قد يكون العالم يشهد تحولا حاسما في طريقة التفكير بشأن البرنامج النووي الإيراني. ضيفي يرى أن المسار الأقرب لإيران نحو القنبلة قد لا يكون اليورانيوم إطلاقا، بل البلوتونيوم. هنري دي سوكولسكي، المدير التنفيذي لمركز تعليم سياسات عدم الانتشار النووي، وهو مسؤول سابق في البنتاغون لشؤون السياسة النووية، كان في صلب نقاشات عدم الانتشار النووي لعقود.
س: هنري، الجميع يركز على برنامج إيران لليورانيوم. لكنك تقول إننا ربما ننظر إلى المكان الخطأ. هل هذا صحيح؟
ج: اليورانيوم مادة يمكن، إذا تم تخصيبها بشكل مناسب، استخدامها لصنع قلب قنبلة قادرة على توليد طاقة تفجيرية تُقاس بعدة كيلو أطنان. سيكون من الخطأ القول إن هذا ليس مهما. لكن تحويل سادس فلوريد اليورانيوم إلى سلاح يتطلب تحويله إلى مادة خزفية أو أكسيد، ثم إلى معدن، ثم تشكيله ليصبح قلبا للقنبلة. هذه خطوات كثيرة.
نحن حريصون بالتأكد على ألا تتحول هذه المادة إلى قنابل. الإيرانيون لديهم ما يكفي منها لصنع نحو عشر قنابل. لكن إذا كنت تركز إلى هذا الحد على شيء يصعب تحويله إلى قنبلة، فمن المؤكد أنك ستنظر أيضا إلى البلوتونيوم، الذي يمكن العثور عليه في برك الوقود المستهلك لمحطة طاقة نووية رئيسية في إيران تُعرف باسم بوشهر. الروس ساعدوا في إكمال المحطة وتشغيلها. هناك 210 أطنان من الوقود المستهلك موجودة هناك.
أحد العناصر في هذا الوقود المستهلك، نحو 1% منه، هو البلوتونيوم الذي يمكن استخدامه لصنع قنابل.
حسنا، كم كمية البلوتونيوم في هذه الـ 210 أطنان؟ تقريبا ما يكفي ليس لصنع 10 قنابل، بل 200 قنبلة. هذا رقم أكبر بكثير.
س: إذن، ما مدى سهولة تحويل هذه المادة إلى قنابل؟
ج: هناك عدة خطوات مطلوبة. عليك إخراج المادة من الحوض المائي الذي تُخزن فيه. ثم عليك كسر قضبان الوقود، لأنها مغلفة بمعدن الزركونيوم. بعد ذلك، عليك فصل البلوتونيوم كيميائيا، ثم تحويله إلى أكسيد، ثم إلى معدن، ثم تشكيله.
ولكن ربما لا تعلمين أن إزالة البلوتونيوم من حوض الوقود المستهلك والحصول على سادس فلوريد اليورانيوم المدفون تحت أنقاض مواقع مثل فوردو ونطنز، سيتطلبان تقريبا نفس الجهد والوقت.
هل أقول إنهم سيصنعون قنبلة فورا ويجب أن نقلق؟ أو أنني أقول إنه يجب التركيز فقط على البلوتونيوم وليس اليورانيوم؟ إطلاقا.
لكن الغريب أننا لا نولي أي اهتمام لخيار البلوتونيوم، الذي قد يكون مصدرا أكبر بكثير لصنع القنابل مقارنة بخيار اليورانيوم.
س: لماذا إذن تُترك هذه الكمية من المادة؟
ج: عندما أنشأ الروس هذه المحطة، وعدوا بإعادة كل الوقود المستهلك. لكنهم لم يفعلوا ذلك فعليا. اتضح أن الأمر مكلف. الوقود المشع ثقيل وصعب التعامل معه.
كان ينبغي على الروس إزالة الوقود المستهلك كل ثلاث إلى خمس سنوات. لكنهم شغّلوا المحطة منذ عام 2011 إلى قبل بضعة أشهر عندما بدأوا بمغادرة الموقع. وقرروا ببساطة ترك الوقود المستهلك.
يمكنك أن تنظر إلى الدوافع وتقول ربما أرادوا منح إيران خيارا للقيام بشيء غير مشروع. من يدري؟ الخلاصة أن المادة موجودة، وهي خيار متاح.
المفتشون الدوليون لم يعودوا يأتون. سيكون من السهل نسبيا الدخول إلى مبنى تخزين الوقود المستهلك والخروج بقضبان الوقود وبدء العملية نحو تصنيع قلب قنبلة قابل للاستخدام.
هناك الكثير من الأسئلة. يبدو لي أن الولايات المتحدة أو إسرائيل أو أي جهة أخرى يجب أن تراقب هذه المحطة من الفضاء أو عبر الطائرات المسيّرة أو بأي وسيلة للتأكد من أن شيئا لا يغادر المبنى.
إحاطة إيران من MBN
متابعة أسبوعية وتحليلات يقدّمها أندريس إلفِس حول ما يجري في إيران وانعكاساته الإقليمية والدولية.
س: ألم تكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية مسؤولة عن مراقبة هذا؟
ج: نعم. لكن اتضح أن إيران رفضت السماح للوكالة بمراقبة شبه فورية لحوض الوقود المستهلك. الإيرانيون أُجبروا على قبول مراقبة شبه فورية لأنشطة التخصيب في نطنز. كاميرات رقمية تلتقط صورا وترسلها كل خمس أو عشر دقائق عبر الألياف الضوئية أو الأقمار الصناعية إلى موقع بعيد يمكن للمفتشين الاطلاع عليه.
لكن التفتيش في بوشهر كان مختلفا. كانت هناك كاميرات لا يمكن الوصول إليها إلا أثناء الزيارة، ولا يمكنك الزيارة إلا مرة كل 90 يوما تقريبا.
الرئيس أوباما لم يُصر على فرض مراقبة شبه فورية على بوشهر عندما أبرم الاتفاق النووي مع إيران عام 2015. ولإنصاف الوكالة، فقد طلبت من إيران السماح بهذه المراقبة، لكن الإيرانيين رفضوا ولم يتم اتخاذ أي إجراء إضافي. من الآن فصاعدا، يجب أن نتوقف عن هذا القدر من التساهل.
س: إذن كان ذلك خطأ استراتيجيا. الولايات المتحدة لم تلاحق هذا الأمر.
ج: بالتأكيد زاد ذلك من المخاطر بعدم تثبيته في الاتفاق. لقد أطلعتُ نائبا بارزا في الكونغرس، وذهب بدوره لإطلاع الرئيس أوباما. دخلت المعلومة من أذن وخرجت من الأخرى، ولم يحدث شيء. أعتقد أن السبب هو أنهم لم يريدوا تعريض الاتفاق الذي أبرموه للخطر.
س: أنت تحذر بشدة من ضرب بوشهر. هل نتحدث عن كارثة إشعاعية محتملة إذا تم استهداف المنشأة؟
ج: عندما تقصف منشأة كهذه، يجب أن تكون حذرا للغاية حتى لا تتسبب في فقدان التبريد للمفاعل أو لحوض الوقود المستهلك، مما قد يؤدي إلى حرائق أو انصهارات تؤدي إلى إطلاق كميات هائلة من الإشعاع.
هل هناك طرق لتعطيل محطة نووية دون هذه المخاطر؟ نعم، عسكريا. لكن لا يجب أن نكون سطحيين في هذا الأمر. سيكون من الخطأ بالتأكيد ضرب هذه المفاعلات بطريقة خاطئة وإطلاق إشعاعات كبيرة وإجبار السكان على الإخلاء.
البعض يقول إن الطاقة النووية مجرد وسيلة أخرى لإنتاج الكهرباء وغلي الماء. لكن هذا غير صحيح. ما يميز مفاعلات الطاقة هو أنها تنتج بلوتونيوم يمكن استخدامه في الأسلحة، وليس من الصعب استخراجه لصنع قنابل.
يقول البعض إن هذه المفاعلات لم تُستخدم لهذا الغرض من قبل. فلننظر في ذلك. صحيح أنها لم تُستخدم فعليا لإنتاج بلوتونيوم عسكري، لكنها تُستخدم في الولايات المتحدة لإنتاج التريتيوم المستخدم في الأسلحة. كما أن رونالد ريغان كان لديه خطة لاستخدام مفاعلات غير مكتملة في ولاية واشنطن لإنتاج بلوتونيوم عسكري. إضافة إلى ذلك، أجرت تركيا دراسة عام 1970 حول إمكانية استخدام مفاعلات الماء الخفيف لإنتاج بلوتونيوم للأغراض العسكرية، وتوصلت بشكل صحيح إلى أنها قادرة على ذلك.
الأمر أشبه بسلاح جاهز للإطلاق. لم يضغط على الزناد بعد، لكن هناك مخاطر في بنائه. لا أعتقد أن الناس يفكرون بوضوح في كل هذا.
يرون الطاقة النووية كتقنية جذابة ومستعدون لدعمها رغم تكلفتها العالية. وكل هذه السلبيات يتم التعامل معها بطريقة مهذبة. أعتقد أننا بحاجة إلى أن نكون أكثر صرامة في هذا الملف.
س: إذا لم يتغير شيء الآن، وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، ما مدى واقعية خطر أن تتبع إيران مسار البلوتونيوم سرا وتفاجئ العالم؟
ج: حماس إيران لدعوة الوكالة الدولية للطاقة الذرية مجددا لتفتيش هذه المحطة ليس كبيرا. أعتقد أنهم حذرون جدا. وقد قالوا إنهم يفكرون في الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية بالكامل.
نحن لا نعرف أين يخزنون كل هذه المواد. لا نعرف ما إذا كانت لديهم منشآت نووية أخرى ضرورية لصنع قلوب القنابل. لقد دمرنا بالفعل الكثير منها.
لكن هل نعرف أن هذا كل ما لديهم؟ أو أنهم لا يستطيعون إعادة بنائه في مكان آخر؟ لا أرى كيف يمكن معرفة ذلك إلا إذا كنت موجودا ميدانيا في كل مكان. في النهاية، لا يمكن الاطمئنان إلا إذا كنت تتعامل مع نظام قرر التخلي عن هذا المسار – كما فعلت جنوب أفريقيا وليبيا وتايوان. وهذا لم يحدث في إيران.
س: لقد أنفقوا كل هذه الأموال على مشروعهم النووي، وهم في مواجهة مع العالم بسببه. سيكون من الصعب عليهم التخلي عنه.
ج: لست خبيرا في السياسة الإيرانية. لكن الخلاصة أنك تريد التأكد تماما من أن أي دولة تنتج يورانيوم مخصبا أو تعيد معالجة الوقود المستهلك لإنتاج البلوتونيوم هي حليف موثوق وسيبقى كذلك إلى الأبد.
كانت الولايات المتحدة تثق بشدة في شاه إيران، وكان يريد الحصول على أسلحة نووية. وكنا نعتقد أنه طالما هو في الحكم ونؤثر عليه فلا داعي للقلق. فكرة أن هذا لا يمكن أن يحدث في أي مكان آخر في الشرق الأوسط؟ قد يكون ذلك أمرا جيدا، لكنني لا أراهن عليه.

ليلى بزي
ليلى بزي هي رئيسة التحرير في مؤسسة الشرق الأوسط للإرسال حيث تقود العمل الصحفي والتحريري والإبداعي لقناة الحرة ومنتجاتها الرديفة.


