بقلم: سيد صديق
في عرضٍ شيِّق، تتخلَّله الكثير من الأمثلة والشروح والأحداث، يتوغَّل الصحفي الفرنسي هيرفي كيمف في التبعات الكارثية التي يُنزِلها النظام الرأسمالي بالبشرية والكوكب منذ العام 1980، وعلى مدار ما يقرب من ثلاثة عقود، حتى العام 2009، وقت صدور الكتاب.
كانت فترة مطلع الثمانينيات نقطة تحوُّل في تاريخ النظام الرأسمالي، الممتد منذ أكثر قليلًا من قرنين، ولا يمثّل في مجمله سوى فترة قصيرة من المغامرة البشرية؛ 2% فقط من التاريخ المسجل الذي بدأ منذ 10 آلاف سنة، أي منذ العصر الحجري الحديث. إن الأضرار التي ألحقتها الرأسمالية بالبشر وبيئتهم أكبر بكثير بحيث لا يمكن مقارنتها بقِصر مدة هذا النظام على وجه الأرض. ولقد تكثَّفت هذه الأضرار في العقود الأخيرة بالأخص، وهي عقود سيادة السوق الحرة والعولمة الرأسمالية وانتصار السلعة على الإنسان، وهي أيضًا العقود الأكثر تأثيرًا بالسلب في المحيط الحيوي، أو العائل الطبيعي للبشر، أي البيئة.
كان عقد الثمانينيات إيذانًا بالانعطاف نحو السيطرة الكاملة للشركات الكبرى، التي انفتح أمامها آنذاك الطريق، بلا رادع، لنهب ثروات العالم من أجل مراكمة المزيد من أرباحها، في إطار اقتصاد عالمي تنافسي لا يرحم. وكان ذلك العقد أيضًا هو الذي وضعت فيه الحرب الباردة أوزارها، وهو الذي أخذ فيه ما سُمّي بـ”المعسكر الاشتراكي” بالتداعي إلى أن انهار نهائيًا في 1991، فأخذت الرأسمالية المنتصرة تحتفي بذاتها، وانطلقت أبواق “نهاية التاريخ”، أي الانتصار الحاسم لليبرالية الجديدة، النسخة الأشر من الرأسمالية، وأدواتها صندوق النقد والبنك الدوليان.
ومن خلال استعراض السمات التي يرى الكاتب أنها مميّزة للرأسمالية في عقودها الأخيرة، يبيّن هذا الكتاب، الذي صدرت ترجمته العربية عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة عام 2013، وقام بترجمته الدكتور أنور مغيث، أستاذ الفلسفة المعاصرة بكلية الآداب، جامعة حلوان، خطر استمرار النظام الرأسمالي على البشر والبيئة، طارحًا ضرورة تجاوزه بإعادة بناء مجتمع جديد يتفوّق فيه التعاون على المنافسة، ويكون الصالح العام هو الأولوية.
لا يقوم هذا الكتاب على التأملات والتحليلات الفلسفية بقدر ما يستند إلى رصد الواقع الحي؛ ذلك الرصد المدعوم بفيضٍ كبير من الإحصاءات الصادمة (التي يبدو من غير الضروري إثقال هذا العرض المختصر بالكثير منها). ويتمتع الكتاب، خلال ذلك، بأسلوبٍ صحفي متميّز يُغري القارئ بالاسترسال حتى صفحته الأخيرة.
وعلى عكس ما يوحي به عنوان الكتاب بأنه متمحور حول الدفاع عن البيئة ضد الزحف الرأسمالي، يتطرّق الكتاب إلى تنوّع من الموضوعات المرتبطة ببعضها والمتداخلة معًا؛ من الفساد وتضخّم القطاع المالي والتفاوتات الطبقية، إلى الاستهلاكية والفردية، إلى التأثيرات المدمّرة للبيئة، وغير ذلك. لكن الخيط اللامع بين السطور، والذي يبدو أنه يجمع كل هذه الموضوعات معًا، هو مفهوم “الاغتراب”، الذي سنتناوله في السطور التالية. لكن قبل ذلك، سنعطف إلى عرض السمات التي يحدّدها كيمف بأنها الأكثر تميّزًا للنظام في العقود الأخيرة: الليبرالية الجديدة والعولمة الرأسمالية.
