تكون قاعدة شاملة لكل البشر. فإذا كان أمام الإنسان فرصة أن يسرق، فإن عليه أن يسأل: هل أرجو أن تكون السرقة هي المعيار المعتمد بين البشر؟ إنني إن رجوت ذلك، فإن ذلك يقود إلى فساد الحياة البشرية. أما إذا لم أسرق، فإن ذلك يعني أن القاعدة التي أرسيها هي «لا تسرق»، وهي القاعدة التي تصلح بها الحياة البشرية، وتتوافق مع النية الحسنة.
نجح كانط بذلك في أن يؤسس الأخلاق على العقل دون حاجة إلى الإيمان بأي مرجعية دينية، ولكن المشكلة التي ستبقى أمام كانط هي أن الأخلاق يجب أن تتوافق مع السعادة. فالإنسان، إذا كان يسلك وفقًا للقواعد الأخلاقية ثم يقوده سلوكه الأخلاقي إلى حياة مأساوية، أو يتصرف ضد الأخلاق ويقوده هذا الانحراف إلى السعادة، فإن الأخلاق تصبح بلا معنى. لذلك يرى كانط أن توافق الأخلاق والسعادة، أو ما يسميه، تبعًا للفيلسوف الروماني شيشرون، «الخير الأسمى»، لا يمكن أن يتحقق إلا عبر التسليم بمسلّمات ثلاث لا حجة عقلانية عليها، وإنما يُسلّم بها الإنسان تسليمًا مطلقًا، وهي: الله، وحرية الإرادة، والخلود.
بذلك ينجح كانط في تأسيس الأخلاق والإيمان على العقل، ويحافظ على «الدين في حدود العقل فقط»، وهو عنوان أحد مؤلفات كانط، وهو مؤلف منعته السلطات في بروسيا نظرًا لمعارضته للدين الكنسي.
الأخلاق الفردية والحياة الأخلاقية
رغم الإنجاز الكبير الذي حققته الفلسفة النقدية الكانطية في التوفيق بين العقل والأخلاق، فإن الفصل بين العقل النظري والعقل العملي ظل يمثل توترًا سعى الفلاسفة اللاحقون إلى تجاوزه. فالسؤال هو: لماذا لا يقود العلم أو المعرفة النظرية إلى الأخلاق أو الحكمة العملية مباشرة؟ ولماذا ينتهي العلم النظري إلى طريق مسدود ويفشل في إثبات الحقائق المطلقة، بحيث نحتاج، من أجل الحفاظ على الأخلاق ومعنى الحياة، إلى مسلّمات نسلّم بها دون حجة عقلانية؟
كان هيجل هو الفيلسوف الأبرز الذي تلا كانط في ألمانيا، وقد حاول أن يجيب عن هذه الأسئلة الصعبة. يقدّر هيجل عمل كانط الأخلاقي من ناحية نجاحه في تأكيد قيام الأخلاق على العقل بمفرده وارتباطها بحرية الإنسان واستقلاله، لا بالإملاء المؤسسي من قبل السلطة أو الكنيسة، ولا حتى من قبل المرجعية الدينية التي تخوّف الإنسان وترغّبه في الأخلاق على أساس وعود أخروية. لكن هيجل يرى أن هذا الإنجاز الكانطي محدود ومحكوم بالفشل، لأنه يبقى حبيس التجريد العقلي، دون أن ينظر في واقع حياة البشر الاجتماعية.
يبدأ النقد الهيجلي للأخلاق الكانطية من مفهوم القانون الأخلاقي الذي يقول إن عليك أن تتصرف وفقًا لقاعدة ترجو أن تكون قانونًا شاملًا لكل البشر. فيرى هيجل أن هذا التحديد غير كافٍ، إذ يمكن لكثير من الأفعال غير الأخلاقية أن تفلت من هذا الاختبار. وفي الخلاصة، يرى أن هذا القانون فارغ المعنى، كأنه يقول لك: «افعل ما يتوجب عليك أن تفعله»، دون أن يحدد لك ما الذي يتوجب عليك فعله. تمامًا كما في المشهد الكوميدي الشهير في فيلم «لا تراجع ولا استسلام»، عندما ينصح غسان مطر حزلقوم قائلًا: «اعمل الصح». وعلى هذا الأساس، يرى هيجل أن معرفة مضمون الأخلاق تستوجب الرجوع إلى التقاليد الاجتماعية.
