الرسالة الأولى: ليلة سقوط الحلوم
ملاحظات عن سخافات صغيرة، الاشتياق، والحياة في خضم حرب بيروت
عزيزتي،
اليوم وقعت قطعة جبنة كبيرة من سندويشة الحلوم.
وسندويشة الحلوم المشوي، متل ما بتعرفي، بتسلّيني أكتر من أفكار المثقفين العرب عن اليسار ومحمود درويش.
خليني أرجع لقطعة الحلوم يلي وقعت مني.
كنت واقف عالرصيف، أول المسا ببيروت، بهالحرب التانية إلي هون. المدينة عم تفضى ع بكير، وكل خمس دقايق بتمرّ عيلة نازحة. تهديدات القصف مستمرة، وصوت الدرون حاضر كأنو من نسيج السما.
ورا صوتي كان في عمال المطعم، لهجة سورية، لكنة ديرية واضحة. عالكاشير صبية لبنانية، للحظة بتحسيها بس تخلص الشفت رح تكفّي الفيديو كليب يلي كانت عم تصوّره. الحياة ماشية بنصّ القلق، كأنها ما عم تسمع شي.
أنا شخصيًا ما بعرف كيف وصلت لهالمطعم. ما بأكل من عنده دايمًا. بس مشيت كتير، وحسّيت إني بحاجة لآكل شي مالح مع خضار. الصبح أكلت منقوشة زعتر مع جبنة قشقوان بيسمّوها اللبنانية “كوكتيل”. اسم بخري، بعرف. بحسّ يلي سماها ما تعب كتير، كان فيه يكون مبدع أكتر. المهم ما حبيت أرجع اشتري نفسها، فلقيت هالمطعم يلي عم يبيع سندويش حلوم مشوي.
يمكن هلّق لازم أرجع لقطعة الجبنة.
صوت الدرون عَل قلبي. ما بعرف ليه بالحرب بصير حساس لهالدرجة للأصوات. بحس الدرون بتصير جزء من السما، أو بيبطل في سما أصلًا. السما بتغيّر جلدها وبتصير قطعة حديد باردة وتقيلة. كان صوت الدرون وشكل السما جزء من نكهة الحلوم بتمّي.
كنت عم آكل وعم حاول استمتع بملح الخضرة مع طعم الجبنة المشوية، بس مع كل لقمة كان لساني يبرد ويتقل، متل قطعة حديد بتمّي. حاولت تجاهل الشعور، بس ما قدرت. رفعت السندويشة لعند تمّي وإيدي عم ترجف… ووقعت أكبر قطعة حلوم فيها. أكبر قطعة، مو لأني قستها، بس هيك حسّيتها.
أول ما لمست الأرض، إجى قط أورانج كبير حملها وركض. ما بعرف من وين إجى ولا كيف عرف إنو هالوقعة بتستاهل تنحمل. ركض لتحت مرسيدس 76 لونها زيتي. ما فكرت قبل بأفكار القطط تجاه الحلوم المشوي، بس طلع من تحت السيارة وهو عم يلحس شواربه. طلع ببطء، وعم يطلع فيّي بريبة أقرب للشك. يمكن الشك كان طبيعي، خاصة لما طلع عإيدي وشاف قنينة بيرة “ألمازا”. ما تسأليني من وين بتجي الأسماء، بس ما لقوا للبيرة غير اسم ألمازا، وشعارها ألماسة، بيعطيكي إحساس إنو ما في شي بمحلو بهالبلد.
خلصت سيكارة تانية وتالتة عالبيرة. العالم كان عم يمشي حواليّي ببطء رهيب، لدرجة خفت يغمى علي. ما بعرف إذا هنّي بطيئين عنجد، أو أنا هيك شايفن. كان في خدر… خدر بيشبه كل شي إلا الحياة.
بتعرفي شو يلي ما بيشبه الحياة كمان؟
إنك تكوني بعيدة.
وإني اشتقلك.
الاشتياق بهيك وقت ما بيشبه الحياة.
وبيخوفني تاخدنا الحياة قبل ما طعميكي حلوم مشوي.

