بقلم الصحفي المهدي هندي
العدالة قبل السعادة: في وهم الأولويات المقلوبة

حين نبحث عن "السعادة" كأولوية في مجتمعاتنا "المغلوبة"، هل نكون بذلك أفلاطونيين أكثر من اللازم ، نطارِدُ مُثلاً عليا في واقعٍ يفتقر لأساسيات البقاء؟
قد تبدو الإجابة، للوهلة الأولى، أقل حسمًا، فبعض المجتمعات تنجح في تحقيق معدلات نمو مرتفعة، أو تفرض مستويات من الاستقرار، ما يخلق انطباعًا عامًّا بالرضا. غير أن هذا الانطباع سرعان ما يتآكل عند أول اختبار حقيقي، لأن ما يبدو “سعادة” في غياب العدالة لا يتجاوز كونه حالة مؤقتة، محكومة بتوازنات هشة.
السبب في ذلك أن السعادة، في معناها المجتمعي، لا تُختزل في مؤشرات مادية، بل ترتبط بإطار أوسع: "سيادة القانون، تكافؤ الفرص، وثقة الأفراد في أن النظام الذي يعيشون في ظله منصف وقابل للتنبؤ".
وبدون هذه العناصر تتحول السعادة إلى حالة انتقائية، يستفيد منها البعض، بينما يتسع الشعور بالتهميش لدى آخرين.
هذا الفهم ليس جديدًا. فقد ربط أفلاطون بين العدالة وانسجام المجتمع، معتبرًا أن اختلالها يقود بالضرورة إلى اضطراب البنية الاجتماعية. كما أكد الفارابي أن السعادة تمثل الغاية العليا، لكنها لا تتحقق إلا ضمن نظام عادل تقوده حكمة سياسية وأخلاقية.
غير أن أهمية هذا الطرح تتضاعف عند إسقاطه على بعض التجارب المعاصرة، حيث يُختزل النقاش في أحيان كثيرة في مسألة توزيع الموارد. وتُعد الحالة الليبية مثالًا واضحًا على هذا الاختزال. فالتفسير الشائع للأزمة يركّز على “سوء توزيع الثروة”، في حين أن الإشكالية الأعمق تتعلق بغياب الإطار المؤسسي القادر على إدارة هذا التوزيع.
في الدول المستقرة، تُدار الموارد ضمن منظومة قانونية ومؤسسية واضحة، ما يجعل التفاوت – مهما كان – قابلًا للاحتواء. أما في غياب هذه المنظومة، كما هو الحال في ليبيا، فإن عملية التوزيع نفسها تتحول إلى موضوع صراع، لا نتيجة له. ويصبح السؤال ليس كيف تُوزّع الموارد؟ بل من يمتلك الشرعية للقيام بذلك؟
يزداد هذا التعقيد في الاقتصادات الريعية، حيث تتركز الموارد في يد الدولة. ففي مثل هذه السياقات، تعني السيطرة على الموارد عمليًّا السيطرة على السلطة، ما يحوّل النقاش الاقتصادي إلى امتداد مباشر للصراع السياسي.
وعليه، فإن الرهان على تحقيق “السعادة” عبر تحسينات في توزيع الموارد، دون معالجة الخلل المؤسسي، يظل رهانًا محدود الأثر. لأن أي تحسن في المؤشرات الاقتصادية، في غياب قواعد عادلة ومستقرة، يبقى عرضة للتآكل مع تغير موازين القوى.
إن التجارب المقارنة تُظهر أن الاستقرار طويل الأمد لا يتحقق بوفرة الموارد وحدها، بل بوجود مؤسسات قادرة على إدارة هذه الموارد بعدالة، وبما يعزز الثقة العامة. وفي المقابل، فإن غياب هذا الإطار يجعل حتى أكثر الدول ثراءً عرضة لدوامات من التوتر وعدم اليقين.
في المحصلة، لا يتعلق الأمر بالمفاضلة بين العدالة والسعادة، بل بفهم العلاقة التأسيسية بينهما. فالعدالة ليست مجرد وسيلة، بل شرط يحدد ما إذا كانت السعادة ممكنة أصلًا.
أما في وضعنا فإن الإشكالية تبدو أكثر وضوحًا: التحدي لا يكمن في كيفية توزيع الثروة، بقدر ما يكمن في غياب الدولة القادرة على جعل هذا التوزيع عادلًا وموثوقًا.
(المقالات المنشورة لا تُعبر بالضرورة عن رأي الكاتب؛ بل عن رأي كتابها)