النقطة الهيجلية الثانية تتعلق بتمييز كانط بين الميل والواجب. فأنت تعطي الفقير لأن هذا هو الواجب، لا لأن ذلك يسعدك. يخلق هذا توترًا بين العقل والرغبة، ويُبقي الإنسان دومًا في حالة كبت وانضباط مفرط. فكانط يطالبنا بأن نكون متشددين ومنضبطين أخلاقيًا على نحو يجعل الحياة أصعب وأشقى حتى من الحياة في ظل الهيمنة الدينية الكنسية. وهذا ما يجعل الحياة الأخلاقية، في رأي هيجل، أقرب إلى اغتراب ذاتي، إذ يضطر الإنسان إلى الاغتراب عن رغباته ومطامحه كي يبقى أخلاقيًا ومنصاعًا للعقل.
النقطة الهيجلية الثالثة هي افتراض كانط عزلة الذات الأخلاقية. فكل ما يناقشه كانط في فلسفته الأخلاقية هو الفرد، الذي يضع أو يكتشف القوانين الأخلاقية لنفسه. لكن هذا يغفل واقع أن تَشكُّل المعايير الأخلاقية يتم في الحياة الاجتماعية لا الفردية. فنحن لا نكتشف أن الصدق خير من الكذب عبر التفكير العقلي الصرف، بل نتعلم ذلك في إطار التنشئة الاجتماعية، ونتعلم معه معايير أخرى لا تنشأ من مجرد التأمل العقلي.
بناءً على ذلك، وضد نظرية أخلاق الواجب الفردية التي تؤسس الأخلاق على النية الفردية والواجب الخالص المجرد، يطرح هيجل مفهوم «الحياة الأخلاقية»، أي الخبرة المعيشة للمعايير الأخلاقية كما تتجسد في مؤسسات اجتماعية. فحقيقة الأخلاق ليست في المبادئ المجردة، بل في الممارسات والمؤسسات التي تجعل الحرية الإنسانية ليست مجرد حرية ضمير جوانية، بل حرية اجتماعية فعلية، متماشية مع الأخلاق الاجتماعية ومحمية بالقانون. ومع ذلك، يرى هيجل أن هذه الحياة الأخلاقية ليست مفروضة على الفرد من الخارج، بل هي البنية العقلية للعالم الاجتماعي الذي تتشكل فيه هويات الأفراد وغاياتهم.
يتتبع هيجل الحياة الأخلاقية في ثلاث مؤسسات أساسية: العائلة، والمجتمع المدني، والدولة. ففي العائلة، تقوم العلاقات الأخلاقية على الحب والثقة لا الواجب المجرد، فلا يواجه الفرد القانون الأخلاقي كشيء مفروض عليه، بل يشعر به في وحدته مع الآخرين. وفي المجتمع المدني، يسعى الفرد إلى تحقيق مصالحه الخاصة ضمن النظام الاقتصادي والقانوني، وهنا تبدأ القوانين الأخلاقية في الظهور كقوة خارجية تفرضها المؤسسات. وبسبب هذا الانقسام، تأتي الدولة كذروة الحياة الأخلاقية، إذ تعيد الوحدة الجدلية بين الفرد والقانون الأخلاقي، فتغدو أشبه بالعائلة الكبرى، حيث تتحقق الحرية الفردية في إطار التوافق مع المصلحة العامة.
بهذا ينجح هيجل في تجاوز الانقسام في الفلسفة الكانطية بين العقل النظري والعقل العملي، أو بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، عبر الجدل التاريخي الذي يربط المعرفة النظرية بالواقع الاجتماعي. وهذا المنطق الجدلي سيلعب دورًا محوريًا في بناء تصورات ماركس الفلسفية والأخلاقية، كما سنرى.
النقد الاجتماعي
مما سبق يتضح الارتباط الضروري بين نظرية المعرفة (الإبستيمولوجيا) ونظرية الأخلاق. ومن هنا تبرز أهمية فهم تصور ماركس للمعرفة البشرية، ولا سيما نظريته في الأيديولوجيا. فقد رأى ماركس أن المعرفة لا يمكن فصلها عن الواقع الاجتماعي، متأثرًا في ذلك بالمنطق الجدلي أو التاريخانية الهيجلية. غير أن هذا الواقع، في نظره، ليس محايدًا، بل قائم على علاقات قوة وسلطة ذات طابع طبقي بالأساس. لذلك، لا تُفهم المعرفة النظرية في سياقها الاجتماعي بوصفها علمًا خالصًا، بل بوصفها أيديولوجيا، أي معرفة مشروطة بعلاقات السلطة. وتتمثل مهمة الفلسفة النقدية، عند ماركس، في كشف هذا المضمون الاجتماعي والسياسي الكامن في المعرفة.
من هذه الزاوية، تقترب فلسفة ماركس من الفلسفة النقدية الكانطية. فإذا كان كانط قد قيّد إطلاقية المعرفة، وجعلها معرفة نسبية مشروطة بالبنى القبلية في العقل، فإن ماركس أنجز خطوة مماثلة، لكن على أساس اجتماعي تاريخي. ولهذا يرى ماكس أدلر أن ما فعله ماركس هو نقل «القبلي» من مستواه العقلي عند كانط إلى مستوى «قبلي اجتماعي»، بحيث تصبح كل معرفة، في سياقها الاجتماعي، معرفة أيديولوجية مشروطة بالبنية الطبقية، لا معرفة محايدة أو مطلقة.
ينطلق نقد ماركس للاقتصاد السياسي من هذا المنظور تحديدًا. فهو لا يجادل في دقة النماذج الرياضية، كمعادلات العرض والطلب، بل يعترض على افتراضاتها المسبقة، وعلى رأسها التعامل مع الملكية الخاصة كمعطى طبيعي سابق على الاجتماع، لا كنتيجة لعلاقات طبقية تاريخية. فالملكية الخاصة، في تحليله، هي الوجه الآخر للعمل المغترب: إذ تُنتزع ثمرة عمل العامل وتُحوَّل إلى ملكية خاصة لصاحب العمل، بينما لا يحصل العامل إلا على أجر يعيد إنتاج قوة عمله، لا ما يعادل قيمة ما ينتجه فعليًا.
ومن ثم، فإن نظرية الأيديولوجيا عند ماركس وإنجلز ليست هامشًا في مشروعهما، بل تمثل ركيزة أساسية في نقدهما الأخلاقي والاجتماعي، كما سيتضح لاحقًا.
الماركسية فلسفة إنسانية
نشأ الفكر الماركسي، كما هو معروف، في سياق الصراع بين تلاميذ هيجل حول تأويل فلسفته. وفي عام 1841، بينما كان ماركس يُنهي دراسته الجامعية بعد حصوله على الدكتوراه في الفلسفة ويبدأ مسيرته الفكرية المستقلة، نشر لودفيج فيورباخ كتابه «جوهر المسيحية»، الذي مثّل انعطافة حاسمة في الفلسفة الألمانية. وكما يشير إنجلز، فقد دفع هذا الكتاب «الهيجليين الشباب»، ومن بينهم ماركس وإنجلز، إلى تبني المنظور الفيورباخي.
لكن لماذا هذا التحول؟ كان هيجل قد طرح وحدة العقل والأخلاق، غير أن هذا الطرح يثير سؤالًا حاسمًا: ما الذي يضمن هذه الوحدة؟ في الإطار الديني، يتحقق ذلك بوجود الله. أما مع إقصاء الدين، كما عند كانط، فينشأ الانفصال بين العقل والأخلاق، ولا يُجسر إلا عبر مسلمات تعيد إدخال الإله. عند هيجل، يُحل هذا التوتر عبر التاريخ، الذي تقوده «الفكرة المطلقة» نحو تحقق الحرية ووحدة الوجود والأخلاق. غير أن هذه الفكرة، رغم مركزيتها، تظل غامضة، وتؤدي عمليًا وظيفة شبيهة بوظيفة الإله في الأديان، أو «العقل الكوني» في الفلسفة اليونانية.
يرفض فيورباخ هذا المفهوم الهيجلي تماما، كما يرفض مفهوم الإله كذلك، وإنما يطرح فكرة مفادها أن الإله هو تصور يسقط عليه الإنسان جوهر الوجود الإنساني نفسه، فالإله هنا كأنه تصور للإنسان الأعلى. فما يفعله اللاهوت في الحقيقة هو أخذ خصائص بشرية مثل العلم والقوة والحب والعدل، وهي خصائص لا توجد في البشر إلا على نحو منقوص، وتحويلها إلى خصائص مطلقة: العلم الكلي والقدرة الشاملة والمحبة المطلقة والعدل المطلق، ونسبتها إلى كيان يفترضه اللاهوت هو الإله. إن الدين لذلك في نظر فيورباخ هو شكل من أشكال اغتراب الإنسان عن نفسه، فالإنسان يسقط هويته على شيء في الخارج، ثم يعبده. ويلخص فيورباخ فكرته قائلا: «لقد خلق الإنسان الإله على صورته»، عاكسا بذلك المقولة التوراتية في الكتاب المقدس عن أن الله قد خلص الإنسان على صورته، وهي نفس المقولة التي ترد في بعض الأحاديث النبوية، وتثير خلافا بين المتكلمين.
إن الإنسان، إذن، هو مركز العلاقة الجدلية بين العقل والأخلاق؛ فهو الكائن الذي تجتمع فيه المادة والوعي، وهو بالتالي من يسعى إلى توجيه التاريخ نحو وجهة أخلاقية تتوافق مع غاياته. ولتمييز الوجود الإنساني، يطرح فيورباخ مفهوم «الوجود النوعي». فما يميز الإنسان عن سائر الحيوانات التي تمتلك وعيًا هي الأخرى، هو أنه يعي أنه عضو في نوع أوسع هو النوع البشري، بينما يعي الحمار وجوده، لكنه لا يعي أنه جزء من نوع أوسع هو نوعه.
يمتلك الإنسان، إذن، القدرة على التفكير فيما يسمى في الفلسفة الأرسطية بالكليات، أي الهويات أو الجواهر أو الأشكال المجردة للأشياء: مثل مفهوم الإنسان ومفهوم المادة. وقد ذهب أرسطو إلى أن العلم الحقيقي هو العلم بالكليات، لأن العلم بالجزئيات لا يتجاوز كونه ملاحظة. فأن أعرف، مثلًا، أن زيدًا أو عمروًا يضحكان هو معرفة جزئية، أما حين أقول إن الإنسان، بوصفه مفهومًا كليًا، كائن ضاحك، فإن هذا هو العلم.
والإنسان، في نظر فيورباخ، يعي النوع (الكلي)، وبذلك يتمكن من دراسة الجوهر الإنساني والتخلص من الاغتراب الديني. والغاية الأخلاقية من هذا التحرر، في فلسفة فيورباخ، هي إقامة علاقة قائمة على المحبة بين البشر، انطلاقًا من انتمائهم المشترك إلى النوع الإنساني.
لقد تأثر الفلاسفة الهيجليون الشباب بشدة بفكر فيورباخ، وخاصة برونو باور وماكس ستيرنر وديفيد شتراوس، وتوجه هؤلاء الفلاسفة لذلك إلى نقد الدين. وكان شتراوس قد أصدر عمله الأهم في هذا الصدد، وهو القراءة التاريخية لحياة السيد المسيح، ليس كنبي أو كابن للرب، وإنما كإنسان تاريخي عادي، وذلك في كتابه «حياة المسيح». كما أدى احتفاء هؤلاء الفلاسفة الثلاثة بالفلسفة الإنسانية لفيورباخ إلى تبني آراء فلسفية تقدس الإنسان الفرد الفيلسوف، وتراه صانعًا للتاريخ. وقد أطلق برونو باور على ذلك وصف «الوعي الذاتي اللامتناهي»، وهو في رأيه القوة المحركة للتاريخ، ووصف ستيرنر الفكرة نفسها من خلال مفهوم «الأوحد» أو «المتفرد»، وهو الفرد الفيلسوف صاحب القدرة الإبداعية.
قام فكر ماركس بالأساس على الخصومة مع هؤلاء الفلاسفة، ومن خلال نظريته النقدية التي أشرنا إليها سابقًا: إذا كان هناك اغتراب ديني، فما هو المضمون الاجتماعي التاريخي لهذا الاغتراب الديني؟ ما الذي جعل الإنسان يسقط هويته على كيان خارجي، ولا ينسبها مباشرة إلى نفسه؟ إن الاغتراب الديني، إذن، لا بد أن يكون انعكاسًا لاغتراب اجتماعي واقعي يعيشه الإنسان.
لقد تأثر ماركس بفيورباخ، لكنه رفض فكرته المثالية عن الإنسان، فالإنسان عند فيورباخ هو كائن متأمل في الطبيعة، وله خصائص جوهرية، من بينها المحبة. أما بالنسبة لماركس، فإن هذه الفكرة غير جدلية، فالفكر الجدلي لا ينبغي، في نظر ماركس، أن يقبل بوجود هويات مطلقة، وإنما تتشكل الهوية وتتغير في التاريخ، وهوية الإنسان، كهوية أي كائن آخر، هي هوية تتغير عبر التاريخ.
ما الذي يميز الإنسان إذن؟ إن ما يميز الإنسان عن سائر الكائنات ليس وعيه بنوعه فقط، وإنما أنه كائن ينتج حياته من خلال العمل، ومعنى إنتاج الحياة هو إنتاج المتطلبات الأساسية للحياة البشرية. وفي إطار عملية إنتاج الحياة، يعيد الإنسان إنتاج الطبيعة نفسها، فيجعل من أغصان الشجر أخشابًا يبني بها بيوتًا وأثاثًا، ويجعل من الحديد الموجود في الطبيعة سيوفًا، وهو بذلك ينتج حياته، ويعيد إنتاج الطبيعة، وينتج حتى وعيه عبر ثقافة متجسدة في اللغة والكتابة والرموز والفنون.
إن إنسان ماركس، إذن، هو الإنسان التاريخي، وليس الإنسان المثالي الذي يتحدث عنه فيورباخ والهيجليون الشباب، وهذا الإنسان التاريخي ينبع اغترابه من اغترابه عن عمله وإنتاجه: فعند انتزاع ثمرة عمل الإنسان عنه ومصادرتها لصالح صاحب العمل، فإن الإنسان يشعر بالاغتراب عن المنتج، ويشعر بالاغتراب عن عملية الإنتاج نفسها، بل يشعر، في نظر ماركس، بالاغتراب عن ماهيته كوجود نوعي، إذ يتحول من كائن ينتج معرفة وثقافة وحضارة لكل نوعه البشري عبر نشاطه العملي، إلى كائن ينتج إنتاجًا يقيم أوده لا أكثر، ويصادر صاحب العمل فائضه. وأخيرًا، يغترب الإنسان عن النوع البشري أو أقرانه من البشر، فمع الإنتاج والتبادل السلعي تصبح العلاقات البشرية القائمة على التعاون وتبادل المنتجات، تحقيقًا للعيش المشترك، علاقاتٍ قائمة على صنمية السلعة والنقود، حيث تختفي فكرة أن هذه السلعة أو تلك النقود هي تجسيد لعمل إنسان آخر يقدمه لأخيه الإنسان، وإنما تظهر كأن قيمة السلعة تنبع من ذاتها، وقيمة النقود تنبع من ذاتها، فكأنها أصنام أو أوثان تبدأ كرموز لشيء آخر، ثم يتخيل الإنسان أنها هي نفسها آلهة.
من هنا يمكننا أن نفهم الأوصاف الثلاثة للفلسفة الماركسية: المادية، والجدلية، والتاريخية. لقد رفض ماركس تمامًا المادية الميكانيكية التي تقوم على تصور مفاده أن الإنسان هو مجرد آلة يمكن النفاذ إليها عبر تطبيق قوانين الطبيعة على الإنسان، أو عبر دراسة وظائف الأعضاء. لقد انتشر هذا الفكر في ألمانيا في منتصف القرن التاسع عشر عبر أعمال لودفيج بوشنر، خاصة كتابه «المادة والحركة»، الذي تحول إلى إنجيل للشباب المثقف في أوروبا، وخاصة روسيا، في هذا الوقت، وكذلك عبر أعمال كارل فوجت، وهو طبيب زعم أن الأفكار تخرج من العقل البشري كما يفرز الكبد العصارة الصفراوية، وهو تصور فيسيولوجي اختزالي تمامًا. في المقابل، تقوم مادية ماركس ليس على افتراض أن هناك جوهرًا ماديًا واحدًا للوجود، وإنما على افتراض أن الوجود الإنساني هو وجود قائم على العمل والإنتاج الذي يغير واقع حياة الإنسان، ويغير الطبيعة، وينتج حتى ثقافة الإنسان ووعيه.
