مُسيرات الفصائل تهدد بغداد بقطيعة خليجية جديدة

تخشى الحكومة العراقية من دخول العلاقة مع دول مجلس التعاون الخليجي في مرحلة “العزلة” مثلما حدث بعد احتلال العراق للكويت عام 1990.

ومع تصاعد الهجمات العابرة للحدود التي تبنتها فصائل عراقية مسلحة مرتبطة بإيران، تظهر ملامح أزمة بين بغداد والعواصم الخليجية التي تتعرض لهجمات صاروخية من إيران كذلك.

في 25 مارس الحالي، أصدرت دول مجلس التعاون الخليجي والأردن بيانا طالبت فيه الحكومة العراقية باتخاذ إجراءات ضد الهجمات التي شنتها فصائل موالية لإيران من الأراضي العراقية.

وهددت الدول الموقعة على البيان بـ”التصعيد” وأشارت إلى أن دعوتها للحكومة العراقية تأتي “حفاظا على العلاقات الأخوية”.

وضعت هجمات الفصائل الحكومة العراقية التي عملت خلال السنوات الماضية على ترميم علاقاتها مع محيطها العربي، في وضع صعب، قد يعقد دبلوماسية بغداد التي سعت للعودة إلى ما يُسمى بـ”الحضن العربي”.

وفقا لمصدر دبلوماسي عراقي تحدث لـ”الحرة”، فإن بعض الإشارات وصلت إلى بغداد من السعودية تفيد بتشديد الإجراءات على العراقيين الذين يرغبون بالدخول إلى المملكة، وتقليل التواصل معها بسبب ما أسماه “النفوذ الواسع للفصائل المسلحة في مؤسسات الدولة”.

وغادرت البعثة السعودية بغداد في 17 مارس الحالي، بعد ليلة من تعرض فندق الرشيد حيث مقرها إلى الاستهداف بطائرة مسيرة.

يقول الباحث السعودي في العلاقات الدولية سلمان الأنصاري لـ”الحرة” إن “تحول الأراضي العراقية إلى منصة لهجمات عبثية ضد دول الخليج أمر غير مقبول إطلاقا. وما لم يُعالج هذا الوضع سريعا، فقد يؤدي إلى تأزيم العلاقات العراقية الخليجية لسنوات طويلة”.

ويؤكد الأنصاري معلومات المصدر الدبلوماسي العراقي الذي تحدث “الحرة” بشأن “غضب” الرياض مما يحدث في العراق. ويقول إن “الرياض تشعر بغضب شديد إزاء حالة الانفلات الأمني في العراق، لأن استمرار السلاح المنفلت وتآكل هيبة الدولة لا يضران العراق وحده، بل يهددان أمن المنطقة بأكملها”.

ومنذ بداية الحرب على إيران في 28 فبراير الماضي، شهدت المنطقة موجة من الهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ استهدفت منشآت للطاقة ومطارات ومرافق مدنية في عدد من دول الخليج والأردن.

شُنت العمليات على دول الخليج من قبل جماعة تُدعى “سرايا أولياء الدم” استخدمت الطائرات المسيرة وأطلقتها من محافظات في جنوب العراق، واستهدفت منشآت حيوية في الكويت والسعودية والإمارات أيضاً.

هذه العمليات، وضعت الحكومة العراقية في معادلة معقدة بين الضغوط الخارجية والتوازنات الداخلية، إذ تدين الهجمات رسمياً وتؤكد رفض استخدام الأراضي العراقية لاستهداف دول الجوار، لكنها تواجه تحديات عملية في ضبط الفصائل المسلحة.

يقول زيدون الكناني وهو محاضر سابق في جامعة جورج واشنطن في قطر: “لا أعتقد أبداً أنها بداية قطيعة، ليس من مصلحة دول الخليج ولا من مصلحة العراق أن يحدث ذلك، خاصة بعد تطور العلاقة في السنوات الأخيرة”.

الكناني الذي يرأس أيضاً معهد وجهات النظر العربية، يرى أن البيان الذي صدر عن دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، هو موقف طبيعي، وكان لا بد منه، وفقا لقوله.

بين العراق والخليج تجربة قطيعة طويلة استمرت نحو عقد ونصف العقد، فقد شكّل احتلال نظام صدام حسين للكويت عام 1990 نقطة تحوّل حادّة في مسار العلاقات بين العراق ودول الخليج.

لم يقتصر التدهور على الجانب السياسي، بل شمل تجميد العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية، وترافق مع فرض عزلة دولية واسعة على العراق عبر قرارات مجلس الأمن. وفي تلك المرحلة، اصطفّت دول الخليج ضمن التحالف الدولي الذي عمل على إخراج القوات العراقية من الكويت، ما عمّق الفجوة بين بغداد ومحيطها الخليجي لسنوات لاحقة.

بعد عام 2003 عندما سقط نظام صدام حسين، بدأت العلاقات مساراً مختلفاً اتسم بمحاولات تدريجية لإعادة بناء الثقة وفتح قنوات التواصل من جديد. ورغم أن السنوات الأولى شهدت توترات مرتبطة بطبيعة النظام السياسي الجديد في العراق والهواجس الإقليمية، فإن المرحلة اللاحقة حملت مؤشرات واضحة على انفتاح متبادل.

يقول عادل مرزوق رئيس تحرير البيت الخليجي للدراسات والنشر: “تدرك دول الخليج أن العودة إلى سياسة العزل للعراق ليست مجدية في ظلّ التحولات الإقليمية. قد تسبب سياسة العزل في ما هو أسوأ”.

ويضيف: “البيان السداسي رسالة ضغط منضبطة الإيقاع، هدفها دفع الحكومة العراقية لإثبات أنّها تمتلك قرار الدولة، لضبط سلوك بعض فصائل الحشد الشعبي المنفلتة والمرتبطة مع بعلاقات عضوية مع إيران”.

ويحاول رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني أن يبعث برسائل إيجابية إلى دول الخليج عبر اتصالات يجريها مع أمراء وملوك المجلس، أو عبر وزارة الخارجية. لكنه على أرض الواقع، يعيش في تحد كبير حيث تملئ الطائرات المُسيرة سماء العراق.

وفقاً للمصدر الدبلوماسي، ومصدر سياسي في الإطار التنسيقي الشيعي تحدثا لـ”الحرة”، فإن “ضربات قوية تعرضت لها السعودية والإمارات والكويت من الأراضي العراقية، لكن ذلك لم يُعلن”.

في آخر اجتماعين للإطار التنسيقي الشيعي، طُرحت مسألة “تهديد” دول الخليج من العراق، وأكد السوداني وفقا للمصدر في الإطار، أن “الطائرات المسيرة التي تستهدف الخليج تهدد مصالح العراق، وتهدد بأزمة قد تتحول إلى عزلة”.

مصطفى سعدون
مصطفى سعدون صحافي عراقي عمل في مؤسسات إعلامية دولية وعربية عديدة. يُركز في كتاباته على السياسة وحقوق الإنسان.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading