*بقلم: نورا الرافعي وليلى حسام
وُلد هذا النص من نقاشات طويلة حول مقال نهال الأعصر المنشور على موقع صفر بعنوان: “شرط الحرية أن تنزل جماهير مصر إلى الشارع: محوريةُ مصر في النضال الفلسطيني”. لم يكن النقاش عابرًا، ولا كان الاختلاف تفصيلاً يمكن تجاوزه؛ بل بدا لنا، مع التقدّم فيه، أننا أمام سؤال أعمق يتعلّق بكيف نفهم الإمبريالية والدولة والتحرير في هذا الزمن، في مصر وفي فلسطين.
نكتب بينما تُباد غزة على مرأى من العالم، ويشنّ الحلف الصهيوني-الأمريكي حربًا على إيران ولبنان؛ بيوت تُهدم، وأجساد تُنتشل، وأسماء تُمحى من سجلات الحياة وسط صمت عربي رسمي يعلو ضجيجه بقدر ما ينكشف تواطؤه. وحرب إقليمية صهيو-أمريكية تتسع من فلسطين إلى لبنان وإيران، وصمت عربي رسمي يعلو ضجيجه بقدر ما ينكشف تواطؤه. في هذه اللحظة، من السهل أن يتحول الخطأ النظري إلى عائق مادي أمام أي إمكانية للتحرر.
في مثل هذه اللحظات، تميل الكلمات إلى أن تخون أصحابها؛ ومع ذلك، لا نملك إلا أن نكتب ما نفكر فيه ونحاول تفكيك و فهم دور مصر المحوري في النضال الفلسطيني، لا بهدف الهجوم أو تسجيل نقاط، بل لنفكر مع طرحته الأعصر. نحن واثقون بأننا جميعًا ننطلق من أجل حلم التحرر والتحرير، وإن اختلفنا على من أي المنطلقات نتحرّك وأي الطرق نسلك.
نتفق مع الأعصر في أن ما جرى ويجري في غزة كشف، بوضوح لا لبس فيه، بنية عالمية من التواطؤ؛ قوى كبرى تدعم، وأنظمة تصمت أو تشارك، ومجتمعات تُترك وحيدة في مواجهة آلة لا تعرف التوقف. لكن الاتفاق هنا لا يكفي. إذ إن ما يهم ليس فقط أن نُسمي ما نراه، بل أن نفهمه على نحو لا يعيد إنتاج عجزنا عن تغييره.
تعريف الأعصر للصهيونية بوصفها مشروعًا استعماريًا إقصائيًا زرعته الإمبريالية—بريطانيا ثم الولايات المتحدة—لمنع صعود مصر كقوة إقليمية، يبدو للوهلة الأولى جذريًا، لكنه في جوهره يعيد اختزال الصراع في مستوى جيوسياسي، حيث تتصارع دول على النفوذ، وتُختزل الشعوب إلى أدوات داخل هذا الصراع. بهذا المعنى، تنفصل الإمبريالية عن جذورها المادية بوصفها لحظة من تطور الرأسمالية، وتتحول إلى فاعل خارجي يمكن مواجهته بإرادة “وطنية” مضادة.
الصهيونية، في رأينا، ليست سوى أداة في يد الرأسمالية العالمية لتأديب شعوب المنطقة وضمان استمرار تراكم رأس المال فيها. والطبقات الحاكمة المحلية، وعلى رأسها مصر، تعمل كوسطاء في هذه المنظومة؛ تُؤدّب شعوبها وتضمن حماية المصالح الرأسمالية داخل حدودها. لذا، فإن المعركة لا تقتصر على مواجهة الهيمنة الإمبريالية في الخارج، بل تمتد لتشمل السلطة المحلية التي ترتبط مصالحها ببقاء هذه الهيمنة. وهذا التمييز هو ما يفرق بين استراتيجية ثورية حقيقية قادرة على التحرر، وأخرى تظل محصورة في دوائر الهزيمة المتكررة.
ربما لهذا، نتحفظ على أي تصور يفصل بين مسار “التحرر الوطني” من جهة، ومسار التغيير الاجتماعي من جهة أخرى. لا لأن الأول غير مهم، بل لأن الفصل بينهما، كما تُظهر تجارب كثيرة، هو مدخل لتأجيل الثاني إلى أجل غير مسمى.
كعادتنا، لا نطرح هنا بديلًا جاهزًا، ولا ندّعي امتلاك إجابة نهائية. ما نحاوله هو إعادة طرح السؤال: كيف يمكن التفكير في تحرر لا يكتفي بتبديل المواقع، بل يمسّ البنية التي تجعل القهر ممكنًا؟
رأسمالية وطنية أم رأسمالية الدولة؟
تنطلق الأعصر من فرضية أن ما يدعى “الرأسمالية الوطنية”، كما جسّدها مشروع طلعت حرب، كانت قادرة نظرياً على تحقيق تنمية مستقلة لولا العرقلة الإمبريالية. لكن هذا الطرح يعاني من تبسيط تاريخي؛ إذ يتجاهل أن أزمة بنك مصر لم تكن فقط نتيجة ضغط بريطاني، بل ارتبطت أيضاً بعوامل داخلية مثل التوسع السريع، وضعف بعض الاستثمارات، وتأثير الكساد الكبير الذي ضرب الاقتصاد العالمي بأسره. كما أن هذه الفرضية تتجاهل الطبيعة المتناقضة للبرجوازية في البلدان الطرفية؛ فهي طبقة تسعى إلى التراكم داخل السوق الرأسمالي العالمي، لا إلى كسره. لذلك، لم يكن مشروع بنك مصر خروجاً عن المنظومة، بل محاولة للترقي داخلها، وهو ما يضع حدوداً موضوعية لأي “استقلال” يمكن أن يحققه. ويمكن تعزيز هذا النقد بما يطرحه كريس هارمن في “العاصفة تهب – حول انهيار النموذج السوفييتي”، حيث يؤكد أن السمة الجوهرية للرأسمالية هي التراكم الإكراهي، أي خضوع الإنتاج لمنطق “التوسع من أجل التوسع”، وهو منطق لا يتغير بمجرد تغيّر جنسية رأس المال، بل يفرض نفسه حتى داخل المشاريع “الوطنية”.
إن الإمبريالية ليست مجرد تدخل خارجي يمكن مقاومته بإرادة وطنية، بل هي مرحلة بنيوية من تطور الرأسمالية نفسها. وبناءُا عليه، فإن الصعوبات التي واجهها مشروع طلعت حرب لا تُفسَّر فقط بالضغط البريطاني، بل أيضاً باندماجه القسري في نظام عالمي يحدد شروط التراكم ويقيد إمكانيات الرأسمال المحلي. فالمنافسة لا تختفي حتى عندما تتراجع داخل الاقتصاد الوطني، بل تنتقل إلى المستوى العالمي، حيث تُجبر كل دولة على مقارنة إنتاجيتها وتكاليفها بغيرها، ما يعيد إنتاج نفس الضغوط التي تحدث عنها لينين ولكن في صورة أكثر شمولاً.
وتمثل تجربة طلعت حرب - في رأينا - مثالاً على عجز البرجوازية الوطنية في البلدان المتأخرة عن إنجاز مهام الاستقلال والتنمية الشاملة. فهذه الطبقة تخشى تعبئة الجماهير أكثر مما تخشى الهيمنة الأجنبية، وتميل إلى التسويات. وهذا العجز ليس سياسياً فقط، بل اقتصادي أيضاً، إذ أن تسريع التراكم في بلد متأخر يفرض بالضرورة الضغط على الطبقات الشعبية، خصوصًا الطبقة العاملة، ما يجعل أي برجوازية “وطنية” في تناقض مباشر مع القاعدة الاجتماعية التي يفترض، بناءًا على طرح الأعصر، أن تقودها.
استناد الأعصر إلى أطروحات سمير أمين يضيف بعداً مهماً، لكنه يظل قاصراً لأنه يميل إلى تفسير التخلف بعوامل خارجية وذلك لأن التبعية لا تُفرض فقط من الخارج، بل يُعاد إنتاجها داخلياً عبر سياسات التراكم نفسها، سواء اتخذت شكل رأسمالية خاصة أو رأسمالية دولة. أي أن الطبقات الحاكمة المحلية تشارك عملياً في إعادة إنتاج نفس البنية التي يُفترض أنها تقاومها.
في ما يخص التجربة الناصرية بقيادة جمال عبد الناصر، فإن تصويرها كبديل يتجاوز حدود الرأسمالية يحتاج إلى مراجعة. فالتأميمات لم تُلغِ منطق التراكم، بل أعادت تنظيمه عبر الدولة، وهو ما يتقاطع مباشرة مع مفهوم “رأسمالية الدولة”؛ حيث تستمر أولوية الاستثمار الثقيل والتراكم السريع على حساب الاستهلاك، وتظل الطبقة العاملة خاضعة للانضباط والإكراه، حتى في غياب الرأسمالي الفردي.
أما عن فكرة أن أي مشروع سيادي يُعد تهديداً للإمبريالية فهي صحيحة جزئياً، لكنها تُغفل أن النظام العالمي قادر على استيعاب مشاريع كثيرة طالما بقيت داخل منطق التراكم. ونرى أن ما لم يتم كسر هذا المنطق نفسه، فإن كل محاولات “الاستقلال” ستظل تدور داخله، وتعيد إنتاج تناقضاته، حتى وهي تسعى إلى تجاوزه.
مصر بين الاحتلال وبناء دولة يوليو
لفهم انقلاب 23 يوليو 1952 يجب البدء بتحليل البنية الاجتماعية والسياسية لمصر قبلها. كان المجتمع المصري معيقًا للتطور الرأسمالي نتيجة ثلاثة عوامل مترابطة؛ الاحتلال البريطاني الذي أعاق أي مشروع تنموي مستقل، هيمنة كبار ملاك الأرض الذين استمروا في الاستفادة من العلاقات مع الاستعمار وغياب اهتمامهم بالتصنيع، والنظام الملكي الذي رسخ هذه البنية السياسية–الاقتصادية.
في ظل هذه الظروف، هيمنت داخل اليسار الماركسي–اللينيني رؤية الستالينية الكلاسيكية القائلة بوجوب المرور بثورة وطنية ديمقراطية لتحقيق الاستقلال الوطني والإصلاح الزراعي وإرساء قواعد مشروع رأسمالي مستقل قبل الانطلاق نحو الثورة الاشتراكية. هذا التصور، المعروف بنظرية الثورة على مرحلتين، افترض أن البرجوازية الوطنية يمكن أن تلعب دورًا قياديًا في هذه المرحلة، أو عبر تحالفات مثل الجبهة الشعبية التي تضم العمال والفلاحين والبرجوازية الصغيرة، مع بقاء أهدافها ضمن إطار تراكم رأسمالي.
لكن في الحالة المصرية تحديدًا، يطرح سؤال جوهري نفسه: لماذا لم تتمكن الطبقة العاملة من طرح نفسها كقوة حاكمة؟ ولماذا لم يُفتح أفق مباشر نحو الثورة الاشتراكية؟ لا يمكن الإجابة عن ذلك بمعزل عن الشروط الموضوعية التي أحاطت بها؛ فقد عانت الطبقة العاملة من ضعف التنظيم، والقمع السياسي، وهيمنة الاحتلال، وهو ما حدّ من قدرتها على الفعل المستقل.
ولا يمكن فهم حدود الفعل العمالي بالاقتصار على ضعف التنظيم أو القمع فقط، إذ شهدت مصر منذ مطلع القرن العشرين تشكلًا فعليًا لطبقة عاملة صناعية خاضت موجات متتالية من الإضرابات والتنظيمات النقابية. فقد لعب عمال الترام والسكك الحديدية دورًا محوريًا في ثورة 1919، حيث تحولت الإضرابات إلى عنصر حاسم في شلّ بنية الاحتلال، بما كشف عن قدرة العمال على الفعل السياسي الجماعي، لا مجرد المطالبة الاقتصادية.
وتكرر هذا الحضور في الأربعينات، خصوصًا في قطاع النسيج، حيث شهدت مناطق مثل شبرا الخيمة والمحلة الكبرى إضرابات واسعة وصلت في بعض الأحيان إلى احتلال المصانع، في مواجهة مباشرة مع الدولة وأصحاب العمل. كما برزت لحظات تقاطع مهمة بين الحركة العمالية والحركة الطلابية، كما في موجة 1946، حيث تشكلت نواة لتحالف اجتماعي أوسع كان يمكن أن يفتح أفقًا سياسيًا مختلفًا، قائمًا على تعبئة جماهيرية من أسفل، لولا مجزرة كوبري عباس، وإجهاض الأحزاب والقوى السياسية—من حزب الوفد إلى الإخوان المسلمين—للحركة وسعيهم إلى احتواء الحركة أو توجيهها بما يخدم استقرار النظام.
وحتى مع صعود البرجوازية الصناعية “الوطنية”، التي ضمت كبار ملاك الأرض وقطاعات من البرجوازية المرتبطة بالسوق العالمية، لم يتغير هذا المسار المعادي للعمال، بل جرى ضبط الحركة العمالية ضمن حدود لا تهدد عملية التراكم أو بنية السيطرة القائمة.
لم تُظهر البرجوازية المصرية أبدًا استعدادًا للقطيعة مع البنية القائمة، إذ ارتبطت مصالحها بها، ما جعلها تميل إلى التسوية أكثر من التغيير الجذري، فأصبحت محصورة في كونها طبقة الثورة المضادة.
من هنا تبرز أهمية تصور بديل يتجاوز الفصل الميكانيكي بين مرحلتين، وهو ما عبر عنه ليون تروتسكي في كتابه “الثورة الدائمة” (1930)، وترى نظرية الثورة الدائمة أن مهام ما يسمى بالثورة الوطنية الديمقراطية لا يمكن إنجازها بشكل متسق إلا عبر قيادة الطبقة العاملة نفسها، وضمن أفق اشتراكي أوسع. فالعجز البنيوي للبرجوازية لا يقتصر على عدم قدرتها، بل يمتد إلى عدم رغبتها في تفكيك البنية التي تستمد منها موقعها.
في ظل هذا الفراغ الاجتماعي والسياسي، برز الجيش ومعه قطاعات من الانتلجنسيا كقوة قادرة على الحسم. فجاء تدخل ضباط يوليو ليملأ هذا الفراغ عبر انقلاب سريع نفذ بالفعل عددًا من مهام الثورة الوطنية الديمقراطية—كالاستقلال النسبي، والإصلاح الزراعي، وبدايات التصنيع—لكن من أعلى، دون تعبئة جماهيرية مستقلة أو بناء آليات ديمقراطية تتيح مشاركة حقيقية للطبقات الشعبية. وهنا يتجلى الطابع المزدوج للتجربة، دور تحديثي ملموس من جهة، مقابل إقصاء سياسي وهيمنة بيروقراطية من جهة أخرى.
كيف لنظام يرفع شعارات التحرر أن يبدأ عهده بإعدام عمال؟ الإجابة أن ما حدث في كفر الدوار عام 1952 لم يكن إلا إعلانًا مبكرًا لطبيعة سلطة ورثت أدوات القمع وأعادت توجيهها.
في شهر أغسطس من ذلك العام، وبعد أسابيع قليلة من استيلاء الضباط على السلطة وإلقائهم لبيانات وخطب “الثورة”، اندلعت إضرابات عمالية في كفر الدوار مطالبة بتحسين الأجور وتشكيل نقابات مستقلة. ورغم الطابع المحدود لهذه المطالب، جاء رد النظام سريعًا وحاسمًا عبر المحاكمات العسكرية وإعدام قادة الإضراب، العاملين خميس والبقري.
يمكن فهم هذا المسار بشكل أعمق إذا وضعناه في سياق أوسع من تجارب التحديث من أعلى، كما في النموذج الستاليني الذي نشأ في ظروف تاريخية خاصة عقب الثورة الروسية. فمع تراجع الفعل المستقل للطبقة العاملة هناك، صعدت بيروقراطية حاكمة أعادت توجيه الدولة لتصبح أداة للتراكم والإدارة من أعلى، بما في ذلك حلّ الكومنترن، مع احتفاظها بخطاب ثوري شكلي. هذا التشابه لا يعني التطابق، لكنه يتيح إطارًا لفهم كيف يمكن لقوى غير جماهيرية أن تنجز مهام تحول اجتماعي حقيقي، وإن بشكل مشوه وقمعي/دموي ومحدود.
وقد انعكس هذا الطابع البيروقراطي بوضوح على حدود التجربة الناصرية نفسها، حيث اتُخذت قرارات كبرى—مثل التدخل في اليمن أو “إدارة الصراع” مع الاحتلال الإسرائيلي وصولًا إلى هزيمة 1967—في إطار مركزي مغلق.
في مقدمة كتاب “في تشريح الهزيمة: حرب يونيو 1967 بعد خمسين عامًا” (دار المرايا، 2017) يشرح الكاتب والباحث خالد منصور أن النظام الناصري خاصم السياسة منذ منتصف الخمسينات “بمعناها المؤسسي وفضّل عليها تأمين النظام الحاكم، معتقدًا أن النظام هو الأكثر دراية ومعرفة بمصالح مصر وأمنها القومي. ارتكن النظام على الجيش وأجهزة الأمن، حيث دارت العلاقات الرئيسية للسلطة.”
ويشرح منصور أن شعبية عبد الناصر تعود إلى مسّه “وترًا حساسًا” لدى شعوب المنطقة المنكوبة المستعمرة…الكرامة. وقد حقق عبدالناصر شعبية ضخمة، خصوصًا وقد نجح في أول عقد له في الحكم في التصدي لخطط إسرائيل التوسعية وتحدي الاحتلال الإنجليزي.
يتجلى ذلك في مقال الأعصر الذي بدأته بشعار عبد الناصر الشهير “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”. تُقر الأعصر بأن هذا الشعار استُخدم أداةً للقمع وإسكات المعارضة، وهذا إقرار جريء يستحق التقدير. لكنها تعود لتُعلّق الحكم النهائي عليه وتقول إن “جوهر المعضلة لم يُحلّ أبداً”، متوقفةً عند حدود التشخيص دون أن تسأل عن الجهة التي يخدمها هذا التعليق للحكم، ومن يجد في إبقاء هذا الشعار معلقاً في الفضاء السياسي مصلحةً له.
وقد قلنا في بداية نصنا هذا أن الخطأ النظري يتحول في لحظات كهذه إلى عائق مادي أمام أي إمكانية للتحرر. هذا بالضبط ما يجسده هذا الشعار. فحين يُستدعى اليوم في زمن الإبادة في غزة، فوظيفته الضمنية هي تأجيل السؤال الاجتماعي، وتعليق الصراع الطبقي، وإرجاء محاسبة النظام المصري على تواطئه الفعلي في الحصار.
والتاريخ المادي يُجيب بوضوح عن السؤال الذي تتحاشى الأعصر طرحه بشكل مباشر. فحين أُعلن الشعار في الخمسينيات والستينيات كانت نتيجته تحريم الإضراب وتجريمه، وحل الأحزاب والتنظيمات الجماهيرية المستقلة وقمع الحركة الطلابية بوحشية واحتواء الحركة العمالية داخل أجهزة الدولة حتى أصبحت امتداداً لها!
دعا عبد الناصر الجماهير المصرية إلى الصمت والتضحية والمجهود الحربي، بينما كانت بيروقراطية الدولة والضباط وكبار الموظفين يبلورون طبقة حاكمة جديدة تراكم مواقعها وامتيازاتها في الظل. والأداة التي يُجرَّد منها العامل في مواجهة الرأسمالية هي بالضبط قوة تنظيمه الجماعي، فحين تسقط هذه القوة يبقى الفرد وحيداً أمام جهاز دولة يتحدث باسمه ويعمل ضد مصالحه.
“لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” هو الآلية التي يعمل بها الفصل بين “التحرر الوطني” والتغيير الاجتماعي على أرض الواقع. المقاومة الفلسطينية التي صمدت في وجه الكيان القاتل تعلم جيداً أن تحرير فلسطين يحتاج إلى شعوب منظمة قادرة على الحراك، لا إلى شعوب مُقيَّدة باسم التضامن معها.
كيف لنا أن نقرأ توابع هذا الشعار في اللحظة الراهنة في مصر، حيث قتل النظام العسكري المتحالف مع الكيان كل حراك اجتماعي مستقل؟ شعب طلابه في السجون وعماله مُقيَّدون وكل مساحة تنظيمية تفككت، أيُعقل بعد كل هذا أن يكون الشارع وحده الأداة الكافية لتحرير مصر وفلسطين؟! هذا التساؤل يقودنا بالضرورة إلى البنية الاقتصادية التي أنتجت هذا الجهاز الذي يقتل شعبه ويحاصر فلسطين في الوقت ذاته، وهي بنية صاغها عبد الناصر وطبقها السادات.
كما كتب منصور، “الخطب لا تصنع جيوشًا ولا ترفع من شأن المواطنين.كرامة الشعوب التي نادى بها الرجل خطيبًا كانت تهان عمليًا على يد الأنظمة القومية السائدة وقتها، وعلى رأسها مصر. ولذا فلم يتبقى سوى الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية التي حققها النظام للطبقات الوسطى والدنيا في مجالات الصحة والتعليم والإسكان. لكن حتى هذه الإنجازات، المدفوعة بخطط تصنيعية طموحة، والممولة إلى حد كبير من تأميم مصالح اقتصادية أجنبية ضخمة وإعادة توزيع ملكية الأراضي، بدأت تترنح في 1966 في ضوء الضعف الهيكلي في الاقتصاد المصري.”
إصلاحات عبد الناصر و”إنجازاته” المحلية لم تكن إلا منحًا فوقية يقررها الزعيم من الأعلى. يعطيها الزعيم كما يشاء، ويسحبها كما يشاء عند تغيّر موازين القوى. وما يمنحه القائد بيده العليا، لا يمكن أن يستمر إلا إذا انتزعها الشعب بأيديه من أسفل.
لم تهزم الإمبريالية عبد الناصر…الحقيقي هي أن نظام عبد الناصر هزم نفسه قبل أن تهزمه إسرائيل، وقد حرم ناصر شعبه، من عمال وطلاب وقوى سياسية، الحق في ممارسة الفكر والصحافة الحرة والإنتاج المعرفي والثقافي وتنظيم بنية تحتية شعبية من نقابات عمالية واتحادات طلابية وأحزاب سياسية قادرة على مساندته في وجه المال الخليجي والسلاح الإسرائيلي ومكينة البروبجندا الإمبريالية.
هكذا تشكلت دولة يوليو كسلطة بيروقراطية عسكرية جمعت بين دور تحديثي فعلي في إعادة تشكيل الاقتصاد والمجتمع، وطابع سلطوي أقصى الجماهير من الفعل السياسي. هذا التناقض الداخلي لم يُحل، بل أعاد إنتاج نفسه في مسارات لاحقة، حيث مهد تدريجيًا لتحول الدولة نحو أشكال أكثر اندماجًا في النظام الرأسمالي العالمي، وصولًا إلى مرحلة ما بعد كامب ديفيد، مع استمرار جوهر البنية العسكرية–البيروقراطية الحاكمة.
دولة يوليو دكتاتورية عسكرية، ومن رحمها ولدت جمهورية كامب ديفيد.
“جمهورية كامب ديفيد” امتداد لا حياد عن دولة يوليو
تُقدّم الأعصر عام 1978 حداً فاصلاً في تاريخ مصر الحديث، قبله مصر السيادة، وبعده مصر التبعية. هذا التأطير مريح لأنه يُبقي الماضي طاهراً ويُحيل كل ما تلاه إلى خيانة السادات وضغط الإمبريالية الخارجية. تُعيد الأعصر تأطير كامب ديفيد في إطار الهيمنة الإمبريالية الأمريكية على المنطقة، وترى أن انتقال مصر إلى المعسكر الأمريكي أفضى إلى تقليص دورها الإقليمي ونفوذها وإمكاناتها، وأن هذا الانتقال حوّل الدولة المصرية إلى شرطي يُأدّب شعبه لصالح الاستقرار الإمبريالي. هذا التشخيص يتوقف في المكان الذي يجب أن يبدأ فيه السؤال لماذا أمكن لكامب ديفيد أن تُولد أصلاً؟ إذا كانت كامب ديفيد قطيعة حقيقية مع ما سبقها، فلماذا استمر الجهاز ذاته، بالمنطق الطبقي ذاته، عبر ثلاثة رؤساء وثورة شعبية كاملة؟
الإجابة تبدأ من رفض الفصل بين ما قبل كامب ديفيد وما بعدها. جمهورية كامب ديفيد امتداد لجمهورية يوليو، والخيط الرابط بينهما هو البنية الطبقية لدولة أُقيمت منذ البداية على إسكات الطبقة العاملة وتمركز السلطة في جهاز يعمل بعيداً عن أي رقابة شعبية مستقلة.