ويعني الفكر الجدلي، من جهة أخرى، ضرورة الربط بين المادة والوعي، أو العقل والوجود، أو المعرفة والأخلاق، وذلك من خلال الوجود التاريخي للإنسان. من هنا جاءت دعوى العلمية في وصف ماركس للاشتراكية التي يدعو إليها تمييزًا لها عن سائر الفكر الاشتراكي. فوصف العلمية هنا لا يستهدف بالأساس رفض الجانب الأخلاقي أو المعياري لهذه الاشتراكية، ولكن ما يقوله ماركس هو أن طموحه الأخلاقي نحو الاشتراكية يجب أن يكون مصحوبًا بتحليل علمي للمجتمع البشري، وبالتالي طرح السؤال المنهجي عن كيف يمكن للمجتمع البشري أن ينتقل نحو هذه الاشتراكية كنمط وجود اجتماعي أخلاقي قائم على التكافل بين البشر وحرية الإنسان وامتلاكه لمصيره. فعلمية ماركس هي علمية جدلية لا علمية وضعية (قائمة على افتراض وجود قوانين للتاريخ تشبه قوانين الفيزياء، مثلًا).
أخيرا، فإن تاريخية فكر ماركس تعني ضرورة أن توضع المعرفة أو الأخلاق في سياقها التاريخي، وألا تفترض هويات مطلقة للإنسان أو للأشياء، وإنما هويات تاريخية تتغير عبر التاريخ، ومن هنا فإن التاريخية هي التطبيق الاجتماعي للفكر الجدلي.
ماركس وإبستين
إن ماركس يتحرك، إذن، في الإطار التنويري الإنساني الذي يرى أن جوهر الأخلاق هو كرامة الإنسان وحريته في تحقيق ذاته. لكن ما يختلف فيه ماركس عن الفكر التنويري هو أنه لا يرى الأخلاق بوصفها نوازع فردية حبيسة الضمير الإنساني كما هي عند كانط، ولا يراها كذلك مجرد مؤسسات اجتماعية تعمل على التوفيق بين الرغبات الفردية والمعايير الاجتماعية كما هي عند هيجل. إن الأخلاق هي ممارسة تستدعي أن يحقق الإنسان ذاته ووجوده النوعي بحرية، دون استلاب اقتصادي أو سياسي أو ثقافي، وبالتالي هي ممارسة مبنية على الأوضاع الاجتماعية التاريخية التي يحيا ضمنها الإنسان. والانحلال الأخلاقي العام هنا لا يُفسَّر بمجرد الشهوانية، ولا بمجرد خروج الفرد على التقاليد، وإنما يُفسَّر بوجود أوضاع اجتماعية تاريخية تقود إلى الاغتراب، وتمكّن الطبقة العليا من تعويض هذا الاغتراب عبر استغلال الآخرين كأدوات للاستمتاع والالتذاذ دون احترام للكرامة الإنسانية.
من هنا، فإن فلسفة ماركس ليس فقط لديها ما تضيفه حول ظاهرة إبستين، بل إنها الفلسفة الوحيدة التي تمتلك شيئًا لتضيفه. فانطلاقًا من الأخلاق الفردية، سواء الدينية أو الكانطية، يصبح ما يجري في ظاهرة إبستين هو انحرافات شهوانية. وانطلاقًا من الفكر الجماعي الهيجلي، كما نراه عند تشارلز تايلور مثلًا، يصبح ما يجري خللًا نابعًا من التخلي عن التقاليد الاجتماعية التي كانت تنظم الممارسات الأخلاقية. أما كارل ماركس، فلديه نقد فعلي يربط مباشرة بين هذا الانحراف الأخلاقي والوضع الطبقي لأعضاء تلك الشبكة والبنية الطبقية للمجتمع.