ملامح النظام
يعدِّد كيمف الملامح الرئيسة التي تميّز الليبرالية الجديدة عمّا قبلها. ليست هذه الملامح جديدة في جوهرها على النظام الرأسمالي؛ فالاختلاف فقط هو أن النظام في عقوده الأخيرة أظهر ميلًا خطيرًا إلى مضاعفتها. وهذه الملامح ليست سمات عابرة، بل ركائز أساسية لم يعد بإمكان النظام التخلي عنها، إلا إذا قرر الانتحار. وترتبط هذه الركائز جميعًا بجذر واحد، هو التنافس المفتوح والسعي المحموم لمراكمة رؤوس الأموال بغية تحقيق المزيد من الأرباح، بغضّ الطرف عن إشباع احتياجات البشر.
أولى هذه الركائز هي الطفرة العملاقة في الإنتاجية على مدار العقود الأخيرة، بالأخص مع “الثورة المعلوماتية” واستخدام الحواسيب والرقمنة في تصميم آلات أعلى وأكثر قدرة، مما يدعم قدرة الشركات الكبرى في إطار التنافس العالمي في قطاعات شتى، من إنتاج الصلب إلى إنتاج الألبان.
أما الركيزة الثانية فهي التضخّم الجبّار في القطاع المالي، وهو ما تبرزه هذه العقود، إذ ضمّ رأس المال المالي مبالغ تفوق بثلاثين ضعفًا مبالغ التبادل في اقتصاد العالم، فيما يسميه الكاتب “مملكة المضاربين”.
الملمح الثالث يحدّده الكاتب بأنه التفاوت، الذي بلغ معدلات قصوى “لا تجد لها مثالًا في التاريخ الإنساني” خلال العقود القليلة السابقة، سواء بين الأمم الغنية ونظيرتها الفقيرة، أو بين الطبقات الأثرى والأفقر على الصعيد العالمي. ويستشهد الكاتب في ذلك بدراساتٍ كاشفة لخبراء بارزين مثل كارولا فريدمان ورافن ساكس، وبالأخص دانييل كوهن، الذي يطرح توقعاتٍ سوداوية في هذا الصدد إذا استمر الحال على هذا النحو حتى العام 2050.
أما الأخير فهو الفساد، الذي ليس سمة ثانوية، بل أحد المحركات الأساسية في نظام قائم على حرية رؤوس الأموال وحركتها. وتتنوّع مظاهر الفساد بين التخفيف العمدي للانضباط القانوني، والرشاوى الضخمة في وضح النهار، وغسل أموال الجريمة، والتهريبات غير الشرعية، والتهربات الضريبية العملاقة، والتنقّل بين الوظائف العامة العليا في الدولة وإدارات الشركات.
يتفاقم الفساد بصورة مباشرة من خلال السعي المسعور وراء الأرباح بفعل التنافس، الذي يُعدّ التربة التي ينمو عليها الفساد. فالفساد هنا ليس إلا طريقًا مختصرًا لتحقيق الهدف نفسه، وتزداد جاذبيته في أعين الشركات ورجال الأعمال المنخرطين في التنافس. وهناك أيضًا طريقة غير مباشرة يتفاقم بها الفساد، تتمثل في الأيديولوجيا الفردية التي يرفع التنافس نفسه رايتها ويهلّل لانتصارها. يقول كيمف: “إن المبالغة في الأيديولوجيا الفردية… التي علت بشكل مفرط من قيمة الثراء والنجاح الفردي على حساب الصالح العام، قدّمت تبريرًا نظريًا لتسوية الأمور مع الأخلاق”. ولهذا لا يجدي الوعظ الأخلاقي نفعًا في مواجهة الفساد واسع النطاق في الرأسمالية الكبرى. بل إن الفساد أصبح بذلك “ينشر في الروح العامة فكرة أن محلّ التقدير ليس الفاضل، بل الماكر”.
إن هذه الملامح التي تفاقم في العقود الفائتة، فاقمت بدورها من ظاهرة “الاغتراب”، وعمَّمتها، مانحة إياها أبعادًا ومظاهر إضافية. لكن..
ما هو الاغتراب؟
بدأ مفهوم الاغتراب يتبلور على يد الفيلسوف الألماني الشهير جورج فيلهلم هيجل، في مطلع القرن التاسع عشر، لكنه كان يدور بشكل يكتنفه الغموض في عالم الروح والأفكار. التقط كارل ماركس المفهوم نفسه بعد هيجل، لكنه ذهب به مذهبًا ماديًا، متناولًا إياه في إطار العمل والحياة والعلاقات الحية في ظل الرأسمالية، التي يقوم نمط إنتاجها على الإنتاج السلعي واستغلال العمل والتنافس والمراكمة المتواصلة للأرباح، ومن ثم إعادة الاستثمار إلى ما لا نهاية.
مفاد هذا المفهوم هو شعور الفرد بأن نتاج عمله، والمجتمع من حوله، بل ونفسه حتى، والبيئة التي يحيا فيها، أشياء “غريبة” عنه، ومفروضة عليه، ولا سيطرة له عليها ولا قول له فيها. هذا هو الوضع في الرأسمالية، التي لا يهدف نتاج العمل الاجتماعي في ظلها إلى إشباع الحاجة البشرية، بل يسعى إلى تحقيق الربح، فيبدو الناتج غريبًا عن العامل (كما يعمل في بناء القصور بينما تضيق حجرته أو شقته الصغيرة على أسرته). هذا هو الوضع الذي تُفرَض فيه عملية العمل نفسها على أفراد المجتمع الذين يقومون بها بأنفسهم، لكنها خارجة تمامًا عن سيطرتهم. هذا هو الوضع الذي يتناقض فيه الطابع الاجتماعي لعمل الأغلبية مع الطابع النخبوي لملكية وإدارة وسائل العمل والإنتاج في يد الأقلية من أصحاب الثروات. وهذا ما يجعل الفرد يشعر بأن المجتمع نفسه، بطريقة إدارته التي تحرمه من المشاركة فيها، غريب عنه ومفروض عليه، فيفقد الرباط الاجتماعي معه، أي يغترب عنه، ويغترب عن نفسه. وأخيرًا، يفقد الفرد هذا الرباط أيضًا مع البيئة المحيطة، التي تُدمَّر من حوله ويُجبَر على العيش في هذا الدمار، الذي هو نفسه نتاج عمل بشري توجهه الرأسمالية ضد البشر لا لصالحهم.
الاستهلاكية.. السلعة فوق الإنسان
لقد اتخذ هذا الشعور الاجتماعي أبعادًا أكثر مأساويةً وحدّةً في العقود المنصرمة، لخّصها الكاتب أولًا في الاستهلاكية المفرطة وسيادة السلعة على الإنسان، بدلًا من سيطرة الإنسان نفسه عليها.
بالطبع لا تستطيع الرأسمالية العيش دون استهلاك، فبدونه لا يمكن “إدراك فائض القيمة”، حسب التعبير الماركسي، أو بعبارة أخرى تحقيق الربح. ومن أجل تعزيز هذا الربح، تعمل الرأسمالية على تحفيز الاستهلاك من أجل المزيد من الاستهلاك، وقد تفاقم هذا التحفيز مع عولمة رأس المال وحرية المنافسة بين أقاصي العالم. لقد رفعت العولمة الرأسمالية الاستهلاك إلى مستوى الثقافة العامة ونمط الحياة: ثقافة المراكز التجارية الكبرى، المولات، التي هي معابد هائلة مخصّصة للاستهلاك. وهذا الاستهلاك هو ما يشعل جنون الإعلانات وإلحاحها الذي لا يهدأ على الشراء، حتى لو كان شراء منتجات ضارة بصحة الناس وأطفالهم. وحتى في البلدان النامية، يتأثر الناس بصور الرفاهية، ويصبح خيال الطبقات الوسطى سابحًا في الاستهلاك، ويعتقدون أن هذا هو النمط الأفضل للحياة.
أصبح الفرد يستمد قيمته في المجتمع من قدرته على الشراء والاستهلاك. هذا هو أسوأ أشكال اغتراب الإنسان عن منتوج عمله. فبدلًا من اقتصار الأمر على فقدان الإنسان سيطرته على السلعة، أصبحت السلعة هي التي تكتسب سيطرتها على الإنسان. لقد حوَّلت الاستهلاكية، التي هي شعار الليبرالية الجديدة ودرة تاجها، تطلعات الإنسان إلى السعادة والحرية إلى مجالات للربح، فصارت السعادة هي الحصول على أكبر قدر من السلع، والحرية هي إشباع نزوات تؤججها الإعلانات في وسائل الإعلام (والتواصل الاجتماعي بالطبع). هذا بالتحديد هو اغتراب الإنسان عن مبتغاه وأحلامه، إذ يكف عن السعي للسعادة مكتفيًا بوهم السعادة، ويتخلى عن الحرية مكتفيًا بوهم الحرية.. اغتراب الإنسان عن نفسه.