هزيمة 1967 اللحظة كاشفة على هذا الواقع دُمّرت القوات الجوية شبه كلياً، واحتُلّت سيناء كاملةً، وتبخّر الزخم العسكري الذي راكمته مصر منذ تأميم القناة. لكن الأهم هو ما تبع الهزيمة مباشرة، إذ كشف عن ضعف الطبقة الحاكمة البنيوي في مواجهة الإمبريالية. في نوفمبر 1967، بعد خمسة أشهر فقط من الكارثة، قبِل عبد الناصر قرار مجلس الأمن 242 ووافق على العمل معه. قبول الدول العربية لهذا القرار، ومنها مصر والأردن، كرّس الاعتراف بالاحتلال الحاصل في موازين القوى، إذ نصّ القرار على إنهاء حالة الحرب والاعتراف الضمني بإسرائيل دون ربط ذلك بحل القضية الفلسطينية التي اختزلها في مشكلة لاجئين، ووضع أسساً لتسوية دائمة تقوم على منطق “الأرض مقابل السلام” بديلاً عن منطق التحرير.
عبد الناصر واصل المسار مع اشتداد حرب الاستنزاف بين 1967 و1970، التي أوقعت خسائر موجعة في الجيش الإسرائيلي، طرح وزير الخارجية الأمريكي وليام روجرز في يونيو 1970 مبادرته لوقف إطلاق النار لمدة تسعين يوماً والدخول في مفاوضات على أساس القرار 242. وفي يوليو 1970، خلال زيارته للاتحاد السوفياتي، أعلن جمال عبد الناصر قبوله المبادرة الأمريكية لاحتياج القوات المصرية لفترة التقاط أنفاس والانتهاء من مواقع الصواريخ على الشاطئ الغربي للقناة، بعد أن بلغت خسائر المدنيين المشاركين في بناء قواعد الصواريخ أربعة آلاف شهيد. وقد كشف عبد الناصر السبب الأعمق لهذا القبول بنفسه أمام اللجنة التنفيذية العليا حين قال “فترة إيقاف إطلاق النار ستساعد على بناء المواقع الجديدة للصواريخ التي نحاول من ديسمبر الماضي 1969 أن نبنيها تحت وطأة الغارات الجوية المستمرة دون جدوى.”
التفاوض مع أمريكا كان أداةً تكتيكية لكسب وقت عسكري، لكن الدولة البرجوازية حين تفتح هذا الباب تكتشف أن الطبقة التي تُديرها تملك دوافع بنيوية للإبقاء عليه مفتوحاً، لأن مصالحها في الاستقرار تتقدم دائماً على شعارات التحرير. انتقلت مصر إلى مسار التفاوض بوساطة أمريكية، وهو المسار الذي وجد في السادات وريثاً أكثر اتساقاً من ناصر وأكثر وضوحاً في استكماله. السادات حين تسلّم السلطة في سبتمبر 1970 ورث مسار تفاوض بدأه سلفه، وجهازاً دولتياً مركزياً جاهزاً للتوجيه في أي اتجاه، وطبقةً بيروقراطية عسكرية تبحث عن الاستقرار بعد عقدين من الحروب المتواصلة والإنفاق العسكري المُنهِك. وحرب أكتوبر 1973، التي يرى فيها القوميون ذروة البطولة العربية، كانت في نظر السادات ومعظم شهادات القادة العسكريين توغلاً محسوباً يهدف إلى الجلوس على طاولة التفاوض مع أمريكا.
قبل توقيع الاتفاقية بسنوات، كان المسار الاقتصادي يسير في الاتجاه ذاته. في عامَي 1974 و1975 صدرت مجموعة من القوانين والقرارات شكّلت الإطار القانوني لما عُرف بسياسة الانفتاح، كان أبرزها قانون استثمار المال العربي والأجنبي والمناطق الحرة رقم 43 لسنة 1974، الذي فتح الاقتصاد المصري على مصراعيه أمام رأس المال الأجنبي في جميع القطاعات تقريباً. خلق هذا القانون طبقة صغيرة من رجال الأعمال والمستوردين والمنتفعين، فيما همّشت الشركات الأجنبية والخاصة العاملين في القطاع الحكومي، وأضعفت القطاعات الإنتاجية الحيوية خاصة الزراعة والصناعة. واتجهت الاستثمارات نحو القطاعات الخدمية والاستهلاكية وسوق العقارات والتجارة وأعمال الوساطة، وتحولت مصر منذ عام 1974 إلى مستورد صافٍ للسلع الزراعية، فارتبط اقتصادها ارتباطاً عضوياً بالسوق الدولية التي تحكمها المنظومة الإمبريالية.
الطبقة العاملة المصرية كانت أول من تحمّل فاتورة هذا التحول، وردّت عليه بالمقاومة قبل أن تُسرق منها أدواتها. منذ يناير 1975 أضرب عمال حلوان واحتلوا مصانعهم، وفي مارس من العام ذاته أعلن 27 ألف عامل من عمال شبرا الخيمة الإضراب وتبعهم عمال النسيج في المحلة الكبرى، وفي أبريل أضرب عمال مصنع السكر بنجع حمادي وتبعهم عمال ترسانة بورسعيد. هذا الحراك العمالي المتصاعد أثبت أن الطبقة العاملة المصرية تمتلك الوعي والقدرة على المقاومة المستقلة، وهو بالضبط ما استدعى من الدولة رداً قانونياً يُجهض هذا الاستقلال، فأصدر السادات قانون النقابات العمالية رقم 35 لسنة 1976 لفرض مزيد من القيود على الحركة العمالية. ثم جاءت اللحظة الأكثر فجاجةً في تاريخ الانفتاح وتوابعه، ففي 17 يناير 1977 أعلن نائب رئيس الوزراء للشئون المالية والاقتصادية الدكتور عبد المنعم القيسوني أمام مجلس الشعب رفع الدعم عن السلع الأساسية، وبذلك رفع أسعار الخبز بنسبة 50% والسكر 25% والشاي 35%، وخمساً وعشرين سلعة أخرى، مرتبطاً ذلك بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. انطلقت الانتفاضة من التجمعات العمالية في حلوان وشبرا الخيمة والإسكندرية، والتحق بها الطلبة والموظفون حتى أصبحت الأضخم في تاريخ مصر الحديث قبل يناير 2011.
وقد أصدر المستشار حكيم منير صليب حكمه التاريخي بالبراءة مؤكداً أن تلك الأحداث “كان سببها المباشر والوحيد إصدار القرارات الاقتصادية برفع الأسعار، فهي متصلة بتلك القرارات اتصال المعلول بالعلة والنتيجة بالأسباب.” ردّ السادات بوصف الانتفاضة طوال حياته بـ”انتفاضة الحرامية”، واستدعى الجيش لقمعها وفرض حظر التجول، وألغى القرارات تحت الضغط الشعبي، ثم عاد بعد أشهر قليلة ليزور الكنيست الإسرائيلي في نوفمبر 1977 ويفتح باب كامب ديفيد. التسلسل الزمني يكشف المنطق الطبقي، الشعب يُقمَع في يناير، والتطبيع يُوقَّع في سبتمبر.
كامب ديفيد جاءت تتويجاً لمسار اقتصادي-سياسي لدولة تحمي مصالح الطبقة التي تحكمها بداء بجمهورية يوليو. النضال ضد كامب ديفيد يستحيل فصله عن النضال الاجتماعي الداخلي، لأن النظام الذي وقّعها هو النظام ذاته الذي يُفقر الطبقة العاملة المصرية ويُجرّم تنظيمها المستقل. المعركة ضد الاستبداد والمعركة ضد محتكري الثروة معركة واحدة.
تعريف الإمبريالية وفخ القومية واستبدال البروليتاريا ب”الجماهير” وضيق أفق مشاريع التحرر الوطني
“عند إنشاء إسرائيل، ظهرت الحاجة لتغيّر الظروف المادية لشعوب المنطقة حتى تستوعب الحقيقة الجديدة لهذا المشروع الاستعماري-الاستيطاني الذي ظهر وسطهم. من ثم، أصبحت أولوية أي مشروع يساري أو تقدمي أو تنموي هي التحرر الوطني أولاً وقبل كل شيء.”
لفهم العلاقة المعقدة بين الوطنية والتحرر الوطني، بل ولماذا نرفض فرض أولوية التحرر الوطني على الثورة الاشتراكية، فعلينا أولًا تأطير هذه العلاقة داخل بنية النظام الرأسمالي العالمي.
في “Imperialism and the Global Political Economy” (الإمبريالية والاقتصاد السياسي العالمي)، يقدّم أليكس كالينيكوس تصورًا نظريًا للإمبريالية الحيّة بوصفها نتاجًا لاندماج جدلي بين منطقين مترابطين، وهما التنافس الاقتصادي بين رؤوس الأموال داخل سوق عالمي متزايد التكامل، والتنافس الجيوسياسي بين الدول التي توفّر لهذه الرأسمالات شروط الحماية والتوسع؛ أي أن الإمبريالية ليست سياسة خارجية عدوانية أو مرحلة اقتصادية، بل بنية مركبة يتداخل فيها الاقتصادي والسياسي على نحو لا يمكن فصله.
ينطلق هذا التصور من تطوير نقدي لأعمال لينين وبوخارين، مع تجاوز النزعة الاختزالية التي ترى الدولة كأداة مباشرة لرأس المال. فالدولة، في تحليل كالينيكوس، تمتلك قدرًا من الاستقلال النسبي، لكنها تظل في الوقت نفسه مندمجة في ديناميات التراكم الرأسمالي العالمي، وتعتمد عليه في إعادة إنتاج قوتها. ونتيجة لذلك، يصبح النظام الدولي ساحة صراع مفتوحة، حيث تتشابك مصالح الدول مع تنافس الشركات، وتتحول المنافسة الاقتصادية إلى توترات جيوسياسية، والعكس صحيح.
يرفض كالينيكوس التصورات التي ترى في العولمة تجاوزًا للإمبريالية أو نهايةً للتنافس بين الدول، كما ينتقد في الوقت ذاته الرؤى التي تختزل النظام العالمي في هيمنة مستقرة لدولة واحدة، حتى لو كانت في موقع القوة مثل الولايات المتحدة. فالإمبريالية تظل بنية غير مستقرة بطبيعتها، تخضع لتوترات مستمرة ناتجة عن تناقضات التراكم الرأسمالي وعن تعددية مراكز القوة داخل النظام.
إذا وضعنا هذا الإطار النظري في الاعتبار، يصبح من الممكن إعادة النظر في مسألة التحرر الوطني. فبدلًا من فهمه كقطيعة جذرية مع الإمبريالية، يظهر التحرر الوطني كعملية تتم داخل نفس البنية العالمية، وتخضع لشروطها. فالدولة التي تنال استقلالها السياسي لا تخرج من منطق التنافس الرأسمالي، بل تدخل فيه بوصفها فاعلًا جديدًا، مضطرة إلى التكيّف مع ضغوط السوق العالمي وشبكات التجارة والاستثمار وموازين القوة الجيوسياسية.
أما عن القومية، فنحن نرفضها بوصفها إطارًا محدودًا لفهم الصراع الاجتماعي؛ إذ إن الرأسمالية نظام عالمي مترابط، ومن ثم فإن مواجهتها لا يمكن أن تتم إلا على هذا المستوى. وقد أشار كارل ماركس إلى أن الطبقة العاملة لا تملك وطنًا بالمعنى السياسي الضيق، بل تتقاسم مصالح مادية مشتركة تتجاوز الحدود. غير أن القومية تعيد صياغة هذا الواقع، فتحوّل الصراع من كونه صراعًا بين طبقات إلى صراع بين أمم، وبذلك تربط العمال بمصالح طبقاتهم الحاكمة بدلًا من دفعهم نحو التضامن الأممي.
وقد بلور تروتسكي هذا التصور في “الثورة الدائمة”، حيث أوضح أن التطور الرأسمالي قد تجاوز الدولة القومية، بينما بقيت السلطة السياسية حبيسة حدودها. هذا التناقض يجعل بناء الاشتراكية في بلد واحد مشروعًا هشًا ومعزولًا، ومن هنا تأتي ضرورة امتداد الثورة على نطاق أممي. ويعود تروتسكي في الأممية الثالثة بعد لينين لينتقد التحول نحو “الاشتراكية في بلد واحد”، وهي نظرية ابتدعها جوزيف ستالين كانحراف عن الماركسية الحقيقية—كما شرح الأكاديمي الماركسي البريطاني جون مولينو في كتابه “ما هو التراث الماركسي الحقيقي؟” (1985)—معتبرًا إياه تعبيرًا عن مصالح بيروقراطية تُقدّم استقرار الدولة على حساب الثورة العالمية، وتحوّل القومية إلى أداة لتبرير ذلك.
لكن النظرية وحدها لا تكفي.
تصرّ الأعصر، في عنوان مقالها ومستندة إلى كلمات جورج عبد الله، على أن “شرط الحرية أن تنزل جماهير مصر إلى الشارع”، ونحن متفقون بقدر، لكننا نختلف حقًا مع عفوية هذا الشعار. الجماهير نزلت في يناير 2011، وكان نزولها الأضخم في تاريخ مصر الحديث. ومع ذلك، فإن السيسي موجود اليوم، وبيروقراطية الدولة سليمة، واتفاقيات كامب ديفيد قائمة. فما الذي أسقطه النزول؟
في مقالها، تعتبر الأعصر أن “الجماهير” محور الطريق للحرية، لكن الجماهير ليست كتلة موحدة أو صامتة.
الجماهير المصرية التي رفضت تنحي عبد الناصر في 1967 لم تكن كتلة متجانسة تحمل نفس المشروع والأهداف. كان من هذا الجمهور العمال الذين التهم التضخم بسبب الإنفاق العسكري أجورهم، والمجندون الباقون في خدمة مفتوحة بلا أجل، وموظفو الدولة وصف ضباط الجيش الذين تراكمت لديهم السلطة والنفوذ. جميع هؤلاء يُعدّون جماهير، لكن كل فئة تقف في موقع متناقض مع الأخرى تمامًا. مصطلح “الجماهير” يوحّد ما يستلزم تفكيكه لكشف ما يخفيه خلف وحدته من بنية طبقية.
الجيش استولى على السلطة في 2011 لأنه تنظيم مؤسسي متماسك، مارس لعقود تراكم التجربة والذاكرة المؤسسية، في مواجهة حركة تفجّرت بعفوية هائلة وتبعثرت لغياب المنظمة التي تحولها إلى قوة دائمة. العفوية الثورية مصدر قوة لا يُستهان به في لحظة الاشتعال، لكنها تصبح ثغرة قاتلة في مسار ما-بعد الغليان. الطاقة الثورية للجماهير قادرة على إسقاط الرؤوس، لكنها تعجز عن تفكيك الأبنية.
أما الطبقة العاملة، فتحتل موقعًا متميزًا، لأن وجودها في عملية الإنتاج يمنحها قوة مادية لا تمتلكها أي قوة اجتماعية أخرى. العمال يقفون في قلب الآلة الاقتصادية التي تُنتج الثروة وتُعيد إنتاج النظام، ومن هذا الموقع بالذات يملكون القدرة على شلّ النظام عبر الإضراب واحتلال مواقع الإنتاج. التواجد في الميدان يُربك الدولة، لكن توقف الإنتاج يُهددها في عصبها الاقتصادي، ومن هذا التمييز تنبثق استراتيجية ثورية مختلفة جوهريًا عن استراتيجية النزول إلى الشارع. إضرابات المحلة الكبرى عام 2008 كانت درسًا واضحًا في هذا الصدد، حين وقف العمال في مصانعهم، فُفتح الطريق إلى يناير 2011.
المصنع سبق الميدان، والميدان بلا مصنع يتبدد.
يتضح أن رهان الأعصر يقتصر على “جماهير” تعمل ككتلة صماء مؤمنة بمشروع وطني يخدم النخبة، وفي الوقت نفسه تُقدّم السيادة الوطنية حلاً دون تحليل طبقي للفاعل الثوري أو أداة تنظيمية واضحة.
ومن هذا المنطلق، لا تقتصر إشكالية القومية على بعدها النظري، بل تظهر بوضوح في التجارب السياسية المرتبطة بما سُمّي بـ”العالم الثالث”. فقد نشأت اتجاهات مثل العالم-ثالثية (third-worldism) والمعسكريّة (campism)، التي تميل إلى استبدال التحليل الطبقي بتحليل جيوسياسي؛ فالأولى تنظر إلى دول أو حركات “العالم الثالث” باعتبارها كتلة ثورية بحكم موقعها في النظام العالمي، بينما تختزل الثانية الصراع في انقسام بين “معسكرات”، بحيث يُمنح الدعم لأنظمة أو حركات فقط لأنها تقف في مواجهة معسكر إمبريالي آخر. في الحالتين، يصبح موقع الدولة في النظام الدولي أهم من طبيعة علاقاتها الطبقية الداخلية.
وقد أدى ذلك إلى التعامل مع أنظمة قومية أو حركات تحرر—كما في الصين أو كوبا—بوصفها تجسيدًا مباشرًا للاشتراكية، رغم أن هذه التجارب نشأت في سياقات غاب فيها الدور المستقل للطبقة العاملة، وحلّت محلّه قيادات من البرجوازية الصغيرة أو النخب الثورية. وهنا يتحول النضال من مشروع تحرر طبقي إلى مشروع بناء دولة قومية، حتى لو اتخذ خطابًا اشتراكيًا.
في هذا السياق، تكتسب القومية طابعًا مزدوجًا؛ فقد تكون أداة مقاومة ضد الهيمنة الإمبريالية، لكنها قد تتحول أيضًا إلى أيديولوجيا تُخفي التناقضات الطبقية تحت شعار “المصلحة الوطنية”، وتُستخدم لتبرير القمع وإقصاء المعارضة.
كما قد تُنتج ما يمكن تسميته بـ”الاستقلال الصوري”، حيث تحقق الدول استقلالًا سياسيًا شكليًا، بينما تظل مندمجة في علاقات تبعية اقتصادية وعسكرية داخل النظام العالمي، ما يجعلها في واقعها دولًا كمبرادورية تخدم مصالح نخبتها أو رأس المال الأجنبي بدلًا من مصالح شعوبها، وهو ما يحد من قدرتها على تحقيق تحرر اجتماعي حقيقي.
وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن دعم التحرر الوطني يظل ذا طابع تقدمي بقدر ما يضعف السيطرة الإمبريالية، لكنه يبقى محدودًا ما لم يرتبط بمشروع أممي مستقل للطبقة العاملة. فالوطنية، رغم قدرتها على الحشد، لا تضمن في حد ذاتها تحقيق العدالة الاجتماعية، وقد تصبح وسيلة لإعادة إنتاج الهيمنة في شكل جديد—ولنا في سياسات قمع عبد الناصر وستالين ألف مثال ومثال—خاصة حين تُختزل السياسة في “اختيار معسكر” بدلًا من بناء بديل طبقي عابر للحدود.
خلاصة القول، لا يكتمل معنى التحرر إلا إذا تجاوز الإطار القومي، وارتبط بأفق أممي يعيد طرح مسألة التحرر بوصفها تحررًا اجتماعيًا شاملًا، لا مجرد استقلال سياسي داخل نظام عالمي قائم.
ويبقى السؤال: هل كل هذا يعني أننا قد نشارك الأعصر في السعي لتحرير فلسطين أننا نتبنى بالضرورة نفس تصورها عن المشروع النهائي، أم أن تضامننا المشترك ما هو إلا تقاطع مع اختلاف الأفق السياسي.
تصورنا عن تحرير فلسطين ودور التنظيم والحزب الثوري
نحن لا نحلم بفلسطين حرة من النهر للبحر بالصيغة المتعارف عليها، أي نهاية الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية “مستقلة” على كامل فلسطين، من صفد لرفح. قد نكافح من أجل ذلك، لكن باعتباره الحد الأدنى من فهمنا للتحرير.
نحن نحلم بفلسطين حرة من النهر إلى البحر نعم، لكنها فلسطين سلطتها في يد عمالها وفلاحيها ومنتجيها الحقيقيين، كواقع مادي يومي يُعاش في كل شبر من الأرض المحررة. هذا ما يجعل تحرير فلسطين مشروعاً يتجاوز الفلسطينيين وحدهم ليصبح أفقاً لتحرر شعوب المنطقة كلها، لأن إسرائيل وحكامنا المطبعين المستبدين هم نتاج منظومة واحدة: الرأسمالية.
لا نحلم بفلسطين حرة تشبه مصر التي “حررها” انقلاب الضباط الأحرار في 23 يوليو 1952، ففلسطين التي نحلم بها تبدأ من رفض هذا النموذج رفضاً جذرياً، كشرط وجودي، لأن أي مشروع لا يضع في قلبه إنهاء كل أشكال الهيمنة والتبعية سيظل مهددًا بإعادة إنتاجهما، حتى لو حمل اسمًا وطنيًا.
يجب على عملية التحريرأن تتجاوز حدود الدولة إلى إعادة توزيع القوة في المجتمع كله، بحيث لا تعود السيطرة ممكنة لا بالقوة العسكرية ولا بالاقتصاد ولا بالبنية الاجتماعية. فلسطين التي نحلم بها تضم مجتمعًا تكون فيه الأرض لمن يزرعها والمصنع لمن يُشغّله والقرار للشعب الذي يتحمل تبعاته.
هذا يعني أن التحرير لا يكتمل عند حدود طرد المستعمر، بل يبدأ من هناك. يبدأ حين تنكسر العلاقة الطبقية التي جعلت الاستعمار ممكناً أصلاً، لأن الاستعمار الصهيوني أداة في خدمة منظومة رأسمالية عالمية تستنزف شعوب المنطقة بأكملها، وتجد في الطبقات الحاكمة المحلية شركاءها الأوفياء. تفكيك هذه المنظومة يستلزم تفكيك علاقات القوة التي تُديرها من الداخل.
كما أن القضية الفلسطينية خصيصًا تحمل بُعداً يتجاوز التضامن الأخلاقي الواجب، إنها مصير مشترك يربط تحررها بتحرر الطبقات الكادحة في كامل المنطقة. المقاومة الفلسطينية التي دمّرت أسطورة الجيش الذي لا يُقهر في عملية طوفان الأقصى في أكتوبر 2023، وصمدت في وجه أشرس إبادة في القرن الحادي عشر، تُجسّد مفهوم التراكم التاريخي للمقاومة إلى جانب انتصارات صغيرة تتراكم لتُسقط ما بدا راسخاً إلى الأبد.
هذا المنطق ذاته يسري على الصراع الطبقي في مصر.
ولذلك، نشدد على أن النضال ضد كامب ديفيد يستحيل فصله عن النضال الاجتماعي الداخلي، لأن النظام الذي وقّعها هو النظام ذاته الذي يُفقر الطبقة العاملة المصرية ويُجرّم تنظيمها المستقل. المعركة ضد الاستبداد والمعركة ضد محتكري الثروة معركة واحدة، والثورة المصرية تكتمل حين تُطيح بالأقلية الحاكمة من رجال الأعمال والجنرالات والتي احتكرت كل السلطة والثروة…وتُدير ماكينة التطبيع مع العدو الصهيوني وتتربح منه.
شرط تحرير فلسطين والتحرر من حكم العسكر في مصر (إسقاط دولة يوليو التي بناها عبد الناصر) هو تنظيم الطبقة العاملة المصرية في مواجهة الطبقة الحاكمة التي تُنتج الهزيمة يومياً، لا خلف مشروع السيادة القومية الذي أثبت أنه يحتاج إلى هزيمة العمال كشرط لانطلاقه.
لا يمر أي مشروع تحرري أو ثوري فوق جثث العمال.
نوقن أن الطريق إلى القدس يمر عبر كفر الدوار وشبرا الخيمة والمحلة الكبرى أولاً. يمر عبر كل موقع الإنتاج مصري التي تُسرق فيها قيمة عمل العمال وتُضخ فيها تراكم رأسمالي يصب في نهاية المطاف في تمويل الآلة العسكرية التي تُبقي إسرائيل. الحرية تبدأ بالمصنع من ثم الشارع وبينهما يلعب الحزب الثوري المستقل والمتجذر في مواقع إنتاج البروليتاريا دوره الجوهري في تحويل الحضور الجماهيري إلى ثورة منظمة، مؤهلةً الطبقة العاملة بالاستراتيجيات والتكتيكات التي تجعل إجهاضها أو حتى احتوائها من قبل الثورة المضادة مستحيلًا.
وهذا هو الفارق الجوهري بين الحزب الثوري والطليعة الكلاسيكية النخبوية (الانتليجنسيا)، فحيث تتحدث الانتليجنسيا بدلًا من “الجماهير” وعوضًا عنها، يبني الحزب الثوري تنظيمه داخل مواقع الإنتاج، ويُراكم ذاكرة الصراع الطبقي جيلًا بعد جيل، ويقدّم مشروعًا هدفه ثورة اشتراكية أممية تنتهي بديكتاتورية البروليتاريا. التنظيم هو ما يُحوّل الحراك العفوي إلى ثورة قادرة على الصمود والمواجهة والانتصار.
شرط تحرير فلسطين هو مواجهة الرأسمالية، وهذا يستحيل دون مواجهة المصريين المنتمين للطبقة الرأسمالية المحلية المتواطئة تمامًا مع الكيان.
فقط الطبقة العاملة، بقيادة الحزب الثوري، قادرة على اقتلاع دولة يوليو من جذورها وقيادة جموع المصريين إلى غزة ثم القدس ووصولًا لصفد.