فما تقوله فضائح إبستين بوضوح هو أن هذه النخبة نفسها تعاني من تشوه نفسي واضح نابع من الاغتراب. فوفقًا لنظرية الاغتراب كما يطرحها ماركس في المخطوطات الاقتصادية والفلسفية التي كتبها سنة 1844، فإن الاغتراب لا يعاني منه العامل فحسب، وإنما يعاني منه صاحب العمل أيضًا، وهو كذلك ما أشار إليه هيجل في جدل السيد/العبد. ففي جدل السيد/العبد عند هيجل، ما يحدث هو أن الأفراد يتصارعون على السيادة والاعتراف، وينجح أحدهما في إخضاع الآخر له، وبالتالي يصبح سيدًا يحظى بالاعتراف كذات صاحبة إرادة حرة ووعي من قبل العبد الذي يخضع له. لكن ما يجري بمرور الوقت هو أن العبد يحقق ذاته عبر العمل، بينما يشعر السيد بأنه لا يحصل على اعتراف حقيقي، وإنما هو اعتراف تحت الإكراه، ويحتاج هو أيضًا إلى العمل وتحقيق الذات، ليس عبر الإخضاع، وإنما عبر الاعتراف المتبادل القائم على التعاون.
في الاغتراب الرأسمالي، تُنتزع ثمرة العمل من العامل، ويُجرَّد العامل حتى من التحكم في العملية الإنتاجية، ولكن الرأسمالي أيضًا يعاني من الاغتراب، لأنه يحصل على ثمرة عمل ليس عمله. علينا أن نتصور وضع أولئك الذين يراكمون ثروات خرافية أو سلطات مطلقة دون بذل جهد حقيقي في إنتاج تلك الثروات، ولو حتى جهد الرأسمالي المبتدئ في التخطيط والإدارة والادخار. إنهم يراكمون تلك الثروات والسلطة عبر المضاربة والفساد، وبالتالي فإن الاغتراب الإنساني ينخر تلك الطبقة.
ولتعويض هذا الاغتراب، تُحوِّل تلك النخبة البشرَ الآخرين إلى مادة استعمالية، الغرض منها إشباع الرغبات وتحقيق الالتذاذ المؤقت لتلك النخبة، دون أن يكون لدى المجتمع، ولا حتى الدولة، القدرة على ضبط ممارسات تلك النخبة، ليس لأن التقاليد تفككت أو لأن خطاب حقوق الإنسان غاب عن المجتمع، ولكن لأن التباين الفج في الثروات يفكك سلطة الدولة ومؤسسات القانون.
من هنا يظهر عمق النقد الأخلاقي الماركسي فيما يخص ظواهر الانحلال الأخلاقي العام وعلم النفس الجماعي، في مقابل محدودية التقاليد الأخرى. هذا العمق هو الذي تجلّى في الماركسية الأوروبية بعد الحرب العالمية الأولى على يد الفلاسفة الماركسيين كارل كورش وجورج لوكاتش وأنطونيو جرامشي، وهي الجهود التي اجتمعت، على وجه خاص، في النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت. وقد قامت تلك الجهود، بالأساس، على رفض تعريف الجدل بأنه مجموعة من القوانين التي تحكم كلاً من الطبيعة والإنسان، كما قام فريدريك إنجلز بتعريف الجدل على هذا النحو في كتابه «جدل الطبيعة»، وتبعه على ذلك نيقولاي بوخارين، ومن بعده الماركسية السوفيتية. فالفلسفة الجدلية هي أساس الأداة النقدية الماركسية التي ترى أن كل معرفة أو معطى هو معطى تاريخي متغير، ويجب النظر في الشروط المادية الاجتماعية التي تسمح بوجوده، وكيف يمكن أن تتغير بمرور الوقت.
لذلك، فإن جوهر النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت هو رفض التسليم بالوضع القائم، وافتراض أن الواقع الاجتماعي دومًا قابل للنقد والتغيير، ومهمة النظرية، إذن، ليست مجرد وصف الواقع، وإنما طرح إمكانيات تغييره، وهذا التغيير له أفق معياري، هو تحقيق الحرية والكرامة الإنسانية. ولذلك تدعو النظرية النقدية إلى إحلال العقلانية المعيارية الغائية بجانب العقلانية الأداتية التي سيطرت على الفكر الحديث، حيث يجري الاهتمام بالوسائل التي تسمح بالتحكم في الواقع، دون اهتمام بالقيم والمعايير التي يجب أن ترشد هذه الوسائل.








