عبدالله الكبير | كاتب صحفي

مع كل اعتداء يقع على العمال والمهاجرين الأفارقة تعود قضية الهجرة كعنوان ومانشيت رئيس في نشرات الأخبار، وتتوسع مساحة تناول الحادثة في وسائل التواصل، لتبرز وجهات النظر والتعليقات المختلفة والمتناقضة، وغير المعقولة أحيانا، لأن بعض التعليقات لاترى تجاوزا في هذا الاعتداء، إلى حد تحميل المهاجرين مسؤولية الاعتداء عليهم لمجرد أنهم تسللوا إلى ليبيا عبر مسالك غير قانونية !

قبل الحديث عن حقوق الإنسان ووجوب احترام كرامته، كما نصت عليها الشريعة السماوية والقوانين والمعاهدات الدولية والعرف والأخلاق، لنتساءل. ما جدوى القوانين المحلية حول الهجرة والمهاجرين إذا؟ لماذا اضاع المشرع وقته وجهده في وضعها وتدوينها؟ منطلقا من الحرص على حفظ الحقوق وإقامة العدل، للمهاجرين وللمواطنين على حد سواء، ويفصل بينهم بنصوص قانونية ملزمة تحقق العدل وتنصف الجميع، ليحفظ للمهاجر كرامته، ويبين سبل معالجة مخالفته بالقانون، ويحفظ للمواطن حقوقه في بلاده، ويحفظ للدولة التزامتها القانونية في المعاهدات والاتفاقيات الدولية حول حقوق المهاجرين والوافدين بشكل عام؟

الغضب الشعبي من تنامي أعداد المهاجرين في شوارعنا ومياديننا مفهوم، و مفهوم أيضا تزايد حالات مخالفتهم للقوانين وارتكابهم الجرائم كالسرقة والسطو والغش وغيرها، وهي حالات ستزداد بالطبع تبعا لتزايد اعدادهم. غير أن ترجمة هذا الغضب بالاعتداء على أول أجنبي يصادفنا في الطريق، و تنفيس الغضب في صورة ركلات ولكمات غير مقبول ومدان، ولن يحل مشكلة الهجرة ولن يخفض أعداد المهاجرين، بل هي تأكيد على غياب الدولة ممثلة في مؤسساتها المعنية بمعالجة الظاهرة، وكان الصواب هو توجيه الغضب إلى هذه المؤسسات وأجهزتها الضبطية، لتواجه عجزها وتنهض لتنفيذ خطة شاملة للمعالجة باستخدام أقصى الإمكانيات المتاحة وفقا للظروف القائمة، لأن يدها مغلولة عن المواقع الحدودية الجنوبية، حيث تسيطر عصابات مسلحة تزعم أنها جيش يحمي الحدود، بينما تشير التقارير الدولية إلى نشاط إجرامي منظم يستغل المهاجرين، ويدفع بهم إلى مصير مجهول في الصحراء أو البحر في حالة قرر المهاجر مواصلة الطريق إلى أوروبا. 

فقدان ليبيا لجزء لا يستهان به من سيادتها، بسبب الانقسام السياسي والحكومي، وحالة الانقلاب المستمرة على الشرعية منذ 2014، و انتشار التشكيلات المسلحة شبه النظامية، والتدخلات الخارجية السياسية والعسكرية، عوامل أضعفت سيطرة الدولة على حدودها بشكل بالغ الخطورة، من دون تجاهل وجود معضلة الهجرة غير النظامية بالتسلل عبر الحدود البرية والبحرية حتى في دول مستقرة، تعمل مؤسساتها الأمنية والعسكرية بكفاءة عالية، ما يؤكد عالمية القضية وضرورة التعاون على المستويات الإقليمية والقارية والدولية لمواجهتها، لأن كل الجهود لاحتوائها أو السيطرة عليها بدون هذا التعاون سيكون محدود التأثير.

حملات التحريض التي تمارس على نطاق واسع عبر وسائل التواصل، تعد سببا رئيسا في حالات الاعتداء على المهاجرين التي شهدتها بعض المدن الليبية، غير أنها لم تتحول إلى ظاهرة تدفع المنظمات الحقوقية الدولية إلى التحرك، ولعل أكثر ما يقلق في هذا التحريض هو سردية التوطين وما يصحبها من ترويج لأفكار عن تغيير الهوية والديمغرافيا الليبية، وهي سردية باطلة ينبغي مواجهتها ونسفها، بالتأكيد على أن استعادة الدولة الليبية لاستقرارها وقرارها السيادي وتوحيد مؤسساتها، كفيل بتفعيل القوانين السارية وتعديلها، وسن قوانين جديدة إذا دعت الحاجة، من سلطات تشريعية منتخبة تراعي المصلحة الوطنية أولا وقبل كل شئ، في أمور التأشيرات والإقامات والتجنيس للأجانب بإرادة وطنية خالصة، لا يسمح لأي دولة أو منظمة التدخل فيها لأنها من أعمال السيادة. 

الأكثر أهمية راهنا هو احترام حقوق المهاجرين الإنسانية بصرف النظر عن جنسياتهم ودياناتهم وأعراقهم، وهذا الموقف يعد من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولنؤكد على هذا التوجيه بكل الوسائل المتاحة لتنمية ثقافة احترام الإنسان وكرامته، خاصة إذا كان من المستضعفين الذين أجبرتهم ظروفهم على مغادرة بلدانهم هربا من جوع أو اضطهاد أو انتهاك، وعدم التعدي عليهم من أي فرد أو جهة، أما من يخالف أو يتجاوز ولا يحترم الضوابط المفروضة في المجال العام، فسوف يخضع للقانون المحلي الموكلة بتنفيذه السلطات المحلية والأجهزة الضبطية الرسمية، لا الأفراد. وترفع التقارير الدورية عن الحالة العامة للهجرة واللجوء لمنظمة الدولية للهجرة ومفوضية اللاجئين، لتقوم بواجبها في توفير الدعم والخبرات اللازمة، والمساهمة الفعالة في مواجهتها.

(المقالات المنشورة لا تُعبر بالضرورة عن رأي الموقع؛ بل عن رأي صاحبها)