هذا الإنسان الذي تصبغه الرأسمالية وحضارتها الاستهلاكية هو ما أطلق عليه الفيلسوف هربرت ماركوز “الإنسان ذو البعد الواحد”، كما أشار مترجم الكتاب في مقدمته، الإنسان الذي تغرقه الرأسمالية في الأوهام. إنها عملية تحوِّل فيها الرأسمالية الإنسان، بفعل القصور الذاتي للاستهلاكية، من روح وعقل وقلب؛ من كائن بشري، إلى حافظة نقود وبطاقة ائتمان.
يلفت الكاتب هنا إلى أن هذا الرافد من الاغتراب بلغ ذروته في تحوُّل الإنسان نفسه إلى سلعة، في تجارة الأعضاء، وتجارة الأطفال في أعمال الزراعة والصناعة في مناطق متفرقة من العالم، وبالطبع تجارة الجنس، خاصة مع التوسع الرهيب في الإتجار بالنساء في السنوات الأخيرة وإضفاء طابع شرعي على ذلك في بلدان عدة. وفي هذا الشأن، تُستَغَل عشرات الآلاف من النساء في توليد أرباح بالمليارات. ويضرب الكاتب أمثلةً بشعة على ذلك، منها مثلًا أن سوق الأفلام الإباحية في الولايات المتحدة تضخم في خلال 30 سنة (من 1980 حتى وقت صدور الكتاب) بألف ضعف!
الفردية.. الأنانية فوق المجتمع
يهاجم كيمف بصورة خاصة إعلاء الرأسمالية لقيمة الفردية وتحفيزها الثراء الشخصي بأي ثمن، الذي يُعدّ بالنسبة لها رهانًا أيديولوجيًا مركزيًا؛ أن يعيش الفرد لمصلحته الشخصية المباشرة فقط. الرأسمالية بذلك تقتل المجتمع؛ تلغيه، وتعامله كشبكة من الأفراد، كلٌّ منهم مسؤول عن نفسه. وهكذا تعمّق اغتراب الفرد عن مجتمعه. ومن شأن ذلك أيضًا أن يهمّش الظروف الاجتماعية التي تفرضها الرأسمالية، ودورها في دفع الأغلبية أكثر فأكثر نحو القاع.
يسفر ذلك عن عدد من النتائج التي تصبّ في مصلحة الرأسمالية. أولًا، يتيح ذلك تسويق وهم أن يصبح أي فرد ثريًا، أو حتى مليارديرًا، فقط بالمزيد من الكدح والجهد في وظيفته المتواضعة، والرضا بظروف العمل وشروطه مهما بلغت قسوتها، أي المزيد من الرضوخ لآليات السوق. ثانيًا، يعني ذلك أيضًا أن الوضع السيئ للفرد يُلقى اللوم فيه على الفرد نفسه، لتتنصّل الرأسمالية من هذا اللوم. ثالثًا، تُحوِّل الرأسمالية المجتمع بهذه الطريقة إلى غابة من التناحر بلا هوادة بين الأفراد، في ما يشبه الانتخاب الطبيعي أو “الداروينية الاجتماعية” التي تحدّد الأفضل من أجل البقاء في الصف الأول. رابعًا، وهذا مرتبط بالنقطة السابقة، يترتب على ذلك تحطيم قيم التضامن وتمزيق المنطق الجماعي. وهذا في حد ذاته رهان اقتصادي فائق القيمة بالنسبة للرأسمالية، إذ يسمح بإضعاف جماعة العاملين في مواجهة أرباب العمل، عبر تفريقهم وتفتيت وحدتهم الجماعية، وإحلال الحلول الفردية والمصلحة الشخصية محلها.
الكارثة البيئية
إذا كانت الاستهلاكية والنزعة الفردية تعبّران عن الاغتراب المتنامي للإنسان في رأسمالية العقود الأخيرة عن نتاج عمله وعن مجتمعه وعن نفسه، فإن الأزمة البيئية المتسارعة تعبّر عن اغترابه عن مجاله الحيوي الطبيعي الذي يعيش فيه. يبدو الدمار البيئي ككائن غريب تطلق له الرأسمالية العنان وتفرضه على الإنسان بوصفه نتاج عمل خارجًا عن سيطرته.
