خمسة أشياء لن يتحدث عنها أحد في إسلام آباد

لم يكد الحبر يجف على وثيقة وقف إطلاق النار حتى أغلقت إيران مضيق هرمز من جديد. 

في غضون أقل من أربع وعشرين ساعة على إعلان الولايات المتحدة وإيران هدنةً لأسبوعين، أصدرت القوات البحرية الإيرانية أوامر بتعليق حركة الناقلات عبر أكثر ممرات النفط أهميةً في العالم، مستندةً إلى الضربات الإسرائيلية على لبنان التي تصر واشنطن على أنها لا تندرج ضمن نطاق الاتفاق. وبحلول صباح الخميس، بات اللسفن تتلقى إرشادات حول مسارات بديلة.

محادثات إسلام آباد لم تبدأ بعد. ووقف إطلاق النار يتداعى. 

من المفترض أن تضع المحادثات المقررة الجمعة في إسلام آباد حدا لحرب امتدت أربعين يوما. لكن المنطلق الأساسي للتفاوض بات محل خلاف، وليس الأمر فقط يتعلق بالتخصيب النووي أو رفع العقوبات. القضية هي لبنان. تقول إيران إن وقف إطلاق النار يشمله، وتقول الولايات المتحدة إنه لا يشمله، وإسرائيل تقصفه على أي حال. وما لم يحل هذا التضارب، قد تنتهي المحادثات قبل أن تبدأ رسميا. 

لكن لبنان ليس سوى واحدة من المشاكل التي لا يجاهر بها أحد. 

المشكلة الأولى: وقف إطلاق النار انتُهك فعلا 

إسرائيل، التي أعلنت أن الاتفاق لا يغطي لبنان، شنّت الأربعاء أعنف قصف على البلاد منذ اندلاع الحرب، مستهدفة أكثر من 100 هدف في يوم واحد. وسقط ما لا يقل عن 230 قتلى وأكثر من ألف جريح. ووصف رئيس الجمهورية اللبناني ما جرى بـالمجزرة.” وأعلن رئيس الوفد الإيراني المفاوض محمد باقر قاليباف، وفقاً لصحيفة داون، أن ثلاثة بنود من إطار وقف إطلاق النار الإيراني قد “انتُهكت صراحةً وبوضوحوقف الأعمال العدائية في لبنان، وحظر انتهاك الأجواء، والاعتراف بحق إيران في التخصيب النووي. 

وقال مسؤول في البيت الأبيض ردا على استفسارات مكتب “الحرة” في واشنطن إن “الهدنات لا تسير بصورة نظيفة أبداً. الرئيس كان واضحاً منذ البداية: الاتفاق يغطي الساحة الإيرانية لا لبنان. نائب الرئيس جيه دي فانس ذاهب إلى إسلام آباد بمهمة واحدة: التحقق من جدية الإيرانيين. لكننا لن نكبّل إسرائيل في ضرباتها على حزب الله. لم يكن ذلك يوماً جزءاً من الصفقة، ولن يصبح كذلك“. 

المشكلة الثانية: لبنان فخ بلا مخرج

قال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف صراحة بأن وقف إطلاق النار يشمل لبنان “في كل مكان، على حد قوله. ويصل الوفد الإيراني إلى إسلام آباد على هذا الأساس. غير أن فانس قال علناً قبيل مغادرته واشنطن: “أعتقد أن الإيرانيين ظنوا أن وقف إطلاق النار يشمل لبنان، لكنه لم يكن كذلك. لم نقطع هذا الوعد قط“. وبدا ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حاسما عندما قال: إسرائيل ستضرب حزب الله “أينما كان ذلك ضروريا“. 

وأكد قاليباف أن لبنان وما وصفه بـمحور المقاومة” يمثلان “جزء لا يتجزأ من وقف إطلاق النار، مستنداً إلى كلام شريف نفسه.

لا مجال للإنكار والتراجع” قال قاليباف. كرر الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، التحذير على منصة إكس. 

وتحدث دبلوماسي في وزارة الخارجية يعمل على الملف الإيراني، إلى “الحرة” بشرط عدم الكشف عن هويته، وقال إن المشكلة كانت متوقعة.

نطاق وقف إطلاق النار، أي ما إذا كان يشمل لبنان، لم يُتفق عليه كتابةً، وهذا الغموض يُفرز الآن بالضبط المشكلة التي حذّرنا منها. مهمتنا أن نرى إن كان بإمكاننا تضييق هذه الفجوة في خمسة عشر يوماً. لست متفائلاً، لكن البديل هو حرب مفتوحة. لذا نذهب. نستمع. ولن نوقع على أي شيء يقيّدنا بإطار يستطيع الحرس الثوري تفجيره في صباح اليوم التالي،” أضاف الدبلوماسي الأميركي.

طالبت فرنسا والمملكة المتحدة وإسبانيا علناً بأن يمتد وقف إطلاق النار ليشمل لبنان. وشنّ حزب الله ضربات على شمال إسرائيل الخميس. وقصفت إسرائيل لبنان من جديد. 

والخميس، قال ترامب إن إسرائيل بصدد خفض التصعيد. تحدثت مع بيبي، وسيخفف من حدة العمليات. أعتقد أننا يجب أن نكون أكثر هدوءاً بعض الشيء.