تتخذ الأزمة البيئية أبعادًا شديدة التنوع، من ارتفاع مستوى الكربون في الغلاف الجوي إلى مستويات غير مسبوقة منذ مليون سنة، إلى انقراض الأنواع الحية على نحو يمكن مقارنته بالعصر الذي انقرضت فيه الديناصورات وغيرها من الكائنات، إلى الزيادة المستمرة في حموضة المحيطات، فضلًا عن اتساع رقعة التصحر، والندرة المتزايدة في المياه، وتدهور التربة، وذوبان الجليد، وغير ذلك.
يذكر كيمف الكثير من الإحصاءات الكئيبة حول معدلات الاحتباس الحراري وأبعاد الأزمة البيئية بوجه عام، سواء في الوقت الحاضر أو فيما يتعلق بتوقعات المستقبل. نُشِر هذا الكتاب قبل أكثر من عقد، ومن قبله صدر للكاتب نفسه كتاب “الأثرياء يدمرون الكوكب”، الذي حظي بصدى عالمي واسع، وترجمه إلى العربية الدكتور مغيث أيضًا. خلال تلك السنوات، استنتج الكثير من خبراء البيئة والمناخ، بمعدلات أكثر تشاؤمًا، وللأسف أكثر مصداقية، أن بعضها يذهب إلى أنه حتى إذا توقف العالم الرأسمالي بأكمله عن إنتاج غازات الاحتباس الحراري الآن وفورًا، فإن الضرر البيئي الذي وقع لا رجعة فيه ولا سبيل إلى إصلاحه. لقد وصلنا بالفعل إلى مرحلة القطيعة مع التوازن البيئي.
بالطبع ليس تأثير نمط الإنتاج الرأسمالي على البيئة وليد العقود الأخيرة، بل لقد ظهر منذ أن بدأ النظام يرسي أركانه أولًا في أجزاء من أوروبا الغربية قبل أكثر من قرنين، قبل أن يتوسع ليبتلع العالم. وقد التفت مناهضو الرأسمالية إلى ذلك منذ زمن بعيد (منهم فردريك إنجلز، الذي أشار إلى ذلك بوضوح في كتابه “حال الطبقة العاملة في إنجلترا” قبل 180 سنة، وكارل ماركس مثلًا في “رأس المال”). لكن الفرق الجوهري في العقود الأخيرة هو أن هذا التأثير أخذ شكل الأزمة المهدِّدة للحياة والوجود، بمعدلات أخطر بما لا يُقاس، من ناحية، وأن النظام نفسه، من ناحية أخرى، أصبح يدرك تمام الإدراك أبعاد الكارثة الحالية والمقبلة.
ورغم علم صانع القرار في العالم بأن كل زيادة في نمو الإنتاج العام ترتبط اليوم بتراجع في إمكانيات الحياة على الأرض، يواصل هؤلاء الدفع باتجاه نمو أقصى للاقتصاد. إن خفض الضروري لاستهلاك الطاقة، على الأقل من أجل الحد من انبعاث غازات الاحتباس الحراري، ليس محبَّذًا للنظام الرأسمالي القائم أساسًا على النمو من أجل المنافسة والاستهلاك من أجل الاستهلاك. وتزداد الطين بِلَّةً مع التنافس المستعر على النمو بين الولايات المتحدة وأوروبا والصين والهند، مما يعني أن انبعاثات الكربون سوف تزداد.
فكيف إذًا تتحمّل الرأسمالية مسؤوليتها في معالجة الأزمة أو تفادي تفاقم الكارثة؟
سراب التنمية الخضراء
يلاحظ كيمف أن الإرشادات التي تشرح كيف نتوقف أو نقلل من التلوث البيئي “ونعيش في الأخضر”، تقف دائمًا عند مستوى الفرد ولا تتطرق إلى مستوى ما هو جمعي. “أعد استخدام الأشياء”، “ارفض المعالجات الكيميائية”، “انطلق بالسيارة ببطء”، وما إلى ذلك. الرأسمالية، كما ذكرنا، تعزّز الفردية الأنانية وتمزّق أوصال المجتمع، فلماذا إذًا لا يتحمّل الفرد إصلاح الكوارث التي تسبّبت فيها؟
هذا الشكل من الاختزال (اختزال الحلول في المستوى الفردي) يتوازى مع أشكال أخرى. هناك مظاهر عدة للأزمة البيئية، لكن الرأسمالية تختزلها في الاحتباس الحراري، الذي هو كارثة محققة، لكنه ليس الكارثة الوحيدة. هناك أزمات مثل تدهور المحيطات وتزايد حموضتها، ومشكلة التنوع الحيوي المهدد بالخطر مثلًا، لا تقدم الرأسمالية لها حلولًا من أي نوع.
وهناك اختزال أخير، وهو حصر حلول الاحتباس الحراري في استخدام تكنولوجيات جديدة، دون أي حديث عن ترشيد الاستهلاك الرأسمالي للطاقة والحد منه. وهذا اختزال ليس بريئًا، فالتكنولوجيا في ظل الرأسمالية دائمًا مصدر للربح. يستشهد كيمف بقول الصحفي الفرنسي إريك لوبوشيه: “كل الأوساط الاقتصادية في أوروبا وأمريكا متفقة الآن ومقتنعة بأن البيئة يمكن أن تكون مصدرًا هائلًا للربح”.
لننظر إذًا في البدائل التكنولوجية التي تطرحها الرأسمالية.
أولًا: الطاقة النووية “النظيفة”، التي تمتدحها جحافل من “الخبراء” وتروّج لها عبر العالم. يجري بالفعل بناء المفاعلات على قدم وساق في بلدان عدة بغرض إنتاج الطاقة. وصحيح أن هذه الطاقة لا تبث ثاني أكسيد الكربون، وبالتالي لا تساهم في زيادة الاحتباس الحراري، لكن التخلص من النفايات الضخمة مشكلة لا حل لها، ويمتد أثرها لآلاف السنين.
ثانيًا: طاقة الرياح. يرصد الكتاب أن البلدان الأكثر تقدمًا في التزوّد بالمراوح اللازمة لإنتاج هذه الطاقة، وهي ألمانيا وإسبانيا، لم تشهد تناقصًا في ثاني أكسيد الكربون. وبرهن على ذلك بأن نسبة البث لكل مواطن، والنابعة من قطاع الطاقة، قد ارتفعت بنسبة 1.2% بين 2000 و2005 في ألمانيا، و1.4% في إسبانيا في الفترة نفسها.
المشكلة هنا أن الشركات التي تستثمر في مجال المراوح تنتج هي نفسها الكهرباء بواسطة الفحم أو الطاقة النووية. ما زال الفحم هو الوقود الأساسي للمحطات الكهربائية، وارتفاع أسعار البترول يجعل استغلال المواد الحفرية مربحًا. وبالتالي لا تضخ هذه الشركات أموالها في توليد طاقة الرياح لأنها طاقة نظيفة وتحدّ من التغير المناخي، بل لأنها مجال يحقق ربحًا، بينما البحث عن المزايا البيئية ليس إلا ناحية كمالية.
ثالثًا: الوقود الزراعي كبديل عن الوقود الأحفوري. يركز كيمف هنا على زيت النخيل باعتباره أبرز أشكال هذا النوع من الوقود. لكن لكي يُزرع النخل في إندونيسيا وماليزيا مثلًا، اختفت مساحات شاسعة من الغابات لإخلاء المكان له. أزالت النيران الغابات، فأشعلت أكداس العشب التحتية التي تختزن الفحم بكميات هائلة، وغطت السماء أكثر من مرة بدخان كثيف حمضي، لتبث في الغلاف الجوي ملايين الأطنان من الغاز الكربوني. وقدّرت دراسة أشرف عليها برنامج الأمم المتحدة للبيئة عام 2007 انبعاث ثاني أكسيد الكربون من هذه الأراضي بـ3 مليارات طن سنويًا، أي 10% من الإجمالي العالمي للانبعاث.
زيت النخيل إذًا، كما وصف كيمف، هو الحالة الأكثر كاريكاتيرية لصناعة الوقود الزراعي التي تنتج عكس الأهداف التي تعلنها. هذا فضلًا عن أن احتكار الأراضي الخصبة لزراعته، بدلًا من زراعة المحاصيل الغذائية، يسهم في أزمة الغذاء، ويضع حياة 100 مليون شخص في خطر، حسب تقدير منظمة أوكسفام البريطانية.
إذا كانت بدائل التكنولوجيا ليست العصا السحرية لحل مشكلة الاحتباس الحراري كما يدّعي أنصار الرأسمالية، بل تزيد من تفاقم الأزمة، فهذا لأن المشكلة الحقيقية تكمن في اندفاع الشركات الكبرى والدول لاستهلاك الطاقة دون حساب، من أجل التفوق في التنافس العالمي. ولا سبيل إلا “الخروج من الرأسمالية”، بحسب تعبير مؤلف الكتاب، للبدء بجدية في إيقاف المزيد من التدهور البيئي. لننظر الآن إلى مسألة “الخروج” هذه.
“خروج” أم مقاومة من الداخل؟
في مواجهة كوارث الرأسمالية، يطرح المؤلف في الفصل الأخير من الكتاب حزمة من الاقتراحات التي تتضمن فرض ضرائب أعلى على الأغنياء، وتغيير العادات، والحد من الاستهلاك، ووضع حد للنمو ونزعه كهدف للنشاط الإنتاجي. يقول كيمف إنه لا بد من الحث على التعاون، الذي “ينبغي ألا ينمو بين الأفراد وبين المجموعات في المجتمع نفسه فحسب، بل على المستوى الكوكبي”.
رائع! لكن هل سترضى الرأسمالية طواعيةً بذلك؟ إن وضع حد للنمو يعني استئصال التنافس من الرأسمالية، وإرساء “التعاون على المستوى الكوكبي” يعني الأمر نفسه. وبدوره، يعني استئصال التنافس أن يكفّ النظام عن أن يكون رأسماليًا. هل سترضخ الرأسمالية عن طيب خاطر لنصيحتنا لها بأن تنتحر؟ أو، بتعبير الكاتب: “هل يمكن أن نصل إلى وضع كهذا دون أن نمر بصدمات عنيفة؟ هل يمكن أن نتجنب أن تفرض الحكومات ردًا سلطويًا؟”. تتلخص إجابة كيمف في كلمتين: “لا أدري”!
كيف “لا أدري”؟ إن المطالبة حتى بأبسط الإصلاحات تواجهها الرأسمالية بالعنف، وبنَفَسٍ مفرط في كثير من الأحيان. وفرنسا، بلد الكاتب نفسه، شاهدة على ذلك على مدار تاريخها؛ من “كوميونة باريس” 1871 إلى “السترات الصفراء” 2017. إن إصلاحات كهذه، بل حتى أبسط منها، تتطلب قوة جماهيرية تدعمها وتواجه بها الرأسمالية. علينا إذًا “مقاومة الرأسمالية من الداخل”.
يعج الكتاب بعبارات مثل “الرأسمالية في طورها النهائي”، و”الرأسمالية الموشكة على الانهيار”، وما شابه. ومهما بلغت أزمات الرأسمالية من حدة، ومهما بلغت كارثيتها على الفرد والمجتمع والبيئة، فلن تنهار من تلقاء نفسها لتفسح الطريق أمام نظام آخر. الأمر يتطلب فعلًا جماهيريًا وإرادة شعبية عميقة. ورهان على أن “القادة” سيحوّلون الدفة، أو أنه يمكن “عقلنة” الرأسمالية، إنما هو وهم طوباوي.
من ناحية أخرى، يطرح الكاتب ضرورة نشر نموذج التعاونيات في الصناعة والزراعة والبرمجيات مفتوحة المصدر، وغير ذلك. يذكر كيمف أمثلة فرنسية، لكنه يقول إنها تنتشر في بقاع الأرض. وبما أن النموذج موجود بالفعل، فـ”ليس علينا اختراع العالم الجديد” من الصفر.
المشكلة هنا أن التعاونيات، رغم طابعها التقدمي العام، لا تخرج من السوق الرأسمالية؛ فهي عرضة لآليات العرض والطلب، وعرضة أيضًا للضغوط الرأسمالية القوية، التي يقر كيمف أنها أجهضت ووأدت بعض التجارب. من المستحيل الحفاظ على أي استدامة لجزر منعزلة عن النظام في عصر العولمة الرأسمالية. سرعان ما ستزحف الأمواج الرأسمالية على هذه الجزر وتبتلعها. وحتى ذلك الحين، ستبقى تلك مجرد… جزر في محيط هادر.
نحن بحاجة إلى ما ليس “الخروج من الرأسمالية”، بل “مواجهتها من داخلها”، وبناء المقاومة الجماهيرية في أرجاء العالم، بحيث تحطم الجماهير أغلال الرأسمالية بنضالها الجماعي، في بلد بعد آخر، وتفتح الباب أمام مستقبل جديد.