وكان نائب الرئيس، جي.دي. فانس، قد أشار إلى الأمر ذاته الأربعاء، وقال للصحفيين بأن إسرائيل قد “تكبح نفسها قليلا” في لبنان. لكن ترامب وجّه هذا الطلب بينما كان في الوقت نفسه يتفق مع نتنياهو على أن لبنان لم يكن يوماً جزءاً من اتفاق وقف إطلاق النار. إنه يدير كلا الموقفين في آنٍ واحد، على ما يبدو. وما إذا كان ذلك سيصمد في إسلام آباد فهو السؤال الذي لا يستطيع أحد الإجابة عنه. 

المشكلة الثالثة: الرجل الذي أجاز هذه الصفقة لم يظهر للعلن قط 

ركّزت جميع وسائل الإعلام  تقريباً على هوية الذاهبين إلى إسلام آباد. ولم يهتم أحد بمن سيغيبون عن المفاوضات: المرشد الأعلى الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، الذي أجاز وقف إطلاق النار، لكنه لم يُطل علناً منذ توليه السلطة، وفقاً لصحيفة نيويورك تايمز. 

حدث تواصله الوحيد مع العالم في الثالث عشر من مارس. أقسم على الانتقام، ووصف مضيق هرمز بأنه رافعة “يجب أن تبقى رهن الاستخدام، وهدّد بفتح جبهات جديدة حيث “يكون للعدو خبرة محدودة“. 

تحدث ضابط استخبارات أوروبي رفيع لـ”الحرة” بشرط عدم الكشف عن هويته. قال: “لقد أجاز (مجتبى خامننئي) وقف إطلاق النار. ولم يظهر علناً منذ وفاة والده. هذا ليس طبيعياً. قائد لا يستطيع إظهار وجهه لا يستطيع تطبيق اتفاق. على الولايات المتحدة أن تحسم أمرها: هل هذا وقف إطلاق نار حقيقي أم وهم دبلوماسي؟ لأنه من وجهة نظرنا، يبدو أن الوهم هو الغالب”. 

المشكلة الرابعة: الحرس الثوري يدير الحرب لكنه غائب عن المحادثات 

العمليات العسكرية الإيرانية على مدى أربعين يوما، بما فيها زرع الألغام في مضيق هرمز والضربات على البنية التحتية الخليجية للطاقة وحملات الطائرات المسيّرة ضد منشآت الإمارات والبحرين، أدارها كلها الحرس الثوري الإسلامي. في حين لا يضم الوفد الإيراني المتوجه إلى إسلام آباد أي تمثيل مؤكد للحرس الثوري. رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ضابط سابق في الحرس، وهو الحلقة الأقرب. أما وزير الخارجية عباس عراقجي فدبلوماسي محترف. 

وكان توصيف ضابط الاستخبارات الأوروبي للأزمة بالغ الوضوح: “يمكن لعراقجي أن يوقّع إطارا جميلا في إسلام آباد يوم السبت، وبحلول صباح الأحد قد تُغرق القوات البحرية التابعة للحرس الثوري في بندر عباس ناقلة نفط ثم تلقي باللوم على ‘سوء تفاهم’. لقد انهار الاتفاق النووي للأسباب نفسها تماما، الدبلوماسيون لم يكونوا يوما أصحاب القرار العملياتي. وما لم يضع المرشد الأعلى ثقله وسلطته وراء آلية تفرض وقف إطلاق النار، فهذه ليست مفاوضات، بل هدنة مسرحية”. 

المشكلة الخامسة: الخليج يمضي قدما

وقال دبلوماسي كويتي سابق، على صلة وثيقة بوزارات الخارجية الخليجية، لـ”الحرة” بشرط عدم الكشف عن هويته: “زملاؤنا في الخليج يراقبون هذا الوضع بشعور نعرفه جيداً: حرب تُخاض من أرضنا، وهدنة لا توقف القتال، ولا أحد يسألنا رأينا”.

وتابع “تعلّمت الكويت عام تسعين أنك لا تستطيع إسناد أمنك بالكامل إلى راعٍ واحد. الآن السعودية تشتري منظومات دفاع جوي فرنسية، والإمارات تتحدث إلى أستراليا، وقطر تراجع اتفاقية القاعدة في العديد. الرسالة من الخليج إلى واشنطن هادئة لكنها لا لبس فيها: أنتم من بدأ هذه الحرب. لا تفترضوا أننا سندفع ثمنها مرتين“. 

أغلقت باكستان عاصمتها، وأعلنت عطلة رسمية، ورهنت مصداقيتها الدبلوماسية بنتائج مفاوضات هذا الأسبوع. وفي صباح السبت، سيجلس الوفدان في غرفتين منفصلتين في فندق سيرينا بينما يتنقل المسؤولون الباكستانيون بينهما حاملين الرسائل. 

لم يمض على قف إطلاق النار ثمانٍ وأربعون ساعة، وها محال نزاع، ومتداعٍ. ولم تبدأ المحادثات بعد، وها هي المشكلات ظاهرة لكل من ينظر إلى ما وراء العناون. 

جو الخولي

جو الخولي مدير مكتب واشنطن في الحرة / MBN، ومقدّم برنامج “The Diplomat”. يعمل في تغطية السياسة الخارجية الأميركية وتقاطعها مع شؤون الشرق الأوسط منذ أكثر من عشرين عاماً. عمل مراسلاً ميدانياً في تغطية الحروب والثورات من لبنان وسوريا وليبيا إلى الانتخابات الأميركية. خريج جامعة جورجتاون، وزميل سابق في برنامج CNN للصحافة، وحائز على جائزة Telly.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading