آداب الشعوب الإسلامية


* – البرنامج:

01 – مدخل إلى آداب الشعوب الإسلامية
02 – الأدب الإسلامي الفارسي
03 – الأدب الإسلامي الأذربيجاني
04 – الأدب الإسلامي الأفغاني
05 – الأدب الإسلامي التركي
06 – الأدب الإسلامي الباكستاني
07 – الأدب الإسلامي الهندي
08 – الأدب الإسلامي الماليزي
09 – الأدب الإسلامي الإندونيسي
10 – الأدب الإسلامي السنغالي
11 – الأدب الإسلامي النيجيري
12 – الأدب الإسلامي المالي
13 – الأدب الإسلامي السواحلي
14 – الأدب الإسلامي الألباني
15 – الأدب الإسلامي البوسني
16 – آداب الشعوب الإسلامية بين التأثير والتأثر

***


* – مدخل إلى آداب الشعوب الإسلامية

1 – الأدب الإسلامي:
– يعتبر مجيب الكيلاني من رواد الأدب الإسلامي وهو من الأدباء الذين عرّفوا بالأدب الإسلامي ووضعوا أسسه العامة. ألف كتبا كثيرة في النقد والشعر والقصة، تصب في مجملها حول قضايا الأمة الإسلامية.
– وله روايات حول الشخصيات الإسلامية مثل عمر بن الخطاب وأخرى حول بعض الدول الإسلامية مثل نيجيريا وإندونيسيا أيام سوكارنو، انتقد فيها الفكر اليساري والاتجاه الوطني، لكنه تجاهل جرائم الصليبيين والصهاينة في بلاد الإسلام.
– الأدب الإسلامي ظهر منذ عصر النبوة، وفي منتصف القرن الماضي دعا بعض الدارسين إلى تأسيس مذهب أدبي إسلامي.
– والأدب الإسلامي هو الأدب الذي يعبر عن الكون والحياة والإنسان بمنظور إسلامي طبقا للقرآن والسنة، فهو أدب أخلاقي هادف غايته بناء المجتمع الإسلامي على الطريق السليم ومقاومة الغزو الفكري الغربي.
– وكان أول من كتب في هذا الموضوع ودعا إلى هذا المذهب الشيخ أبو الحسن على الندوي العضو بالمجمع العلمي بدمشق، ثم جاء بعده محمد قطب صاحب كتاب « منهج الفن الإسلامي » سنة 1961م، ونجيب الكيلاني الذي ألف كتاب « الإسلامية والمذاهب الأدبية » سنة 1963م، ومنهم أيضا عماد الدين خليل الذي ألف كتاب « النقد الإسلامي المعاصر » سنة 1974م.
– ومن أعلام الأدب الإسلامي أيضا: محمد إقبال وعمر بهاء الدين الأميري وعبد الرحمن رأفت الباشا وعبد الله الطنطاوي وعبد الحليم عويس وجابر قميحة وعبد القدوس أبو صالح ونبيلة الخطيب وغيرهم.
– ويرى أصحاب هذه النظرية أن الأدب الإسلامي لا يقبل التقسيم فهو صالح لكل عصر، وينبغي على الأديب أن يكون ملتزما في أدبه يعبر عن الفن والجمال بتصور إسلامي، وكل أدب لا يتبع هذا المذهب – عربي أو غيره – لا يخدم الأمة.
– ومن هنا نرى أن هدف هذه الجماعة هو إلغاء الآخر – وعلى الخصوص – المثقف العربي وقطع الصلة بين الثقافات، وأن النزعة الدينية والعصبية هي التي دفعت هؤلاء الأدباء والنقاد إلى تأسيس هذا المذهب، ليس لمجاورة المذاهب النقدية الأخرى وإنما لمجابهتها كالمذاهب الاشتراكية والوجودية وغيرها.
2 – مواطن الشعوب الإسلامية:
– أما الشعوب الإسلامية فهي تلك الشعوب التي تقطن الدول ذات الأغلبية المسلمة قد تكون عربية أو عجمية، وتقع في آسيا وأفريقيا وشرق أوروبا، بالإضافة إلى الأقليات المسلمة والمهاجرين في الدول غير الإسلامية.
– وأما أدب الشعوب الإسلامية فهو ذلك الأدب الذي يعبر عن ثقافة تلك الشعوب ويكتب بلغاتها قد يكون دنيويا أو دينيا. وفي هذا الدرس سنقتصر على أدب الشعوب الإسلامية غير العربية، لأن الطالب قد درس الأدب العربي في المشرق والمغرب من العصر ما قبل الإسلام إلى الآن.
– ومن بين الدول الإسلامية التي لها حضور في الأدب، وبالإضافة إلى الدول العربية، نذكر على سبيل المثال: إيران وتركيا وباكستان وإندونيسيا وماليزيا وأذربيجان في آسيا، وألبانيا والبوسنة في أوروبا، والسنغال ونيجيريا ومالي في أفريقيا.
3 – تاريخ الشعوب الإسلامية:
– لقد فُتحت بلاد فارس (إيران حاليا) في عهد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) بعد معارك عديدة أنهت حكم الفرس الساسانيين. كما فُتحت في عهده أيضا أذربيجان التي أصبحت من أهم الأقاليم الإسلامية في ذلك الوقت لأنها كانت بوابة القوقاز.
– وأما ماليزيا فقد وصلها الإسلام عن طريق التجار منذ العهد الأموي حيث أسلم شعبها، كما وصل الإسلام إندونيسيا أيضا عن طريق التجار في القرن الرابع عشر للميلاد وقام أهلها أنفسهم بنشر الدين الحنيف في باقي الجزر.
– كما فُتحت باكستان على يد القائد محمد بن القاسم الثقفي سنة 93 للهجرة، ومنها عبر وادي السند حتى بلغ مشارف البنجاب ناشرا الإسلام في أوساط الأهالي.
– وأما تركيا فقد وحّد إماراتها العثمانيون منذ بداية القرن الرابع عشر للميلاد، وبعد فتحهم للقسطنطينية استطاعوا الوصول إلى باقي دول البلقان كألبانيا والبوسنة ونشروا الإسلام بين أهاليها.
– أما السنغال، فقد أقام فيها المرابطون في القرن الحادي عشر للميلاد وعملوا على نشر الإسلام فيها والأقاليم المجاورة لها كغانا ومالي التي يعود إليها الفضل في نشر الإسلام في بلاد الهوسا، ومن الشمال انتشر الإسلام في أغلب أقاليم نيجيريا.
4 – لغات الشعوب الإسلامية:
– وأما لغات أدب الشعوب الإسلامية فهي متعددة، فإلى جانب العربية كتبت هذه الشعوب أدبها بلغاتها الأصلية ومنها من كتب بلغات المستعمر أحيانا.
– فالأتراك يكتبون بالتركية لغتهم الرسمية والبعض منهم يكتبون بالعربية وبعض اللغات الأوروبية. وأما الإيرانيون فيكتبون بلغتهم الفارسية والكثير منهم يكتب باللغة العربية. وأما الأفغان فيكتبون بلغتهم الباتشونية والفارسية أيضا.
– ويستخدم الإندونيسيون في كتاباتهم اللغة الإندونيسية والباهاسية. وتستخدم في باكستان اللغة الأوردية إلى جانب الإنجليزية. ويكتب أدباء بنغلادش بالبنغالية والإنجليزية والعربية. كما يكتب الماليزيون بلغتهم الملاوية والإنجليزية، والبعض منهم يكتب بالعربية أيضا.
– وأما الأدب الكردي فيكتب باللغة الكردية ولغات أخرى كالعربية والفارسية والتركية حسب المناطق التي يتواجدون فيها، وهي العراق وسوريا وتركيا وإيران.
– وفي السنغال ومالي تستخدم اللغة الفرنسية والعربية في الكتابة. وأما في نيجيريا فيستخدم الأدباء اللغة الإنجليزية والعربية ومنهم من يكتب باللغات المحلية كالهوسة والفولاني حسب المناطق، كما تستخدم اللغة السواحلية في شرق إفريقيا.
5 – آداب الشعوب الإسلامية قبل الإسلام:
– لقد ظهرت المعارف الأدبية والعلمية عند بعض الشعوب الإسلامية والعربية قبل الإسلام، منها ما كان شفهيا، ومنها ما كتب بلغات قديمة اندثرت، ومنها ما لم يصل إلينا لبعد الفترة أو عدم التدوين.
– لقد عرف العراقيون ملحمة جلجامش وشريعة حمورابي في العهد البابلي. وكان السريان في العراق وسوريا أول من ترجم كتب قدماء اليونان إلى السريانية، وذلك في القرنين الثاني والثالث للميلاد، وبواسطتهم تعرف العرب على فلاسفة اليونان.
– واشتهر العرب في شبه الجزيرة العربية بالشعر الجاهلي وأيام العرب، لقد ظهر الشعر عندهم منذ القرن الرابع الميلادي والذي وصلنا يعود إلى أواخر القرن الخامس للميلاد، لكن في مرحلة من مراحل تطوره، وهم أيضا أول من عرف القافية إلا أنهم لم يعرفوا العلوم لارتباطهم بالصحراء.
– وفي الجزائر ألف الملك يوبا الثاني في أواخر القرن الأول قبل الميلاد وبداية القرن الأول الميلادي عدة كتب في مختلف العلوم باللغة اللاتينية والإغريقية ولم تصل إلينا، إلا أنه كان عميلا للروم لقد استعان بهم لإخماد ثورة الأهالي التي قادها تاكفاريناس بين سنتي 17 و23 للميلاد. كما ظهرت أول رواية في العالم تحت عنوان « الحمار الذهبي » ألفها الأديب الجزائري لقيوس أبوليوس باللغة الرومانية كما نظم ديوان شعر أيضا عنوانه « الزهريات »، وذلك في منتصف القرن الثاني للميلاد. وفي بداية القرن الخامس للميلاد ألف القديس أوغستين كتبا عدة في اللاهوت أهمها: الاعترافات ومدينة الله، غير أن هذا الأسقف كان عميلا لروما حيث شارك في اضطهاد الأهالي الدوناتيين الذين لجأ بعضهم إلى أمراء غرب البلاد المستقلين المناوئين للتثليث وللمشركين.
– وفي بلاد الترك خلف الشاعر هوميروس الذي عاش في القرن الثامن قبل الميلاد بمنطقة إزمير التركية ملحمتي الإلياذة ولأوديسة الشهيرتين. وكان العرب في العهد الأموي قد جلبوا من القسطنطينية – إستنبول حاليا – كتب فلاسفة اليونان وترجموها إلى العربية. – ومن أشهر القصص في الهند كليلة ودمنة التي كتبت باللغة السنسكريتية في القرن الرابع للميلاد ثم ترجمت إلى الفهلوية في القرن السادس للميلاد وقد ترجمها ابن المقفع إلى العربية في القرن الثاني الهجري وصاغها بأسلوبه الأدبي مُتصرفًا به عن الكتاب الأصلي. كما ترجم العرب كتاب « هزار افسان » ومعناه ألف خرافة من اللغة الفارسية، ثم زادوا عليه قصصا كثيرة باسم ألف ليلة وليلة وانتشرت في جميع الأمم.
– ومن خلال الكتابات الهيروغليفية يتبين أن الحضارة الفرعونية لم تخل من العلماء والفنانين. ومن أعلام مصر في العهد الروماني بطليموس صاحِب كتاب المَجَسْطي الذي عاش في القرن الثاني للميلاد وألف في الفلك والجغرافية والرياضيات وغيرها من العلوم، وكانت الإسكندرية مركز إشعاع ثقافي اشتهرت بأكبر مكتبة في المنطقة.

***


* – الأدب الفارسي

1 – اللغات الفارسية القديمة:
– استخدم الفرس عدة لغات قبل الإسلام، منها الفارسية القديمة التي ضمت أغلب النقوش الأثرية بالخط المسماري ثم اللغة الأشورية والفهلوية، كما استخدم الفرس أيضا اللغة الآرامية. والفارسية القديمة هي من اللغات الآرية وتشترك مع السنسكريتية في بعض خصائصها.
– أما اللغة الفهلوية فلا تختلف كثيرًا عن الفارسية الحديثة إلا في الخط، وقد اقترضت بعض خصائصها من الآرامية لاحتكاك قدامى الفرس بالشعوب السامية. ولغة إيران اليوم هي اللغة الفارسية الحديثة التي تأثرت كثيرا باللغة العربية وكتبت بحروفها كما ترجمت الكثير من معارف العربية خلال العصرين الأموي والعباسي.
– وبالإضافة إلى إيران، تنتشر الفارسية في عدة مناطق من آسيا: في أذربيجان وأفغانستان وبعض دول آسيا الصغرى وشبه القارة الهندية، وأشهر الأدباء والعلماء الذين كتبوا بها ينتمون إلى هذه المناطق على اختلاف رقعتها الجغرافية.
2 – الأدب الفارسي القديم:
– والحضارة الفارسية القديمة قبل الإسلام، كباقي الأمم الكبرى، عرفت هي أيضا الآداب والفنون. ومن أقدم كتب الفرس « الأبتساق »، جاء في ثلاثة أجزاء رئيسية وهي العقائد الزردشتية والمعاملات والفلسفة. كتب « الأبتساق » باللغة الميدية القريبة من اللغة الفارسية ويعود إلى القرن السادس قبل الميلاد، وحفظ في مدينة إصطخر التي دمَّرها الإسكندر، فضاع منه عدة أقسام. والأبتساق كتاب منثور في شكل شعري لكنه غير مقفى ولا موزون.
– ومن أهم القصص التاريخية التي ظهرت في العهد الساساني، الشاهنامة الفهلوية، وهي أقدم المنظومات الحماسية الإيرانية، وموضوع هذه المنظومة هو الحرب التي دارت بين « كشتاسب » ملك إيران و »أرجاسب » ملك طوران، ويرجع تأليفها إلى القرن الخامس للميلاد. ومنها أيضا قصة كسرى أنوشروان، وتاريخ أدشير الذي ألف في القرن السادس للميلاد، وهذه الكتب الثلاثة هي من المصادر التي اعتمد عليها الفردوسي في الشاهنامه.
– من أبرز ما بقي من الشعر القديم: منظومة « درخت آسوريك » أو شجرة نسب الآشوريين؛ وأناشيد « غاتها » وهي الأناشيد الدينية التي كانت جزءًا من الكتاب الديني للزرادشتية « الأفستا ».
– يرى بعض مؤرخي الفرس أن « بهرام جور » أول من نظم الشعر باللغة الفارسية وأنهُ أخذ الشعر من الشعراء العرب في بلاط الحيرة؛ هذه الإمارة التي كان يقصدها بعض الشعراء الجاهليين المتكسبين في عهد المناذرة، كانت بمثابة الجسر الذي يربط بين بلاد فارس وجزيرة العرب. وبهرام كان ملكاً ساسانياً توفي سنة 438 للميلاد.
– فالحضارة الفارسية عرفت فنون الأدب قبل الإسلام، لكن معظمه ضاع لأسباب كثيرة، منها: اعتناق الفرس الإسلام وابتعادهم عن المجوسية، واختلاف اللغة البهلوية القديمة عن الفارسية الحديثة واستبدال الخط الفارسي بالخط العربي.
3 – الصلات بين الفرس والعرب:
– وفي عهد الإسلام تعلم الفرس اللغة العربية ودونوا بها شتى العلوم والفنون، لقد كتبوا في التفسير والفقه والحديث النبوي، وعلوم اللغة العربية وفنون الأدب العربي وغيرها. وحتى الشعوبيون الذين تعصبوا لعرقهم اتخذوا من لغة القرآن الكريم بديلا من لغتهم الأصلية.
– ومن جهة أخرى، لقد ترجم علماء الفرس الذين كانوا يعيشون في كنف الدولة الأموية والعباسية، كتب العلوم والأدب من الفارسية البهلوية إلى العربية، بغية نشرها في أوساط المسلمين وحفظها من الضياع. ومن المترجمين الذين ذاع صيتهم جبلة بن سالم وعبد الله بن المقفع.
– لقد ترجموا كتب الحكمة التي أخذها الفرس عن اليونان، كما ترجموا أيضا كتب التاريخ وسير ملوك الفرس، وقد استفاد منها الطبري في تاريخه، وكذلك ترجموا كتب المواعظ والآداب، وكان ابن المقفع ممن نقلوا هذه الكتب إلى العربية، وقد استفاد منها في مؤلفاته كالأدب الكبير والصغير وغيرهما.
4 – الأدب الفارسي الحديث:
– وبظهور اللغة الفارسية الحديثة التي اقترضت الكثير من خصائصها من العربية وكتبت بحروفها، ظهر الأدب الفارسي إلى الوجود وذلك في القرن التاسع الميلادي، في شمال شرق إيران.
– ومن أقدم شعراء الفارسية بعد الإسلام أبو العباس المروزي (ت 200هـ). وردت له بعض القصائد لكنها مشكوك في نسبتها له. وجاء بعده الشاعر حنظلة البرغيسي (ت 229هـ)، وهو من شعراء الدولة الطاهرية (205هـ-259هـ). ثم ظهر الشاعر محمد بن الوصيف السجزي الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري.
– لقد ذهب شمس الدين الرازي في كتابه « المعجم في معايير أشعار العجم » إلى أن أول من قال الشعر الفارسي أبو حفص السغدي، وهو من سمرقند وقد عاش في القرن الثالث الهجري، وكان حاذقًا في الموسيقى. المرجح أن أبا حفص هذا جاء بعد الشعراء الثلاثة الذين ذكرناهم سالفا.
– كما اشتهر الفرس بكتابة القصص نظما وخصوها الشكل المزدوج ويسمى عندهم المثنوي.
أ) الأدب في عهد الدولة السامانية:
– ولعل أعظم شاعر فارسي في ذلك الوقت، هو أبو جعفر الرودكي الذي عاش في دولة السامانيين (261هـ-389هـ)، ونظم شعرا كثيرا ضاع أغلبه ولم يبق منه سوى بعض القطع نظمها على شكل الرباعيات، وهو أول من نظم القصص ومنها كليلة ودمنة. يذكر أن الشعر الفارسي يغلب عليه الشكل المربع أي الدوبيت.
– شهدت دولة السامانيين بكثرة شعراء الآداب الفارسية، كما شجع أمراؤها ترجمة المعارف العربية إلى اللغة الفارسية. وقد عاش في أواخر الدولة السامانية أبو علي بن سينا الذي ألف في شتى العلوم: الفلسفة، الطب، الرياضيات، الموسيقى، كما نظم الشعر بالفارسية وله أراجيز في الطب، ومن أشهر كتبه القانون في الطب. توفي في همدان بإيران سنة (427هـ-1037م).
– وفي عهد السامانيين أيضا ظهر شاعر الفرس الكبير أبو القاسم الفردوسي (ت 1020م) والذي أدرك الدولة الغزنونية وهو معاصر للرودكي ولابن سينا. اشتهر بكتابه الشاهنامه الذي نظمه في الأساطير الفارسية ممجدا تاريخ الفرس قبل الإسلام، وذلك لدواع شعوبية. وقد نظمت قبله بعض المحاولات في الشاهنامه من قبل أدباء عصره لكنها لم تكتمل.
– والشاهنامه أو كتاب الملوك هي في الأصل عدة كتب كتبها أدباء فرس مختلفون في عدة عصور، جمعوا فيها الأساطير الفارسية القديمة. وقام الفردوسي بجمع ما في تلك الكتب في قصيدة طويلة. ويرى الباحثون الإيرانيون أن ذلك الكتاب أهم موسوعة عن الفرس قبل الإسلام.
ب) الأدب في عصر السلاجقة:
– وفي عصر السلاجقة (1037م-1194م) ظهر شعراء كثيرون نظموا الشعر بالفارسية والعربية، نذكر من بينهم: ناصر خسرو، وعمر الخيام صاحب الرباعيات التي ترجمت إلى معظم لغات العالم. وفي التصوف ظهر أبو سعيد بن أبي الخير، والأنصاري، ومجد الدين سنائي وغيرهم.
– ومن الكتاب في هذا العصر نذكر: نظام الملك الوزير، والغزالي، والأسدي صاحب كتاب لغة الفرس، ومن المتصوفة الهجويري مؤلف كتاب كشف المحجوب وهو من أقدم الكتب الصوفية ألفه في القرن الخامس للهجرة.
– وفي هذا العصر أيضا، ازدهرت الترجمة من العربية إلى الفارسية، ومن أبرز المترجمين جمال القرشي مترجم الصحاح، والزوزني صاحب كتاب ترجمان القرآن، ونصر بن عبد الحميد مترجم كليلة ودمنة.
– وفي نهاية عصر السلاجقة ظهر أبرز شعراء الفرس، منهم نظامي في أذربيجان (ت 1209م)، الذي يُعتبر أعظم الشعراء الرومانتيكيين في الأدب الفارسي وقد اشتهر بالنظم المثنوي، وفريد الدين العطار صاحب كتاب منطق الطير (ت 1221م)، وهو من شعراء الصوفية. ومنهم أيضا جلال الدين الرومي (ت 1273م) صاحب الطريقة الصوفية المولوية، وسعدي الشيرازي الشاعر الصوفي الذي عاش في القرن السابع الهجري، من أشهر كتبه في النثر الفني « كلستان » وفي النظم « البستان »، وغيرهم.
– ومن الكتاب في هذا العصر، نجد الإمام فخر الدين الرازي الذي عاش في القرن السادس للهجرة مؤلف الاختيارات العلائية، ونصير الدين الطوسي (ت 1274م)، وهو مؤلف موسوعي يكتب بالفارسية والعربية، ومنهم أيضا الأديب محمد عوفي مؤلف لباب الألباب وهو من القرن السابع الهجري، كذلك البيهقي صاحب التاريخ. ومنهم أيضا، السهروردي، صاحب « حكمة الإشراق »، والميداني، والزمخشري، والشهرستاني، وقد كتبوا بالعربية والفارسية.
جـ) الأدب في عهد التتار:
– وفي عهد الدولة التيمورية (1370م-1507م) ظهر لسان الغيب شمس الدين حافظ الشيرازي (ت 1390م)، وهو من أشهر شعراء الفرس الغنائيين، له أشعار بالعربية والفارسية. كما نبغ أيضا الشيخ عبد الرحمن الجامي (ت 1492م)، والذي يعد من مشاهير شعراء فارس وكتابهم في القرن التاسع الهجري، ومن مؤلفاته: « ليلى والمجنون » و »يوسف وزليخة ».
– ونتيجة للظلم والخراب الذي لحق المنطقة من جراء هجمات التتار المتكررة، انتشر الشعر الصوفي في هذا العصر وكثر المتصوفة. وهو العصر الذي قل فيه الشعر بسبب عدم اهتمام الحكام المغول بالشعراء.
5 – أنواع الشعر الفارسي:
أ) شعر القصور:
– وهو يتمثل في شعر المديح والمناسبات الدينية ووصف الحرب، ويغلب عليه فن القصيد. ظهر هذا النوع من الشعر مع بداية الشعر الفارسي الإسلامي في عهد الطاهريين والصفاريين، وازدهر خلال فترة السامانيين والبويهيين والسلاجقة. ويرجع ازدهار فن القصور إلى رعاية الحكام من أمراء وسلاطين للشعراء.
– ومن رواد هذا النوع من الشعر الرودكي (ت 940م) شاعر السامانيين، ولم يبق من ديوانه سوى بعض القصائد. ومن الشعراء الذين اتصلوا بالسامانيين ومدحوا أمراءهم، الشاعر الدقيقي الطوسي (ت 980م).
ب) شعر الملاحم:
– وهو شعر الحماسة الذي يروي قصص الحروب والبطولات وسير الملوك والأحداث التاريخية والوطنية، ويتخذ من المثنوي شكلا له. ويسمى الشعر الملحمي عند الفرس « الشاهنامة » بمعنى كتاب الملوك، وقد ظهر قبل الإسلام.
– ازدهرت الملحمة في عهد دولة السامانيين أين عمل الأدباء على إحياء التراث القديم، اعتزازا بنسبهم الفارسي، فظهرت في عهدهم مجموعة من القصص النثرية باسم الشاهنامة، منها شاهنامة أبي المؤيد البلخي وشاهنامة أبي علي البلخي وشاهنامة أبي منصور الطوسي في تاريخ فارس وسير ملوكها ومفاخر شعبها.
– جاء في المصادر أن أول ملحمة نظمت بعد الإسلام هي شاهنامة المسعودي المروزي، لكنها ضاعت. أما الشاهنامة الثانية فقد نظمها الشاعر الساماني الدقيقي الطوسي على منوال ملحمة أبي منصور النثرية إلا أنه قتل قبل إتمامها، فجاء بعده الفردوسي وأكملها. وشاهنامة الفردوسي المطولة هي من أشهر الملاحم عند الفرس تناولت تاريخهم من أقدم العصور حتى سقوط الساسانيين وزوال دولتهم على يد الفاتحين المسلمين. وقد حذا حذوها الشعراء الإيرانيون في نظم الملاحم.
جـ) شعر الغزل:
– ظهر الغزل في الشعر الفارسي في القرن الثالث للهجرة. ويعتبر الشاعر حنظلة البدغيسي أول من نظم مقطوعات غزلية وهو أيضا من أوائل الشعراء الفرس بعد الإسلام.
– وفي عهد الدولة السامانية ازدهر شعر الغزل خلال القرن الرابع الهجري على يد الشعراء أمثال الرودكي والشهيد البلخي والدقيقي الطوسي وغيرهم. وفي القرن الخامس الهجري بدأ الشعراء يمزجون موضوع الغزل بالمدح في قصائدهم على غرار شعراء العربية.
– وفي القرن الخامس الهجري ظهر الغزل الصوفي وهو التغني بحب الذات الإلهية. وجاء في المصادر أن أبا سعيد بن أبي الخير (ت 1049م) هو أول من نظم الشعر الصوفي وخصه الشكل الرباعي. ثم جاء بعده في الفترة نفسها بابا طاهر الهمداني وخواجه عبد الله الأنصاري.
– والغزل الصوفي هو من أروع ما نظم في الشعر الفارسي، وعمّ جميع الأقطار الإسلامية، وبرز فيه شعراء عالميون من أمثال السنائي الغزنوي صاحب المثنويات وفريد الدين العطار ومولانا جلال الدين الرومي وسعدي الشيرازي. ومن أشهر شعراء العرفان، الحافظ الشيرازي (ت 1289م) ونور الدين عبد الرحمن الجامي (ت 1492م) آخر شعراء الصوفية الكبار.
د) الشعر القصصي العاطفي:
– وهو الشعر الرومانتيكي الذي ظهر في القرن الخامس للهجرة في بلاد فارس. جاء في بعض المصادر أن الشاعر العنصري (ت 1039م) هو أول من نظم المثنويات في القصص العاطفية.
– لقد ورد في الشاهنامة مجموعة من القصص العاطفية، وهذا يعني أن قصص الحب قد ظهرت في الأدب الفارسي القديم قبل الإسلام. وقد نسبت إلى الفردوسي قصة يوسف وزليخة وهي قصة مقتبسة من القرآن الكريم.
– بلغ شعر القصص العاطفي في القرن السادس الهجري أوج ازدهاره على يد الشاعر النظامي الكنجوي (ت 1217م) الذي اشتهر بنظم المثنويات في هذا النوع، وقد نظم على منواله ممن جاءوا بعده.
– أما الشاعر الصوفي نور الدين عبد الرحمن الجامي فيعد من أكبر الشعراء الذين نظموا القصص العاطفي بعد النظامي. ومن أشهر قصصه العاطفية: سلامان وأبسال، يوسف وزليخة وليلى والجنون. وقد تأثر في قصصه بمصادر يونانية وعربية وبالقرآن الكريم.
هـ) شعر المواعظ:
– وهو نوع من الشعر نظمه شعراء الفرس في الحكم والمواعظ والأخلاق ويسمى الشعر التعليمي عند البعض. يهدف إلى تعليم أفراد المجتمع مبادئ الدين كما يدعو إلى تهذيب الأخلاق والابتعاد عن المساوئ. وقد نظمه الشعراء في مختلف الأشكال الشعرية كالمزدوج والدوبيت وغير ذلك.
– أول من نظم في الوعظ والحكمة الشاعر الرودكي السمرقندي كما نظم معاصروه أيضا في هذا الموضوع، ومنهم الشهيد البلخي والدقيقي الطوسي وأبو الفتح البستي وغيرهم ممن تركوا قصائد وقطع في هذا النوع من الشعر.
– ولم تخل رباعيات عمر الخيام (ت 1132م) من الحكمة والدعوة للأخلاق ونقد الآفات الاجتماعية، إلاّ أن الفرس لم يأبهوا بأفكار هذا العالم الرياضي لأسباب أو أخرى. لكن الرباعيات اشتهرت خارج حدود إيران وراجت في أوروبا كما ترجمت إلى مختلف لغات العالم وتغنى بها المطربون.
– ويعتبر سعدي الشيرازي (ت 1294م) من أكبر شعراء الشعر الأخلاقي، ويتجلى ذلك في كتابيه « كلستان » و »البستان » الذي تناول فيهما النصائح ومكارم الأخلاق. هذا، وفي الشعر الفارسي أنواع أخرى غير التي ذكرناها.

***


* – الأدب التركي

1 – اللغات التركية القديمة:
– استخدم الأتراك في شمال البلاد قبل الإسلام الخطوط « الأورهونية » في كتابة الملاحم ونظم الأشعار، وهي لغة تتفرع من الآرامية.
– كما استخدموا الكتابة « الأويغورية » في شرق تركستان ودونوا بها الأدب الديني، وهي الكتابة نفسها التي استخدمها المغول في آسيا الوسطى. لكن هذه الملاحم والنظم لم تصل إلينا إلا النزر القليل.
– وبعد الإسلام سادت اللغة العثمانية في بلاد الأناضول (تركيا الحالية) كما انتشرت أيضا في أذربيجان، وقد كتبت بحروف عربية، قبل أن يستبدلها العلمانيون بقيادة مصطفى أتاتورك بالحروف اللاتينية بعد الحرب العالمية الأولى.
– يختلف الأدب التركي حسب العصور، وينقسم إلى الأدب القديم والأدب ما بعد الإسلام، ثم الأدب المتأثر بالحضارة الأوروبية وأدب عصر الجمهورية. بالإضافة إلى أدب المجتمعات التركية التي تنتشر في شرق أوروبا وغرب آسيا وشمال بلاد العرب.
2 – الأدب التركي القديم:
– بدأ الأتراك كتابة أدبهم قبل الإسلام بالنقش على الأحجار، لقد وجدت نصوص كثيرة يطلق عليها « أدب الأحجار الأبدية » منها « كتابات أورخون » بمنغوليا، وتبدأ هذه الفترة من القرن السابع إلى القرن التاسع الميلاديين.
– وفي القرن التاسع للميلاد ظهرت أول الكتب المدونة باللغة الأويغورية، ورغم أنها من الأعمال البدائية، إلا أنها انتشرت في مناطق كثيرة في تلك الفترة. ومن أهم أعمال الأويغور التي وصلت إلينا نذكر: عرق بيتيج، ثمانية أكوام، ألتون يَروق وغيرها.
3 – الأدب التركي بعد الإسلام:
– تبدأ العصور الإسلامية في بلاد الترك ابتداء من القرن الحادي عشر للميلاد، لقد دخل الإسلام أرض الأتراك من بلاد فارس، ولهذا نجد الأدب التركي في بدايته ظهر متأثرا بالأدب الفارسي، بل عدد كبير من الأدباء في شرق الأناضول كتبوا بالفارسية، ومنهم من ينتمي إلى الحضارة التركية والفارسية معا.
أ) أدب الشعوب التركية الشرقية:
– أول الأعمال الأدبية التي وصلت إلينا والتي تتمثل في الأساطير كتبت بالتركية الشرقية المنحدرة من اللغة الأويغورية، منها حكايات الأوغوز الأسطورية في القرن الحادي عشر للميلاد في آسيا الوسطى. وكذلك كتاب « المعرفة » كتبه يوسف سنة 1069م للسلطان، والكتاب ديوان شعر حول القيم الإسلامية والعلاقة بين الحكام والرعايا.
– وفي خوارزم استخدم الكُتاب لغة الأوغوز منذ القرن الثالث عشر الميلادي. ومن الكُتاب الأديب رابجورزي الذي ألف كتاب « قصص الأنبياء » سنة 1310م، ومحمود كردر الذي ألف كتاب « نهج الفراديس » سنة 1360م.
– وفي العهد التيموري ازدهر الأدب في آسيا الوسطى خلال القرن الخامس عشر، في سمرقند وهرات وبخارى وغيرها. ومن أبرز الأدباء في تلك الفترة لطف الهراتي وحسين بيكارا سلطان هرات (ت 1506م)، الذي رعى الشعراء والكُتاب في بلاطه.
– ويُعد الشاعر « نوائي » (ت 1501م) من أعظم شعراء الأدب التركي الشرقي، الذين لازموا بلاط سلطان هرات، وقد تأثر نوائي بالأدباء الفرس من أمثال « نظامي » و « جامي ». ومن أهم كتبه كتاب « مجالس النفائس » في مجال السير، الذي يؤرخ لحياة الشعراء الأتراك، وكتاب « ميزان الأوزان »، في علم العروض. ومن أبرز الأدباء في اللغة التركية الشرقية الجغطائية السلطان ظهير الدين بابر (ت 1530م) مؤسس دولة المغول الهندية الذي اشتهر بمذكراته « بابر نامة »، وقد ترجمت إلى عدة لغات. أما السلطان أبو الغازي بها دورخان (ت 1663م)، فقد كتب « شجرة الأتراك » وهو كتاب في التاريخ اعتمد فيه على المصادر التركية والفارسية والمغولية التي قام بجمعها من أنحاء البلاد.
ب) أدب الشعوب التركية الغربية:
– ظهر الأدب التركي الرفيع على الأراضي التركية الغربية في القرن الثالث عشر للميلاد في عهد السلاجقة. فظهرت حكايات منظومة ومنثورة في بلاد الأناضول وأذربيجان باللغة الآذرية القديمة واللغة العثمانية. ومن بين أدباء هذا العصر، جلال الدين الرومي (ت 1273م) الذي عاش في قونية وكتب عدة مؤلفات في شتى العلوم وعلى الخصوص التصوف، كتبها بالفارسية والعربية والتركية كما اشتهر عنه ولعه بنظم المثنوي الفارسي.
– كما نظم ابنه السلطان (ت 1312م) قصائد تركية في المثنويات الفارسية وهي « ابتدا نامه »، و « رباب نامه »، وله أشعار تركية أخرى. وأما أحمد فقيه (ت 1221م) فهو من أقدم شعراء الأتراك في الأناضول، وله كتاب المثنوي المسمى « أوصاف المسجد الشريف » وقصائد تركية أخرى في النصائح الدينية وغيرها.
– وفي بداية عهد الدولة العثمانية قام الأدباء بترجمة المثنويات الفارسية إلى اللغة التركية في الأقاليم الأناضولية برعاية الحكام العثمانيين. ومن أشهر الأدباء مسعود هوجا صاحب مثنوي « سُهيل نفيهار » الذي نقل حكاية كليلة ودمنة إلى التركية، وكذلك الأحمدي صاحب مثنويات « إسكندر نامه » والذي يؤرخ فيه للدولة العثمانية.
– لقد تأثرت اللغة التركية بالأساليب والصور الفارسية بفضل شعراء إيران الذين قاموا بنقل موضوعات الحكاية، والتصوف، والغزل، واللهو وأغراض أخرى إلى الأدب التركي. كما كتب الأتراك الموضوعات البطولية والدينية باللغة الشعبية. ومن أهم الأعمال في هذا المجال كتاب « حمزوي نامه » لحمزة أخو الأحمدي.
– ولما جعل السلاطين إسطنبول عاصمة لهم، ازدهرت الثقافة والآداب التركية، وعلى الخصوص في عهد محمد الثاني الفاتح، الذي كان ينظم الشعر بالعربية وبالفارسية، كما رعا الأدباء والعلماء وقام بإصلاح المدارس.
– وفي هذه الفترة انتشر الأدب الديواني في الأناضول متأثرا بالمثنويات القصصية الفارسية كقصة « يوسف وزليخا » المستوحاة من قصة سيدنا يوسف في القرآن الكريم. أما قصة « مجنون ليلى » فقد تناولها أكثر من شاعر، ولعل أبرزهم الشاعر « فضولي » المتوفى سنة 1556م.
– ويمتد العصر العثماني من القرن الرابع عشر وحتى القرن التاسع عشر الميلاديين حيث تطوّر الأدب في إطار الحضارة الإسلامية وتأثر الأدباء بالدين الإسلامي، ويمكن تقسيم الأدب إلى ثلاثة أقسام مختلفة.
4 – أقسام الأدب التركي:
أ) الأدب الشعبي:
– يغلب على الأدب الشعبي الأشكال الرباعية والأوزان الخفيفة، وينظم كتابيا وأحيانا ارتجاليا بلغة بسيطة يفهمها عامة الشعب. وأغلب الشعراء في هذا اللون من الرحالة، وأقدم قصائدهم قيلت ارتجاليا وتعود إلى القرن السادس عشر للميلاد، يطلق على هؤلاء الشعراء اسم « شاعر الشعب » أو « شاعر الربابة » أو « العاشق ».
– وهؤلاء الشعراء الأتراك لا يختلفون كثيرا في منحاهم عن الزجالين الأندلسيين الذين سبقوهم بقرون وعن الشعراء الجوالين في جنوب أوروبا الذين ظهروا منذ القرن الثاني عشر الميلادي متأثرين بالأندلسيين.
– ومن الشعراء من وصلت أشعارهم دون أسمائهم، ومنهم من يصنف ضمن الفرسان العشاق فاختلطت حياتهم مع الأساطير، يتداولها أفراد المجتمع، وهذا يذكرنا بشعراء التروبادور أثناء الحروب الصليبية الذين امتزجت حياتهم الغرامية والبطولية بالخرافات.
– لقد تناولت القصائد الشعبية التي نظمها العاشقون الموضوعات البطولية والقضايا الاجتماعية، كما تطرقوا أيضا إلى النصائح الأخلاقية، والحنين إلى الوطن، والحب، والطبيعة، والرغبة في الهجرة إلى البلدان المجاورة.
– كما تطرق الأدباء إلى الحكايات الشعبية نظما ونثرا، وذلك منذ القرن الخامس عشر للميلاد في الأناضول، وتناولوا فيها الموضوعات البطولية. غير أن جلها نسج على منوال الملاحم القديمة. ومن هؤلاء العشاق الذين استخدموا الحكايات الشعبية في ميدان الشعر، تشيلدرلي شنليك، وبوسوفلوا مودامي.
– أما الأدب المجهول الكاتب أو الشاعر مثل الأساطير، والحكايات الجارية بين الناس، فقد قيلت في الأناضول وباللغة التركية، منها حكايات من العصر العثماني وأخرى تعود إلى العصر ما قبل الإسلام، وقد بدأت كتابتها من القرن التاسع عشر للميلاد. تناول الأدب الشفهي مواضيع كثيرة منها النصيحة والحب والأغنية والتاريخ، بالإضافة إلى حكايات بعض الروائيين التي تحمل قصص واقعية.
ب) الأدب الديواني:
– نشأ الأدب الديواني على يد نخبة مثقفة ارتبطت بالقصور والمدارس، والذين نقلوا إلى لغتهم التركية أقوال حكماء إيران وأدبائها المشهورين. وقد استمد هذا النوع من الأدب خصائصه من محتويات الأدب العربي والفارسي. وقد طرق معظم الأشكال المعروفة مثل الرباعي، والمثنوي، والقصيدة وغيرها.
– ومن الشعراء مثل نائلي ونشأت وغيرهما من نظموا الشعر المعقد المبني على الخيال متأثرين بالملاحم الهندية. ومن الشعراء مثل نديم فاضل وغيره من ارتبطوا بالطبقات الشعبية ونظموا الشعر على لغتها البسيطة.
– ومن أبرز الشعراء في هذا المجال نائل، وفهيم. غير أن الذين جاءوا بعدهم غيروا في الأوزان مما أدى إلى تطور الشعر الديواني. وبعد ذلك وضع الشعراء نماذج للشعر مستفيدين من الموضوعات التي تناولها الشعراء من قبلهم. ومن أبرز الشعراء الذين ساروا على هذا النهج يحيي كمال بياتلي الذي تأثر بنديم، ونشأت، وباقي.
جـ) التكايا:
– استخدم الشعراء العرفان طريقا للوصول إلى الحب الإلهي، ورأوا الخلق في صورة الخالق، وقد تطور هذا النوع من الشعر تحت تأثير الدين الإسلامي. وارتبط الأدب الصوفي التركي بموضوع السكر وهو صورة من صور شطحات الصوفي، والتكايا ترمز للحانة التي يتردد عليها الصوفي وهي الخلوة التي لا ينشغل فيها الشاعر سوى بحب الله.
– وقد جمع أدب التكايا مجموعات من الناس على اختلاف ثقافاتهم وأماكن تواجدهم. وينظم هذا النوع من الشعر في قصائد ومثنويات وقد ينتمي إلى أدب الديواني كما قد يتضمن موضوعات من الأدب الشعبي وبلغة بسيطة ومفهومة.
– ينتمي الأدب الصوفي في بلاد الأناضول إلى عدة طرق أشهرها الطريقة المولوية نسبة إلى مولانا جلال الدين الرومي الذي ألهم الشعراء في البلاد التركية وفي بلاد فارس أيضا. ويعد يونس امره في القرن الثالث عشر للميلاد من كبار الشعراء الذين تأثروا بمناقب مولانا جلال الدين الرومي وأدخلوا الموسيقى والرقص في الطريقة المولوية، حتى أصبحت أشعاره تغنى في مختلف الحفلات.
– كما تأثر الشعراء من مريدي الطريقة المولوية بنهج يونس امره ونظموا في موضوعات على منوال قصائده. ولم يقتصر الشعر الصوفي التركي على هذه الطريقة بل من الشعراء من انتهج الطريقة القادرية في شعره ومنهم من اتبع الطريقة النقشبندية، بالإضافة الشعراء العلويين الذين كرسوا قصائدهم في مدح النبي وآل بيته.
5 – الأدب التركي الحديث:
– وهو الأدب الذي ظهر تحت تأثير الحضارة الغربية وخاصة فرنسا، ويتنوع حسب الاتجاهات، منه أدب التنظيمات العثمانية، والأدب الجديد، والأدب الوطني. لقد استخدم الأدباء لغة الأدب للوصول إلى الطبقات الاجتماعية بدلا من اللغة الشعبية وذلك منذ بداية عصر الإصلاحات الدستورية أو تنظيمات المشروطية سنة 1839م.
– أدى الأدب المكتوب إلى انحطاط الأدب الشفهي، كما حذا الأدباء حذو الغربيين في الرواية، والمسرح، والنقد، والمقالة، واتجه الأدب نحو واقع الحياة في معالجة المشاكل الاجتماعية بعيدا عن جموح الخيال.
– ومن كتاب عصر التنظيمات الصحفي شناسي الذي اهتم بالشكل النثري وجعل من لغته أسلوبا يفهمه مجموعة كبيرة من الناس. ومن أعماله « زواج الشاعر » وهي أول مسرحية كتبها سنة 1859م، وقد تأثر فيها بالمسرح الغربي حيث مزج فيها بين الأسلوب المسرحي الغربي والمسرح الشعبي العثماني.
– ومن الشعراء نامق كمال يورت الذي تناول في شعره موضوعات مثل احترام الشعوب، والدفاع عن الحرية، ومحاربة الظلم. ومن الأدباء من تناول موضوعات مثل الطبيعة والعشق والحياة، واستحدثوا أشكالا جديدة كما أضافوا كلمات مبتكرة وابتعدوا عن الألفاظ الدخيلة الشرقية. ومن هؤلاء أحمد مدحت أفندي الذي تأثر بالقصص الشعبية، وقاربيبك الذي كتب قصة طويلة سنة 1890م تناول فيها واقع القرى التركية، أما نابي زاده ناظم فتناول مواضيع الطبيعة، وغيرهم من الأدباء.
– أما الأدب الجديد فقد اهتم بالمشاكل الوطنية في فترة التنظيمات، وتناول موضوعات مثل علاقة الشعب بالوطن، كما استخدم اللغة البسيطة التي يفهمها جميع الناس، وذلك من أجل توعية الشعب. وقد نشأ الأدب الجديد وتطور في عهد السلطان عبد الحميد الثاني.
– ومن كُتّاب هذه الحركة توفيق فكرت (ت 1912م) الذي انتقد الأوضاع السياسية والاضطرابات الاجتماعية، ورحمي جوربينار الذي كتب روايات مسلية وكتب تعليمية. وقد جسدوا في قصائدهم المشاعر الفردية والحياة الشخصية متأثرين بالخصائص الشكلية الغربية وعلى الخصوص الفرنسية.
– أما الأدب الوطني فقد تطور تحت تأثير الحركة القومية التركية. ويعتبر محمد أمين أول المجددين في هذا المجال وقد جسد في قصائده التي نظمها سنة 1899م معاناة الشعب مستخدما الأدب الشعبي في حلة جديدة. ومن هؤلاء أيضا، ضياء جوقلب، وعمر سيف الدين حتيقوه ممن وظفوا التاريخ الملحمي التركي في أعمالهم الأدبية.
– وبعد، فإن مدرسة التنظيمات تعتبر بمثابة بداية الشعر التركي الحديث الذي أخذ يتخلص من خصائص مدرسة الديوان، كما انفتح رواد هذه المدرسة على الآداب الأوروبية وبخاصة الشعر الفرنسي الذين تأثروا به. كما اعتمد الشعراء على وزن الهجا بدلا من وزن العروض، وهو وزن المقاطع الصوتية الذي تعتمد عليه الأشعار الأوروبية. وبذلك يكون هؤلاء الشعراء التغريبيون قد مهدوا لترسيخ شعر تركي وطني مستقل عن الشعر الفارسي والعربي.
6 – الأدب التركي المعاصر:
– وهو الأدب الذي ظهر في عصر الجمهورية التركية، وقد اتجه الكتاب إلى واقع الحياه في المجتمع التركي، كما تناول الأتراك أيضا موضوع العمال الذين هاجروا خارج البلاد، وعلاقات الإنسان، وحياة المعيشة في القرى والمدن وفي جميع مناطق البلاد، واقترحوا بدائل لمعالجة الاضطرابات الاجتماعية التي سادت البلاد في تلك الفترة.
– من هؤلاء الأدباء يعقوب قدري الذي كتب روايات تناول فيها الصراعات السياسية والتغييرات الاجتماعية، وأما روايته « مقفر موحش » التي كتبها سنة 1932م فقد جسد فيها الفوارق الطبقية العريضة في المجتمع التركي. ومن الروائيين من تناول القيم الأخلاقية والتغييرات في المجتمع محذرين من الارتماء الأعمى في الحضارة الغربية.
– ومن الروائيين شوكت اسندال وله رواية « المستأجر » سنة 1934م، وسعيد فائق عباسي وله رواية « عاشق البحر »، ومنهم أيضا يشار كمال وله رواية « محمد النحيل » سنة 1930م. ومنهم من تناول حياة القرى والأحياء الفقيرة في المدن مثل أورخان كمال، وكمال طاهر، ونجاتي جمعة وغيرهم ممن كتبوا قصصا عن حياة المدن والقرى.
– أما الشعراء الأتراك أمثال عمر بدر الدين، وكمال الدين وغيرهم فقد تناولوا موضوعات الطبيعة والوطن، وقد نظموا قصائدهم على وزن الهجا المقطعي. أما أحمد حمدي فقد تطرق إلى علم النفس في شعره، كما تناول أحمد محب ديرناص الشعر الرمزي وأضاف قوالب جديدة في استخدام وزن الهجا.
– أما نجيب فاضل فقد تناول الأفكار الصوفية وأبحاث العالم الداخلي للإنسان. وقد تأثر الشعراء المجددون بالشعر الديواني وبالأشعار الشعبية والقصص. وأما بعض الشعراء من ممثلي حركة الغرباء أمثال مليح جودت، وأوكتاي رفعت، فقد عملوا على نظم الشعر بدون وزن، وعارضوا الشعر التقليدي.
– وأما رفعت إيلجاز، وأحمد عارف الزين، وحسن حسين الوالي، من ممثلي الشعر التقليدي فقد عارضوا شعر الغرباء المتأثرين بالحضارة الغربية، كما جسدوا في شعرهم مبادئ ناظم حكمت ومفهوم الاشتراكية في معالجة القضايا الاجتماعية والصراع الطبقي. وأما الشاعر سيزاي كاراكوتش فقد طرق باب التصوف بأسلوب جديد.
– ولم يخل الأدب التركي في هذه الفترة من المسرح الذي تطور عن المسرح الشفهي. لقد عرف الأدباء الأتراك المسرح المكتوب خلال القرن التاسع عشر للميلاد، وفي بداية عهد الجمهورية مال المسرح إلى معالجة قضايا المجتمع، وزرع الروح الوطنية في أوساط المجتمع مستندا على التاريخ التركي والأساطير القديمة.
– ازدهر المسرح التركي في منتصف القرن العشرين للميلاد وقد تطور على يد نجاتي جمعة، ومحسن أرطغرل وغيرهما ممن أسسوا للمسرح التركي المعاصر. كما تناول بعض الكتاب مواضيع النقد السياسية والاجتماعية. ومنهم من تناول المؤلفات القديمة وعرضها في قالب مسرحي. وأما صلاح الدين باتو فقد تناول موضوعات من الأساطير اليونانية، وألف أحمد مهيب ديراناس، وصباح الدين قدرت، ومليح جودت انداي المسرح الفلسفي.
– وفي الأخير ينبغي الإشارة إلى أن الأدب التركي لم يقتصر على تركيا الحالية، وإنما ينتشر أيضا في المجتمعات التركية الموروثة عن الإمبراطورية العثمانية. ومن هذه الدول التي عرفت الأدب التركي باللغة التركية والمحلية أيضا، أذربيجان وكزاخستان وقبرص وقرغيزيا وأوزبكستان وتركمانستان وفي بعض المجتمعات الأوروبية والأسيوية والعربية.

***


* – أدب شبه القارة الهندية

1 – لغات شبه القارة الهندية:
– تعتبر اللغة السنسكريتية من أقدم اللغات الهندية، وهي لغة طقوسية، تنتشر في الهند وجنوب شرق آسيا، وهي مشابهة للغات اللاتينية من حيت البنية والتراكيب. كما تواجدت في الأدب الهندي لغات أخرى منها لغة البالي والبراكريت، والدرافيدية، والتاميلية، والبنغالية، والأوردية، بالإضافة إلى اللغات الفارسية والعربية والإنجليزية.
– ارتبطت لغة البالي التي بقيت إلى يومنا هذا، بالبوذية التي ظهرت في القرن السادس قبل الميلاد. ومازالت لغة البالي المقدسة لغة رئيسية في سريلانكا حتى يومنا هذا. وأما لغة البراكريت فقد استعملت هي أيضا في الكتب اليانية المقدسة. ولم يبق من هذه النصوص القديمة إلا قليل، كما أن هذه اللغة لم تكن ذات قيمة ثقافية.
– أما اللغة الدرافيدية فقد استخدمت في جنوبي الهند. ورغم أن الأدب الترافيدي يختلف كثيرا عن الأدب السنسكريتي، إلا أنها اقترضت الكثير من الكلمات من اللغة السنسكريتية. أما اللغة التاميلية فقد ارتبطت بالشعر الرومانسي والأشعار البطولية والمغامرات. وأما اللغة البنغالية فهي اليوم اللغة الرسمية لبنغلادش.
2 – الأدب الهندي القديم:
– يرجع تاريخ الأدب الهندي القديم المكتوب باللغة السنسكريتية إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد. وكان يتمثل في نصوص دينية، معظمها تراتيل وثنية تسمى « الفيدا » بمعنى المعرفة. ثم ظهرت بعدها كتب حول حياة الإنسان والعالم والفكر الروحي والفلسفي.
– ثم ظهر الشعر الملحمي في الأدب الهندي بعد « الفيدا » وقد كُتب أيضا باللغة السنسكريتية، ومن أهم القصائد في هذا المجال: « المهابهاراتا »، أي حرب التوابل الكبرى من أجل العرش، و « الرامايانا » أي قصة راما ومغزاها انتصار الخير على الشر. وتُعدّ « المهابهاراتا » أطول قصيدة بدأ نظمها من القرن الخامس قبل الميلاد وانتهت في القرن الخامس للميلاد.
– وبعض أشكال الأدب السنسكريتي التي كتبت لتسلية الملوك، تتمثل في الدراما التي كانت موجهة للمتعلمين ولم تكن متاحة للعامة، لأن اللغة السنسكريتية كانت لغة الطبقات المثقفة الراقية. ومع ذلك وجدت بعض المسرحيات التي تمزج بين اللغات العامية الأخرى مثل لغة براكريت واللغة السنسكريتية.
– ومن أشهر كُتاب المسرحية الذين كتبوا باللغة السنسكريتية كاليداسا، الذي عاش في القرن السادس للميلاد. ومن مسرحياته المشهورة « شاكونتالا »، التي سماها على اسم بطلة المسرحية، وهي قصة رومانسية. ونظم كاليداسا قصائد أخرى منها قصيدة قصصية في وصف الحب والطبيعة. وقد حذا حذوه بعض الشعراء أمثال جاياديفا في القرن الثاني عشر للميلاد.
– وفي القرون الوسطى تطوّر الأدب الهندي نظما ونثرا. لقد نظم شعراء البلاط قصائد في مدح الملوك والقادة المحاربين، كما تأثر الشعراء بالقصائد الملحمية السنسكريتية. ونُظمت مجموعة من الأشعار الشعبية في الفصول والمهرجانات التي ما زالت يُحتفل بها حتى اليوم.
3 – الأدب الهندي الإسلامي:
– عرفت شبه القارة الهندية عدة معتقدات وعدة لغات حسب المناطق، وبعد الإسلام عمّت اللغة العربية البلاد من الجنوب إلى الشمال في أوساط الحكام والطبقات المثقفة. وكانت البلاد موحدة قبل أن تنفصل عن الهند دولتا باكستان وبنغلادش.
– تعود العلاقات بين العرب والهند إلى القرن السابع قبل الميلاد عندما كانت قوافل التجار تقطع المسافات ما بين شبه جزيرة العرب وشبه قارة الهند رغم الاختلاف في العرق واللغة. ونتيجة ذلك نجد كلمات مشتركة بين لغات الهند والعربية.
– وفي العهد الإسلامي لم تنقطع التجارة بين الأمتين، بل تعرف الهنود على الدين الحنيف عن طريق التجار العرب في أول الأمر، وبعد ذلك فتحها الملوك من الشمال. فالكثير من التجار والرحالة العرب استقروا في الهند وتزوجوا بها. وتوجد عائلات في عدة مناطق من الهند تنحدر من أصول عربية، كانت لها مواقف مشرفة في الكفاح ضد المستعمرين الأوروبيين وخرج منها أدباء وعلماء كبار.
– لقد تداولت على حكم الهند سلالات إسلامية متعددة منذ وصول المسلمين إليها في القرن الثامن للميلاد منهم الترك والأفغان والمغول، حيث كان معظمهم يتحدث اللغة الفارسية أو التركية، استخدموهما في دواوين البلاط، كما أدخلوا عناصر من الثقافة الإسلامية للهند. وتفيد تراجم هؤلاء الملوك أنهم كانوا يشجعون الآداب والعلوم أيضًا.
– لقد نسج الشعراء الهنود الفارسيون قصائدهم على منوال شعر البلاط الفارسي التقليدي، فنظموا شعر المديح والقصائد الغزلية، وهذه الأشعار يغلب عليها الدوبيت بمعنى الشكل المربع. وكان أشهر هؤلاء الشعراء المسلمين الأوائل في الهند أمير خسرو (ت 1325م)، الذي كان يتقن فن الموسيقى أيضا.
– وفي عهد إمبراطورية المغول التي امتدت من القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر الميلاديين والتي اتسمت بالحروب، ازدهر شعر التكسّب. فكان الشعراء يصورون سيرة الأباطرة في مدحهم فأصبحت قصائدهم جزءًا من تاريخ هذه الفترة.
– وبعد ذلك اندمج المسلمون في المجتمع الهندي واتخذ الحكام من اللغة الأوردية، التي حلت محل الفارسية، لغة التخاطُب بينهم، مع إبقاء اللغة الفارسية لغة رسمية. ومع ذلك فإن الشعراء الذين نظموا باللغة الأوردية في شمال البلاد، ظلوا ينسجون قصائدهم على الأشكال الشعرية الفارسية التقليدية وصورها.
– وفي البنجاب تحول الأدباء المسلمون إلى اللغة المحلية بعدما كانوا يكتبون باللغة الفارسية. ومن أبرز الشعراء في هذه المنطقة، فارس شاه الذي نظم قصيدة « هير رانجا » سنة 1766م. وقد سُميت على اسم البطل والبطلة، وهي من أنواع الأساطير الرومانسية.
– لقد أنجبت الهند علماء كبار نافسوا العرب في علـوم الدين واللغـة العربية، ومن هؤلاء العـلامة الهندي الشريف عبد الحي بن فخر الدين الحسني (ت 1922م) صاحب كتاب « نزهة الخـواطر وبهجة المسامع والنواظر » الذي ذكر فيه تراجم لأعيان الهند ومآثرهم.
4 – الشعر العربي في شبه القارة الهندية:
– ظهر الشعر العربي في شبه القارة الهندية متأخرا، وممن قرضوه من شعراء الهند لم يبلغوا المستوى المطلوب، ويعود ذلك إلى ملوك الهند المسلمين الناطقين بالفارسية الذين كانوا يتذوقون الشعر الفارسي أكثر من غيره. وأما الشعر العربي فلم ينل تشجيعا من هؤلاء الملوك والأمراء، لذا يعد شعراء العربية في الهند على الأصابع.
– وتعد مليبار من المدن التي عرفت شعراء هنود معربين، لكن ضاعت أشعارهم ولم يبق منهم سوى الشاعر محمد بن عبد العزيز صاحب المثنوي العربي المعروف بـ « الفتح المبين للسامري الذي يحب المسلمين ». وهناك شعراء عرب سكنوا الهند واتصلوا بالبلاط الملكي في كجرات وفي دكن، من بينهم ابن معصوم وغيره.
– جاء في المصادر أن هارون بن موسى الملتاني هو أول هندي نظم القصائد باللغة العربية، هذا الشاعر من أصل يمني ولد بملتان الهندية، وعده الجاحظ من الشعراء المطبوعين المولدين، له قصيدة في الفيل ذكرها المسعودي.
– ومن قدماء الشعراء أيضا، أبو عطاء السندي الذي عاش في القرن الثاني للهجرة، اشتهر بالمدح وأورد له أبو تمام مقطوعات شعرية في ديوان الحماسة، كما ورد ذكره أيضا في « البيان والتبيين » وفي « الأغاني » وغيرها من المصادر العربية.
– ومن قدماء شعراء العربية أيضا، مسعود بن سلمان اللاهوري (ت 515هـ)، الذي برع في العلوم والآداب العربية، وإلى جانب اللغة العربية كان يجيد اللغتين الهندية والفارسية، وقد ضاع الكثير من شعره، كما جاء ذكره في « سبحة المرجان » للشيخ آزاد البلكرامي.
– ومن أبرز الشعراء الذين أنجبتهم الهند، أمير خسرو (ت 725هـ)، وقد سبق ذكره، لقد نظم الشعر باللغة الفارسية والعربية أيضا. كما وردت له أشعار باللغة العربية في كتابه « إعجاز خسروي »، وفي ديوانه « غرة الكمال ».
– ومن شعراء الهند المشهورين أيضا، الشيخ نصير الدين محمود الدهلوي (ت 757هـ)، الذي تتلمذ على الشيخ نظام الدين أولياء الصوفي الهندي الكبير. لقد نظم نصير الدين قصائد مدح فيها الشيوخ ورجال التصوف، كما عالج في قصائد أخرى المواضيع الدينية.
– وأما القاضي عبد المقتدر الدهلوي (ت791هـ)، فهو من تلامذة الشيخ نصير الدين محمود الدهلوي، اشتهر بقصيدته لامية الهند التي عارض بها لامية العجم للطغرائي، وقد نظمها على منوال القصائد الجاهلية حيث استهلها بذكر الأطلال ووصف الديار.
– أما الشيخ أحمد بن محمد التهانيسري (ت 820هـ)، فقد قرأ العلوم الدينية والآداب العربية على القاضي عبد المقتدر السالف الذكر، اعتقله تيمور لنك سنة 801هـ عندما هاجم مدينة دلهي. كان شاعرا مجيدا وله قصيدة باللغة العربية معروفة بـ « الدالية » في مدح النبي المصطفى، نظمها على منوال قصيدة أستاذه بحيث يبدأ القصيدة بالغزل والنسيب وذكر حبيبته ليلى ثم يعود إلى مدح النبي الكريم.
– وبعد الشيخ أحمد، يأتي شعراء آخرون نظموا الشعر بالعربية إلى جانب لغاتهم الهندية والفارسية وكان أغلبهم من علماء الدين.
5 – علماء اللغة العربية في شبه القارة الهندية:
– وفي عهد المماليك بالهند ازدهرت اللغة العربية وأنشئت المدارس لتعليم اللغة العربية وآدابها بالإضافة إلى الفقه والتفسير والفلسفة، فألفت كتب قيمة باللغة العربية في العلوم الدينية كما صنفت المعاجم والكتب اللغوية.
– ومن علماء هذه الفترة، الشيخ رضي الدين الحسن الضغاني اللاهوري (ت 650هـ)، وهو محدث ولغوي، له كتب عديدة في اللغة والأدب والعروض، ومن مصنفاته في اللغة العربية، كتاب « الأضداد »، بحث فيه الكلمات التي تتباين في المفهوم. وله كتاب آخر بعنوان « الذئب »، بحث فيه كل الكلمات التي تطلق على الذئب. ومن كتبه أيضا، « مشارق الأنوار » وهو منتخب من أحاديث البخاري ومسلم.
– لقد صنف محمد بن أبي بكر الدمامبي المصري، كتاب « تعليق الفوائد » وذلك في القرن التاسع الهجري، وكان مكلفا بالتشريفات الملكية بالهند، وهو شرح لكتاب « تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد » لابن مالك. ووضع كتاب « المنهل الصافي » في شرح كتاب « الوافي » لمحمد بن عثمان بن عمر البلخي. كما ألف كتابا ثالثا وهو « تحفة الغريب » في شرح كتاب « مغني اللبيب » لابن هشام. وهذه الكتب ذكرها السيوطي في كتابه « بغية الوعاة » وأثنى عليها.
– أما شهاب الدين الدولة آبادي فقد وضع كتاب « إرشاد النحو » وهو من القرن الثامن الهجري وقد درس في دلهي. ولما هاجم تيمور عاصمة الهند دلهي غادرها شهاب الدين ولجأ إلى إبراهيم شاه الذي نصبه قاضيا في المدينة، ولشهاب الدين كتب عديدة.
– وأما « الإرشاد » فقد ألفه شهاب الدين للطلبة وهو كتاب في علم النحو يعد بمثابة « الكافية » لابن الحاجب كما يراه علماء الهند. ولشهاب الدين كتب أخرى في النحو، منها كتاب في المتن وآخر في الشرح.
– وهناك عدد من علماء الهند وضعوا كتبا في النحو، منهم عبد الرشيد الجنبوري الذي ألف « تذكرة النحو »، وله كتاب آخر بعنوان « بداية النحو » الذي جاء فيه بأمثلة من الفقه. كما ألف صافي بن ناصر تلميذ شهاب الدين كتاب « غايات التحقيق » في شرح الكافية، وهذه الكتب مساهمة من علماء الهند في اللغة العربية.
– وأما في عهد المغول فقد تراجعت اللغة العربية كثيرا، وذلك يرجع إلى الحكام الذين حصروا اللغة العربية في الدين والثقافة النقدية، بينما أصبحت الفارسية اللغة الرسمية ولغة الأدب والشعر، كما اتسم هذا العصر بالاستبداد والخروج عن الدين.
– ومن علماء تلك الفترة، علي بن المتقي البرهان فوري الهندي (ت 975هـ)، وهو من كبار المُحدّثين، وله كتاب « كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ». قام المؤلف بالجمع بين كتابي « الجامع الصغير وزوائده » وكتاب « جمع الجوامع » للسيوطي.
– ومنهم أيضا، زين الدين المعبري، صاحب كتاب في التاريخ بعنوان « تحفة المجاهدين » حول كفاح الهنود ضد تواجد البرتغاليين في منطقة مالابار سنة 904هـ.
– وأما الشاه ولي الله المحدّث الدهلوي (ت 1176هـ)، فقد كتب عدة مؤلفات من أهمها « حجة الله البالغة ». كان عالما وفيلسوفا ومفسرا، وله ديوان شعر أيضا، كما له قصيدة معروفة أنشدها في مدح النبي المصطفى.
– أما السيد مرتضى الزبيدي (ت 1205هـ) صاحب كتاب « تاج العروس »، فهو من أشهر علماء اللغة، بعد أن تعلم في الهند، سافر إلى بلاد الحجاز ثم مصر لدراسة علوم العربية، وكتابه السالف الذكر يعد شرحا موسوعيا استوعبه على القاموس.
– يعد غلام علي آزاد البلكرامي (ت 1200هـ)، من أشهر أدباء العربية وشعرائها في شبه القارة الهندية، لقد سافر إلى الحجاز ودرس الحديث النبوي في المدينة المنورة. كان ورعا وزاهدا بسبب تربيته الصوفية، وهو شاعر وأديب ومؤرخ، ألف كتبا عديدة في تاريخ الثقافة الإسلامية في شبه القارة الهندية كما ألف أيضا في الحديث النبوي الشريف.
– ومن أهم مؤلفاته باللغة العربية في تراجم علماء الهند وأدبائها، كتاب « سبحة المرجان في آثار هندوستان »، وهو من الشعراء المجيدين في اللغتين العربية والفارسية وله عشرة دواوين، اشتهر بمدح النبي المصطفى كما له قصائد أخرى في الغزل، أغلب قصائده رباعية أو خماسية الشكل، كما نظم أيضا في المزدوج المعروف بالمثنوي.
– ومن علماء الهند أيضا، القاضي طلا محمد البشاوري (ت 1310هـ)، وهو من أشهر شعراء الهند، وله ديوان مطبوع. وهناك علماء دين ومؤرخون آخرون ظهروا في تلك الفترة التي قلّ فيها الشعر والشعراء والذين مالوا إلى المدح، لا يتسع المقام لذكرهم كلهم.
6 – أدباء الهند في العصر الحديث:
– عرفت الهند عدة أدباء ومفكرين في هذه الفترة ظهروا قبل وبعد التقسيم سنة 1947م، مزجوا أدبهم بالفكر والسياسة وعلوم الدين، ووظفوا شعرهم ومقالاتهم، التي كانت تصدر في الصحف، في الدعوة إلى التحرر من الاستعمار وإصلاح أمور الأمة الإسلامية.
– يعد محمد إقبال (ت 1938م) من أشهر المفكرين والأدباء الباكستانيين، وهو شاعر مطبوع كرس شعره في خدمة الإسلام في شبه القارة الهندية، نظم الشعر باللغة الفارسية والأوردية، وله كتاب باللغة الإنجليزية بعنوان « تجديد الفكر الديني في الإسلام ».
– ومن علماء هذا العصر أيضا، الشيخ أشرف علي التهانوي (ت 1943م)، الذي ألف العديد من الكتب والرسائل باللغة الأوردية في التربية الدينية وإصلاح المجتمع والتصوف، ومن أشهر كتبه في التربية والأخلاق « حلية الجنة » الذي طبع عدة مرات.
– أما ظفر علي خان (ت 1956هـ) فهو أديب من البنجاب، نشر عدة قصائد باللغة الأوردية في المجلات التي كان يصدرها. استخدم شعره في إصلاح أحوال الأمة والدفاع عن الإسلام والمسلمين كما انتقد عنصرية الغرب ومن ورائهم بريطانيا الاستعمارية.
– وهناك أدباء وعلماء جاءوا بعد إقبال من بينهم، أبو الكلام آزاد، وأبو الأعلى المودودي، وأبو الحسن الندوي، ونسيم حجازي، وغيرهم الكثير ممن ألفوا كتبا في الفلسفة والدين والتاريخ ونظموا الشعر بالأوردية والفارسية والعربية.

***

* – أدب الشعوب الأفريقية
1 – الأدب الأفريقي:
– يشتمل الأدب الأفريقي على التراث الشفهي والآداب المكتوبة بلغات بعض الشعوب الأفريقية كالسواحلية في الشرق والهوسا في الغرب. إن مجمل ما وصل إلينا من هذه الآداب الشفوية يدور حول الخرافات والأساطير التي تشوبها المبالغة، ويختلط فيها الواقع بالخيال، إضافة إلى بعض الأشعار المروية باللهجات المحلية.
– يختلف الأدب الأفريقي من مجتمع إلى آخر في الدولة الواحدة المتعددة الأعراق والأديان والثقافات، كما يختلف من دولة إلى أخرى. لقد ظهر أولا الأدب الشعبي وكان شفهيا وباللهجات المحلية قبل أن يتأثر بتيارات الآداب الوافدة مع الفتوحات الإسلامية أولا، وذلك منذ القرن الثامن للميلاد، ثم الاحتلال الأوروبي المسيحي في القرن التاسع عشر للميلاد. فنتج عن ذلك أدب أفريقي عربي وأدب أفريقي أوروبي بالإضافة إلى الأدب المكتوب باللغات المحلية الحديثة.
– غير أن الأدب الأفريقي العربي لم يحظ بعناية النقاد العرب وحتى الأفارقة، بعكس الأدب الأفريقي الأوروبي الذي يلقى اهتماما كبيرا لدى الأوساط الثقافية والأدبية في أوروبا، ودعما من قبل المؤسسات السياسية الأوروبية بهدف ترسيخ الثقافة الأوروبية في المجتمعات الأفريقية والإبقاء على التبعية، وذلك بمنح الجوائز الأدبية للأدباء التغريبيين وتشجيعهم على استخدام اللغات الأوروبية.
– ظهر الشعر في أفريقيا بلغات متعددة محلية وأجنبية وعلى عدة مراحل منها: الشعر الفلكلوري المجهول المؤلف الذي يتداول بين الناس شفهيا وهو أقدم الأشعار التي قيلت بلهجات محلية في أفريقيا. ثم الشعر الشعبي وينظم باللهجة المحلية أيضا، بعضه مدون وصلت أسماء قائليه، والبعض الآخر شفهي مجهول المؤلف.
– أما الأشعار الحديثة والتي نظمت بلغات أفريقية فهي مدونة ومنسوبة لأصحابها. وأما الأشعار التي نظمت باللغات الأوروبية فهي كلها مدونة، وأهم هذه اللغات: البرتغالية والإنجليزية والفرنسية التي تستخدم كثيرا في غرب القارة والمغرب العربي. ومع ذلك فإن شعراء اللغة العربية في أفريقيا جنوب الصحراء قد سبقوا شعراء اللغات الأوروبية بعدة قرون.
– إن الأشعار التي دونت باللغات الأفريقية المحلية قليلة بالقياس مع اللغات الأخرى. ومن لغات شرق أفريقيا نذكر: اللغة الأمهرية في إثيوبيا والتي عرفت الشعر قبل القرن الرابع عشر للميلاد. وأما اللغة السواحلية في كينيا وما جاورها من البلدان فقد ظهر فيها الشعر في القرن الثامن عشر للميلاد، وبعدها ظهر الشعر في بلاد الصومال باللغة الصومالية.
– وأما في غرب أفريقيا، فقد ظهر الشعر بلغة الهوسا في نيجيريا وما جاورها من البلدان في القرن السابع عشر للميلاد، وفي فترة لاحقة نظم الشعراء النيجيريون بلغة اليوربا. أما الأشعار في السنغال ومالي وبعض دويلات السودان الغربي والتي قيلت باللغات المحلية فقد ظلت في أغلبها شفهية مرتبطة بالحكايات والأساطير.
– يذكر أن الشعر المدون باللغات المحلية قد سبق القصائد المكتوبة باللغات الأوروبية، فلغات الهوسا والسواحلية والأمهرية عرفت الأبجدية، ومنها الحرف العربي، قبل دخول الاستعمار الأوروبي إلى القارة. غير أن أكثره ضاع والذي وصل إلينا يغلب عليه الشعر الديني والتعليمي، لذا فإن فترة تحديد نشأة الشعر الأفريقي جنوب الصحراء في لغاته الأصلية تبقى نسبية في الغالب.
2 – اللغات الأفريقية:
أ) لغات شرق أفريقيا:
– تعد اللغة الجعزية في إثيوبيا من أقدم اللغات الأفريقية المكتوبة، وتعود أصولها إلى العربية الحميرية في اليمن، وتكتب من اليسار إلى اليمين بحروف خاصة، وهي لغة الكنيسة الإثيوبية، بالإضافة إلى الأمهرية القريبة منها، وهي اللغة الرسمية في إثيوبيا. وتعزى أقدم النصوص المدونة باللغة الجعزية إلى القرن الثالث الميلادي، كما ترجم الكتاب المقدس إليها في القرن الخامس للميلاد. أما الأمهرية فقد خلدت بعض القصائد والأغاني التي تعود إلى القرن الرابع عشر للميلاد، غير أن النصوص الأمهرية المدونة فهي حديثة.
– وأما السواحلية، فهي لغة أهل السواحل والجزر الشرقية بين كينيا وتنزانيا، تضم مفردات من العربية وتكتب بحروفها؛ وتعود أقدم المدونات بها إلى القرن السابع عشر للميلاد، وتشتمل بعض النصوص الدينية الإسلامية والقصائد القصصية المستوحاة من الأدب العربي والفارسي. لقد دون تاريخ المنطقة وتراثها باللغة السواحلية قبل الاستعمار الغربي للقارة.
– إن اللغة السواحيلية هي لغة بلدان شرق أفريقيا التي ينتشر فيها الإسلام، وهي تنزانيا وكينيا وأوغندا وجنوب الصومال وشرق زئير وشمال الموزمبيق وشمال زامبيا وشمال المالاوي وجزر القمر. وهذه الشعوب الشرق أفريقية لم تعرف أدبًا مكتوبًا قبل دخول الإسلام. لقد نشأت الآداب في البداية مستوحاة من الأدب العربي الإسلامي ومكتوبة بالحروف العربية.
ب) لغات غرب أفريقيا:
– يتحدث سكان هذه المنطقة عدة لغات منها لغة الهوسا، في نيجيريا والنيجر والتشاد وبعض مناطق الكاميرون وغانا. وكذلك اللغة العربية التي يتحدث بها الأوساط الإسلامية في السنغال ومالي والنيجر ونيجيريا والتشاد.
– تضم نيجيريا عددا من اللغات الرئيسية وهي: الهوسا (Haussa) واليوروبا (Yoruba) والإگبو (Igbo). وقد ظل تراث هذه اللغات شفهياً إلى أن بدأ التدوين بلغة اليوروبا في القرن التاسع عشر للميلاد. وكانت اللغة العربية – بعد الفتح الإسلامي لشمال أفريقيا – من العوامل التي حافظت على التراث النيجيري، بعد ترجمة الأدب الهوسي الذي دوِّن بها. أما اليوم، فأصبحت اللغة الرسمية في البلاد هي الإنكليزية.
– أما لغة الهوسا فهي لغة تشادية تنتمي لعائلة اللغات الأفروآسيوية، يتحدث بها أهل النيجر وشمال نيجيريا وغانا وتوغو ومالي وتشاد والكاميرون وبوركينا فاسو، وأغلبهم من المسلمين. وهي لغة رسمية في شمال نيجيريا. وتعد لغة الهوسا اللغة الثانية بعد العربية من حيث عدد الناطقين بها في أفريقيا. وكانت تكتب بالحروف العربية، قبل أن يحولها الاستعمار الأوروبي إلى الحروف اللاتينية.
جـ) اللغة العربية:
– وأما اللغة العربية فقد دخلت دول غرب أفريقيا جنوب الصحراء مع تجار الشمال الأفريقي الذين كانوا يترددون على الأسواق في أفريقيا، وذلك منذ القرن السابع الميلادي الموافق للقرن الأول الهجري. وأما في شرق أفريقيا، الحبشة ودول القرن الأفريقي، فقد ظهرت اللغة العربية في هذه المنطقة قبل الإسلام بعدة قرون، وذلك لصلة هؤلاء الأفارقة بجزيرة العرب وعلى الخصوص أرض اليمن.
– وأصبحت اللغة العربية بعد الإسلام لغة الدين والإدارة، كما كتبت معظم اللغات الأفريقية الشهيرة بالحرف العربي، مثل لغات الهوسا والفلانية في الغرب والسواحلية في الشرق، وكان للإسلام ولغة القرآن الفضل في التقدم الحضاري لهذه البلدان.
– أما باقي اللغات الأفريقية فكانت غير مكتوبة، وأثناء الاحتلال الغربي شجع المستعمر الأوروبي على استعمال اللهجات المحلية بغرض تفريق القبائل ومحاربة توحيد لغتهم، كما حارب أيضا اللغة العربية، وعمل على فرض لغته وثقافته في المناطق المستعمرة، فأصبحت اللغات الإنكليزية والفرنسية والإسبانية والبرتغالية هي اللغات الرسمية في هذه البلدان بعد اندثار اللغات المحلية.
أولا: دول شرق أفريقيا
1 – الأدب السواحلي:
– أول من نظم القصائد السواحيلية في إقليم شرق أفريقيا، شعراء من أصول عربية أو فارسية. لقد طرق الشعر السواحيلي المواضيع الإسلامية، كما استخدم الشعراء السواحليون عددًا من الأوزان الشعرية المستنبطة من الأوزان العربية، كالمربع الذي عالج الأغراض الدينية والدنيوية، وهناك قصائد أخرى طرقت المخمس أيضا.
– تعد « كلوا » و »باتي » من أقدم المخطوطات التي عُثر عليها في سواحل شرق أفريقيا، وقد كتبت باللغة العربية. كما وجدت شواهد باللغة العربية تعود إلى ما قبل القرن الثامن للميلاد، غير أن هذه الآثار قد ترجع للعرب الذين هاجروا إلى المنطقة.
– بدأ التأليف في اللغة السواحيلية بالنظم، وكانت أولى القصائد التي ترجع إلى القرن الثامن عشر للميلاد تعليمية، أبرزها قصيدة « الهمزية » للشيخ عيدروس بن عثمان بن علي، وهي ترجمة من العربية لقصيدة شرف الدين البوصيري، وهناك مقطوعات دينية أخرى ترجمها أصحابها من القصائد العربية.
– يمثل الشعر الملحمي أبرز تراث اللغة السواحلية، وقد تأثر في موضوعاته وأشكاله بالعربية والفارسية والأردية التي دخلت إلى الساحل الشرقي الأفريقي منذ القرن الثاني عشر للميلاد. ويتألف الشعر الملحمي من رباعيات.
– وأشهر الملاحم السواحلية: « المحمديّة » وهي أطول الملاحم التي نظمت في اللغة السواحلية، وموضوعها سيرة النبي محمد (ص)، وملحمة « رأس الغول »، وموضوعها حملة بعث بها الخليفة علي بن أبي طالب إلى اليمن، وملحمة « التمبوكان » وهي من أقدم الملاحم السواحلية، وتتحدث عن حملة النبي محمد (ص) التي قام بها على هرقل إمبراطور الروم، وكذلك الملحمة الحسينية التي تروي سيرة الحسين بن علي، وغيرها من الملاحم التي نظمت في مواضيع إسلامية وتاريخية.
– ومن القصص السواحلية نجد قصة « حمار الرسام » وقصة « المعلم جرسوه » وقصة « الصقور والغربان »، وهي قصص مستقاة من كتاب « كليلة ودمنة » لعبد الله بن المقفع، كما نجد قصصا أخرى كحكاية « محمد الكسلان » وحكاية « حاسب كريم »، وهي مأخوذة من « ألف ليلة وليلة ». وهناك قصص دينية إسلامية مستلهمة من مصادر عربية، كقصة سيدنا إبراهيم.
2 – إثيوبيا:
– دخل الإسلام أفريقيا جنوب الصحراء سلميا، وكانت إثيوبيا أول بلد أفريقي عرف الإسلام مع هجرة الصحابة الأولى والثانية في عهد الملك العادل النجاشي أصحمة بن أبجر المسلم. ثم قامت في شرق البلاد إمارات إسلامية تسمى « إمارات الطراز الإسلامي »، نشأت نتيجة الهجرة المتتالية من جزيرة العرب إلى الحبشة منذ القرن السابع الميلادي، وامتزج العرب بالأهالي حيث اعتنق الأفارقة الإسلام وتبنوا ثقافته فتغيرت حياتهم الاجتماعية.
– وتعتبر مدينة هرر الواقعة شرق إثيوبيا من أقدم الإمارات الإسلامية في شرق أفريقيا، وقد ظهرت في القرن الخامس عشر للميلاد. وبعد سقوطها عام 1887م على يد ملك الحبشة، بقيت إلى الآن تحافظ على طابعها الإسلامي. يتحدث سكانها اللغة الهررية وهي لغة أفروآسيوية متأثرة باللغة العربية وقد استخدمت تاريخيا الحرف العربي في كتابتها، اشتهر علماؤها بالتصوف السني.
– يتكلم الإثيوبيون عدة لغات أفروأسيوية، أهمها: الجعزية (Geez) والأمهرية (Amharic) والتغرينية (Tigrinya) والتغرية (Tigre) والعربية. وتعد الجعزية أقدمها وهي لغة التراث الإثيوبي القديم، استمدت خطها من الخط العربي الجنوبي، ثم حلت محلها الأمهرية التي أصبحت اللغة الرسمية والأدبية للبلاد. وأما العربية فتنتشر في المنطقة الساحلية ذات الأغلبية المسلمة، وهي لغة المدارس الإسلامية في هرر وغيرها من المناطق.
– ظلت الثقافة في اللغة الأمهرية مقتصرة على رجال الكنيسة، لا يعرفون من الكتب سوى الكتاب المقدس، فالأدب الإثيوبي ارتبط بالدين، ونظم معظمه في تمجيد السيدة العذراء. ثم ظهرت بعض القصائد باسم « أناشيد الملوك » نظمها رجال الدين في مدح الملوك وتمجيدهم، بالإضافة إلى بعض الروايات في التاريخ والسير.
3 – الصومال:
– إن اللغة الصومالية قديمة جدا لكنها ظلت غير مكتوبة، وفيها أدب قيم غير مدون يتناقله الناس شفهيا. واللغة الصومالية تنقسم إلى طبقتين من المفردات تستعمل إحداهما في الحديث الدارج بينما تقتصر الثانية على الأدب وعلى الخصوص الشعر الذي يستعير بعض الكلمات المحلية وأخرى من اللغة العربية. غير أن هذه اللغة تكتب بالأبجدية اللاتينية.
– استعمل الشعب الصومالي اللغة العربية للتواصل لأكثر من ألف عام. لقد قام الرحالة ابن بطوطة بزيارة الصومال في القرن الرابع عشر للميلاد حيث وجد مدارس تعليم اللغة العربية والقرآن الكريم والعلوم الإسلامية في هذا البلد، وما زالت إلى اليوم في المدن الكبرى مدارس عربية تخرج منها عدد من أدباء اللغة العربية وشعراء الصوفية ومعلمون في اللغة والنحو والأدب، وعلماء في الفقه الإسلامي.
– يصعب تحديد تاريخ الشعر الصومالي الذي ظل شفهيا حتى نهاية القرن التاسع عشر للميلاد، ولم يصل إلينا من هذه الفترة إلا القليل لعدم وجود لغة مكتوبة. ويعتبر النصف الأول من القرن العشرين الميلادي مرحلة نضج الشعر الصومالي الذي طرق معظم الأغراض الشعرية العربية التي نظمها الشعراء الجاهليون لتشابه البيئتين.
– ومن شعراء هذه المرحلة علي شرماركي وسيد محمد عبد الله حسن وعلمي حوح وآخرون الذين عُرفوا بشعراء المساجلات التاريخية القبلية وهو شعر مستوحى من الأدب الجاهلي. ويعد راغي أجاس والسيد محمد عبد الله حسن من أوائل الشعراء الصوماليين.
– كما عرف الأدب الصومالي أيضا القصص والأساطير الشعبية التي يستعذبها الشعب الصومالي في المدن وفي البادية، وتحكى من قبل الراوي في الجماعات وفي الأسواق. فمنها أساطير تحكى على لسان الحيوان وأخرى موجهة للأطفال، وأغلب هذه القصص تتطرق إلى النصائح والمواعظ وتهذيب الأخلاق وتربية النشء وغيرها من المواضيع الاجتماعية.
– يعد محمد عبد الله حسن (ت 1920م) السالف الذكر، من أبرز شعراء الصومال، درس علوم الدين واللغة العربية ونظم بها قصائد كثيرة، بالإضافة إلى الأشعار التي كان يلقيها شفهيا باللغة الصومالية ويدعو من خلالها الوطنيين الصوماليين إلى مكافحة الاستعمار البريطاني قبل أن تنفيه سلطات الاحتلال إلى إثيوبيا ويتوفى في السنة نفسها.
4 – جيبوتي:
– يتحدث الجيبوتيون لغات متعددة ومتفاوتة الانتشار، منها الصومالية وهي لغة القرن الأفريقي والعفرية وهي مزيج من لغات عربية سامية وأفريقية حامية، ويقتصر استخدامها على العفاريين وهم مزيج من أفارقة وعرب مهاجرين قدامى، وأما اللغات الرسمية فهي العربية لغة الدين والتواصل والفرنسية لغة المؤسسات الإدارية والتعليم.
– أغلب سكان جيبوتي مسلمون، إذ دخلها الإسلام منذ هجرة الصحابة إلى القرن الأفريقي، غير أن هجرة العرب إلى جيبوتي بدأت قبل الإسلام حيث سكنوا المناطق الساحلية. وفي بداية القرن التاسع للميلاد دخلها الدعاة المسلمون لنشر الدين الحنيف وتعليم القرآن الكريم، وظل التبادل التجاري بين العرب وأهل البلد حتى سقوطها تحت ليل الاستعمار.
– يشتهر الجيبوتيون بنظم الشعر، ويكتب باللغة الصومالية بأشكال مختلفة، من بينها القصيدة الملحمية (gabay) وهي من أطول القصائد الشعرية. طرق شعراء جيبوتي عدة موضوعات كالرثاء والمدح والشعر العاطفي والديني والقصائد البطولية، بالإضافة إلى الشعر الشفهي المتمثل في القصص الشعبية والأساطير.
– كما عرف الجيبوتيون أيضا الأدب الإسلامي المكتوب بالعربية وعلى الخصوص الكتب التاريخية، منها كتاب « الفتوح الحبش » الذي ألفه شهاب الدين في تاريخ غزو الحبشة خلال القرن السادس عشر للميلاد. وكباقي الدول الإسلامية عرفت جيبوتي أيضا الأدب الصوفي الذي ينتشر في أغلب الأمم الأفريقية جنوب الصحراء.
5 – إريتريا:
– يكتب الأدب الإريتري باللغتين العربية والتجرينية وهما لغتان رسميتان في البلاد، بالإضافة إلى الأدب المكتوب بالإنجليزية والإيطالية والذي يعود إلى الفترة الاستعمارية، غير أنه أقل أهمية بالمقارنة مع الأدب المكتوب بالعربية. لقد دخلت اللغة العربية إريتريا مع المهاجرين العرب قبل ظهور الإسلام، إذ لا تخلو لغة محلية من الكلمات العربية. لقد أدى مشايخ الطرق الصوفية والمدارس القرآنية دورا كبيرا في توسيع رقعة اللغة العربية في البلاد.
– ظهر الأدب في إريتريا أولا شفهيا، ولم يصل من التراث القديم إلا بعض المخطوطات حول تاريخ القبائل ونسبها. كانت القصة عبارة عن حكايات وأساطير حول الاستعمار والغزاة الذين مروا بالمنطقة يتناقلها الناس جيل عن جيل بلهجات محلية، ولكنها لم تدون، فتعددت الروايات للقصة الواحدة وغلب عليها الخيال.
– وظل الشعر أيضا شفهيا وينظم باللهجات المحلية ومرتبطا بالقبيلة يتغنى فيه الشاعر بمآثر قبيلته أمام القبائل الأخرى. كما طرق الشعراء أيضا باب المدائح النبوية التي كانوا يحيون بها المناسبات الدينية. أما أقدم القصائد المكتوبة بالعربية فقد ظهرت في منتصف القرن العشرين الميلادي مع الشعراء الذين كرسوا شعرهم في مقاومة الاستعمار الإنجليزي.
ثانيا: دول غرب أفريقيا
– يطلق على أفريقيا الغربية بلاد السودان الغربي، وتتألف دول غرب أفريقيا من مالي، والسنغال، وغامبيا، وموريتانيا، وغينيا بيساو، وغانا، وسيرا ليون، والنيجر, والكاميرون، وبوركينا فاسو، وساحل العاج، وغينيا، وليبيريا، وبنين، والتوغو، ونيجيريا وهي أكبر هذه الدول من حيث المساحة والسكانً وعدد الأدباء المسلمين.
– تقع دول غرب أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وهي قسمان: الجزء الغربي ويعرف بالسودان الغربي والمنطقة الساحلية. ويسكن هذه المنطقة الزنوج، والحاميون، وبعض العرب والبربر والطوارق، بالإضافة إلى المولدين.
1 – الثقافة العربية في غرب أفريقيا:
– دخل الإسلام إلى هذه المنطقة في أواخر القرن الأوَّل وبداية القرن الثاني الهجريين، وكانت العلاقة بين هذه المنطقة وبين بعض البلاد العربية وطيدة بفضل التجارة حيث مهدت لاعتناق هذه الشعوب الدين الحنيف. لقد استعان ملك « غانا » بالمسلمين في شؤون الإدارة، وأن دولة « مالي » اتخذت من العربية لغةً رسميَّة، وكذلك و »دولة الفلاني » التي أسَّسها الشيخ عثمان بن فودي في نيجيريا.
– كان الدين الإسلامي سببا في نشر الثقافة العربية في أفريقيا، بالإضافة إلى القرآن الكريم الذي لا يجوز قراءته من غير اللغة العربية. وكذلك الفاتحون وعلى رأسهم عقبة بن نافع والذين جاءوا من بعده، الذين بفضلهم توغل الإسلام في أدغال غانا وغينيا. كما توافد على هذه المنطقة تجار الشمال والدعاة الذين ساهموا بدورهم في زرع بذور الإسلام ولغته.
– وأما الطرق الصوفية كالقادرية والسنوسية والتيجانية التي انطلقت من الشمال والمعروفة بالتسامح مع الآخر، فلها كبير الفضل في بناء المدارس والزوايا والمساجد التي من خلالها انتشرت اللغة العربية وتعاليم الدين الإسلامي في السودان الغربي.
فتوحدت شعوب غرب أفريقيا بفضل العامل الصوفي وأصبحت العربية على لسان أغلب السكان. وهذا العامل الروحي كان أيضا سببا في اندثار الوثنية التي سادت المنطقة قبل الإسلام.
– وبفضل الطريقة القادرية استطاع الشيخ عثمان بن فوديو أن يؤسس أكبر دولة إسلامية وهي نيجيريا اليوم، وبفضل الطريقة التيجانية، استطاع الحاج عمر الفوتي أن يؤسس دولة إسلامية بالسنغال ومالي التي حاربت الاستعمار الفرنسي، تماما مثلما فعلت الطريقة السنوسية في ليبيا عندما رفعت السلاح في وجه الاحتلال الإيطالي وحررت البلاد. أما السلفيون فلم يعرف لهم التاريخ أي دور في هذا النوع من الجهاد سواء كانوا عربا أو مسلمين آخرين.
– تعد مدن تمبكتو وأغاديس وكنو وكتشنا، من أهم المراكز التي بفضلها انتشرت الثقافة العربية الإسلامية في المنطقة، وشهد القرن الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين ازدهار الآداب والعلوم العربية الإسلامية في عهد إمبراطورية سنغاي التي تقع في المنطقة بين النيجر والسنغال، حيث ظهر علماء كثر ساهموا بمؤلفاتهم في نشر الثقافة العربية الإسلامية في غرب أفريقيا.
– وفي مدينة تمبكتو العاصمة الثقافية لإمبراطورية سنغاي (مالي حاليا)، ظهر العديد من العلماء الذين ألفوا في اللغة والأدب والدين والتاريخ. ومن أشهرهم الشيخ أحمد بابا التمبكتي، الذي ألف عدة كتب في التاريخ والشريعة واللغة العربية وآدابها. ومن مؤلفاته: « كتاب نيل الابتهاج بتطريز الديباج »، ذيَّل به كتاب « الديباج » لابن فرحون المالكي، وله أيضا « كفاية المحتاج »، و »معراج الصعود » وغيرها من الكتب.
– من العلماء الذين عملوا على نشر العلوم العربية الإسلامية في غرب أفريقيا في عهد إمبراطورية سنغاي، الشيخ محمود بن كعت الكرمني صاحب كتاب « تاريخ الفتاش »، في تاريخ دولتي مالي وسنغاي. ومنهم أيضا، الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله السعدي صاحب « تاريخ السودان »، في تاريخ دولة سنغاي الإسلامية.
– ومن أشهر المدن في هذه الفترة أيضا، مدينة أغاديس وقد أسهمت في نشر الثقافة العربية الإسلامية في منطقة آير بالنيجر وخارجها، كما حفلت بكثرة علمائها الذين ألفوا في شتى العلوم العربية الإسلامية. ومن أشهر العلماء، الشيخ العاقب بن عبد الله الأنسمني الأغدسي الذي تتلمذ على يد الشيخ عبد الكريم المغيلي الذي حلّ بأغاديس وفتح مدرسة قرآنية سنة 1479م لتعليم علوم الدين والعربية.
– وقد ازدهرت الثقافة العربية الإسلامية أيضا في مملكتي كانم وبرنو الواقعة بنيجيريا حاليا، في القرن السادس عشر الميلادي؛ ومن أشهر علمائها، الشيخ أحمد فورتو البرنوي، وله كتاب في تاريخ البرنو، وكتاب آخر في سيرة سلطان البرنو إدريس ألوما، ويعد الكتابان من المصادر المهمة في تاريخ كانم وبرنو في القرن السادس عشر الميلادي، وقد ترجم الكتابان إلى الإنجليزية.
– من أشهر علماء غرب أفريقيا في القرن الثامن عشر الميلادي، الشيخ محمد الكثناوي المتوفى بالقاهرة عام 1742م، ومن تآليفه « الدر المنظوم وخلاصة السر المكتوم في علم الطلاسم والنجوم »، وكتاب « بهجة الآفاق وإيضاح اللبس والأغلاق في علم الحروف والأوقاف » وله أيضا كتاب « بلوغ الأرب من كلام العرب » في علم النحو، وغير ذلك.
– ومن بين العلماء في شمال نيجيريا؛ نجد الشيخ عثمان بن فوديو في القرن التاسع عشر الميلادي، لقد ألف كتبا عديدة، ومن أشهرها كتاب « إحياء السنّة وإخماد البدعة ». كما ألف الشيخ عبد الله بن فوديو شقيق عثمان بن فوديو، عدة كتب في الدين والأدب، منها « ضياء التأويل في معاني التنزيل »، وهو كتاب في تفسير القرآن الكريم، وله كتب أخرى في النحو والصرف وديوان شعر. وكذلك الشيخ محمد بلو بن عثمان بن فوديو، وله مؤلفات عدة، من بينها « إنفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور »، في علماء المنطقة.
– أما الشيخ أحمد حمد لبو الماسني، مؤسس دولة ماسينا الإسلامية في مالي، فقد عمل على تشييد المدارس القرآنية في منطقة ماسينا وما جاورها، مما أدى إلى كثرة علماء الفقه واللغة العربية وآدابها في المجتمع، غير أن مؤلفاتهم العلمية والأدبية اندثرت بسبب الحرب الأهلية التي عرفتها دولة ماسينا.
2 – أفريقيا الغربية في كتابات المؤرخين:
– لقد زار أفريقيا الغربية عدد كبير من الرحالة والمؤرخين والجغرافيين المشارقة والمغاربة وكتبوا عن تاريخ هذه المنطقة وأقاليمها كما تحدثوا عن أدبائها وعلمائها، ومن بين القدامى الذين كتبوا عن أفريقيا جنوب الصحراء: أبو القاسم بن حوقل في القرن العاشر للميلاد صحاب كتاب « صورة الأرض »، وأبو عبد الله المقدسي صاحب كتاب « أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم » الذي تحدث عن بلدان السودان الغربي وعلاقتها ببلاد المغرب الغربي.
– أما أبو عبيد الله البكري (ت 1181م) فقد تحدث في كتابه « المغرب في ذكر بلاد أفريقيا والمغرب » عن ممالك جنوب الصحراء وعلى الخصوص مملكة غانا وعلاقتها بدول الشمال الأفريقي؛ كما تحدث مؤلف مجهول من عصر الموحدين في كتابه « الاستبصار في عجائب الأمصار وغرائب الأقطار » عن كافة دول شمال أفريقيا وجنوب الصحراء وذلك في القرن الثاني عشر للميلاد.
– وأما محمد عبد المنعم الحميري وهو من القرن الثالث عشر للميلاد فقد تحدث أيضا عن هذه الأقطار في كتابه « الروض المعطار في خبر الأقطار »؛ وفي القرن الثالث عشر للميلاد أيضا، ألف ياقوت الحموي كتابه المشهور « معجم البلدان »، ويعد هذا المعجم مصدراً تاريخياً هاماً لوصف البلدان وأخبارها في تلك الحقبة.
– وفي القرن الرابع عشر للميلاد زار الرحالة ابن بطوطة السودان الغربي ودون معلومات هامة عن هذه المناطق في كتابه « تحفة النظار في غرائب الأقطار وعجائب الأسفار » ويعد هذا الكتاب من أهم المصادر التي تحدثت عن تاريخ مملكة مالي. لقد أشار ابن بطوطة إلى نوع من الشعر التمثيلي والرقص في بلاط سلطان مالي الذي كان يهتم بالشعر ويستقدم الشعراء في مجلسه.
– وفي القرن الرابع عشر للميلاد أيضا، كتب عبد الرحمن بن خلدون « كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم »، وهو من أمهات الكتب الذي تحدث فيه بإسهاب عن الشعوب والقبائل. لقد تحدث في هذا الكتاب الموسوعي عن كل البلدان ومنها فتح أفريقيا والعلاقات بني دول المغرب العربي ودول أفريقيا جنوب الصحراء.
– وأما أبو العباس القلقشندي (ت 1418م)، فهو أيضا تناول ممالك جنوب الصحراء في كتابه « صبح الأعشى في صناعة الإنشاء ». كما تحدث الحسن بن محمد الوزان (ت 1552م) عن ممالك السودان الغربي وعلى الخصوص مملكة سنغاي، جاء ذلك في كتابه « وصف أفريقيا » الذي ألفه في روما أثناء الأسر بسم « ليون الأفريقي ».
3 – الأدب في غرب أفريقيا:
– يغلب على الشعر عند شعراء غرب أفريقيا الطابع الديني وعلى الخصوص المنحى الصوفي ومدح الرسول (ص)، ويلقب الشاعر في هذا المجال بـ « خادم الرسول » ومن الشعراء من أصبح من الأولياء الصالحين وله مزارات. كما نظم بعض الشعراء أيضا القصائد العاطفية التي نسجوها على الطريقة العربية التقليدية.
– ونظرا لتشابه البيئة في جنوب الصحراء والبلاد العربية والاطلاع على دواوين الشعر الجاهلي، تأثر الشعر الأفريقي الغربي بالشعر العربي القديم في المواضيع التي يغلب عليها الأغراض الدينية ومقاومة الاستعمار الأوروبي. غير أن جل ما أنتجوه من أشعار جاء تقليدا للشعر العربي. كما نظموا قصائد تعليمية بلغة بسيطة قريبة من لغة العامة، ويعد الشيخ عبد الله بن فودي رائدا في هذا المجال.
– فالشعر العربي الأفريقي الذي عالج المواضيع الاجتماعية والقضايا الوطنية، لا يختلف عن الشعر العربي حيث عالج الأغراض الشعرية نفسها، من مدح، وتصوف، ورثاء، وغزل ووصف والشعر التعليمي.
4 – الأدب في نيجيريا:
– كانت نيجيريا منطقة تضمّ عدة ممالك وولايات؛ تختلف شعوبها من حيث العادات والتقاليد، وكانت تسمى عند العرب ببلاد السودان أو بلاد التكرور. دخل الإسلام البلاد من الشمال، منطقة برنو حاليا، وذلك في القرن الحادي عشر الميلادي، بعد اعتناق ملكها حمي جلمي، الإسلام وقيامه بنشره في البلاد.
– وبعد ذلك، انتشرت الثقافة العربية في البلاد وأصبحت اللغة العربية لغة رسمية في مملكة كانم وبرنو، وولايات الهوسا، والخلافة العثمانية في سكوتو، كما أصبحت لغة الدين والأدب حتى بداية القرن العشرين للميلاد حين قام المستعمر الأوروبي، بتهميشها واستبدالها باللغة الإنجليزية.
– ازدهر الأدب في نيجيريا مع مرحلة الاستعمار الأوروبي، حيث استخدم الشعراء فن الشعر للرد على الحملات التبشيرية والدفاع عن مقوماتهم الإسلامية. ومن أبرز الشعراء في هذا المجال، عليو دان سيدي (Aliyu dan Sidi)، والروائي محمدو بلو (Muhammadu Bello) الذي وظف رواياته في مقاومة الحركات التبشيرية في البلاد في ثلاثينيات القرن العشرين الميلادي، مستلهما الحكايات الشعبية والخيالية الهوسية التي يتحدث فيها البشر مع الحيوانات.
– وفي دولة البرنو الإسلامية الواقعة في نيجيريا حاليا، والتي كانت تضم جزءا من جنوب النيجر، ظهر عدة علماء منهم: الشيخ أحمد بن فرتو وله مؤلفات في تاريخ برنو، ومنهم الشيخ عمر بن عثمان العالم، وله مؤلفات في علوم اللغة العربية والبلاغة والشريعة. لقد اشتهرت مملكة البرنو بكثرة مدارس القرآن الكريم والحلقات العلمية.
5 – عصور الأدب العربي النيجيري:
أ) العصر البرنوي:
– وهو العصر الذي تأسست فيه الممالك الإسلامية في أواخر القرن التاسع وإلى آخر القرن الثالث عشر الميلاديين، غير أن الإنتاج الأدبي في هذا العصر لم يبلغ المستوى المطلوب، وأن العلوم الشرعية ظلت سطحية، نظرا لحداثة الفترة، فكان همهم الوحيد هو نشر الدين الحنيف في أوساط المجتمع والعمل على بناء أركان الثقافة العربية الإسلامية، لذا لم يسجل لنا تاريخ نيجيريا علماء كبار أو كتبا عن هذا العصر.
ب) عصر الوافدين:
– تطور الإنتاج الأدبي في هذا العصر (من القرن 14م إلى القرن 18م) بعد تردد العلماء الوناغرة وغيرهم من الوافدين على ممالك الهوسا. كما دخلوا مملكة « كنو » في عهد الملك علي ياج (Ali Yaji)، وقد جعلوا من الإسلام الدين الرسمي في هذه المملكة. ومن الوافدين أيضا، الشيخ محمد بن عبد الكريم المغيلي التلمساني وأتباعه الذين كان لهم الأثر البالغ في الحياة الأدبية والعلوم الشرعية في المنطقة.
– لقد عمل الوناغرة على نشر اللغة العربية في هذا العصر بفضل الحجاج العائدين من البقاع المقدسة والكتب التي جلبوها من البلدان العربية، كما أسسوا مراكز علمية ومؤسسات قضائية في تمبكتو، كل ذلك أدى إلى تطور الإنتاج الأدبي في القرن الخامس عشر الميلادي. ومن علماء هذا العصر، الشيخ سليمان الباغرمي، والشيخ محمد الوالي، والشيخ عبد الله الثقة الكثناوي، والشيخ محمد مودي، والشيخ جبريل بن عمر، وغيرهم.
جـ) العصر الفودي:
– يبدأ هذا العصر بعد قيام دولة سكتو الإسلامية على امتداد القرن التاسع عشر للميلاد، والتي أسسها الشيخ عثمان بن فودي، وقد شهد الأدب العربي في هذا العصر أوج ازدهاره، كما كثر الأدباء والشعراء الذين خلفوا آثارا أدبية قيمة، وقد أصبحت العربية لغة رسمية تستخدم في مؤسسات الدولة. لقد ألف الشيخ عثمان بن فودي وأخوه عبد الله كتبا عديدة في العلوم الشرعية، كما ألف محمد بلو كتاب « إنفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور »، وهو من المراجع التاريخية القيمة.
– ولما استبدل المستعمر اللغة العربية باللغة الإنجليزية، سعى جماعة من علماء نيجيريا لحماية اللغة العربية، بتأسيس مدارس تعليم اللغة وحفظ القرآن الكريم، فألفوا الكتب في هذا المجال يحثون الشباب على التمسك بلغة القرآن الكريم. ومن العلماء الذين دعوا إلى التمسك باللغة العربية، الشيخ محمد ناصر كبرا في « كنو »، والشيخ آدم عبد الله الإلورى في « إلورن »، والشيخ إبراهيم صالح في « ميدغوري »، وغيرهم.
د) عصر الاستقلال:
– بعد الاستقلال سنة 1960 للميلاد، عملت نيجيريا على تعميم اللغة العربية في المدارس كما شجعت التخصص في الدراسات العربية والإسلامية، وكان لتعاون السفارات العربية في نيجيريا أثره البالغ في تطور الدراسات العربية في البلاد، بالإضافة إلى البعثات الطلابية إلى البلدان العربية التي ساهمت بعد عودتها في نشر الثقافة العربية الإسلامية في نيجيريا وتوسيع آفاق اللغة العربية في المؤسسات التعليمية والإدارية.
6 – الأدب في السنغال:
– يرجع تاريخ دخول اللغة العربية السنغال، إلى القرن السابع الميلادي، وذلك بفضل الصلات التي كانت قائمة بين دول شمال أفريقيا وجنوب الصحراء. ولا يزال إلى اليوم أهل السنغال يعتمدون على بلاد المغرب العربي في الدراسات العربية والإسلامية رغم محاولة الاستعمار طمس لغة القرآن ومحاربة المعربين وفرض الفرنسية لغة رسمية.
– وكان للمرابطين، في عهد عبد الله بن ياسين، أكبر دور في نشر الثقافة العربية والإسلامية في السنغال، وذلك منذ بداية القرن الحادي عشر للميلاد. يذكر أن دولة المرابطين التي تأسست في القرن الخامس الهجري امتدت من المحيط الأطلسي شمالاً حتى نهر السنغال جنوباً.
– ومما لاشك فيه أن الحركات الصوفية أدت دورا مهما في نشر اللغة العربية والثقافة الإسلامية في بلاد السنغال وما جاورها من الدول الأفريقية، وما زالت إلى اليوم تحافظ على لغة القرآن وتتصدى لمحاولة طمسها من قبل المستعمر الفرنسي القديم بشتى الطرق. وأما الخطب والأدب والشعر، فهي من أهم العوامل التي جسدت تفوق اللغة العربية في السنغال، فالكتاب المفرنسون هم أقل بكثير من الكتاب المعربين.
– يعد الحاج عمر تال (ت 1864م) أقدم شاعر سنغالي وصلت إلينا قصائده، أما الشعراء الذين سبقوه فلم يصل إلينا شعرهم بسبب الضياع. وتعد السنغال من أهم الدول جنوب الصحراء التي عرفت غزارة الشعر العربي حيث طرق شعراؤها معظم الفنون الشعرية، وإن اشتهروا بالمديح النبوي أكثر من غيره.
– ومن الشعراء السنغاليين القدامى أيضا، القاضي مجختي كالا (ت 1900م)، وهو من أكبر خدام اللغة العربية وآدابها، كرس شعره في خدمة المجتمع، وكان نابغا في اللغة والنحو كما تناول معظم أغراض الشعر العربي. ومن الشعراء أيضا، الشيخ أحمد بامبا أمباكي، والشيخ الحاج مالك سي، والشيخ محمد نياس الخليفة والشيخ إبراهيم نياس، والشيخ الهادي توري وغيرهم.
– وأما المعاصرون فهم كثيرون، منهم الشاعر شيخ تجان غاي، ومحمد الأمين عاج والشاعر أحمد محمد جيي. بالإضافة إلى عبد الأحد الكجوري الحاصل على عدة جوائز والمعروف بحبه للغة العربية ودفاعة عن الأوطان. ومنهم أيضا، مالك سيك، ونجوغو أمينغ السيوطي، وبابا أمادو فال، ومحمد نيانغ، ونفيسة بوسو، وأمينة سيسي الخنساء، وغيرهم.
– اهتم أدباء السنغال بالشعر أكثر من اهتمامهم بالنثر، ومع ذلك وجدت كتب قيمة في العلوم الشرعية واللغوية، منها « الجوهر النفيس » في الفقه الإسلامي و »مسالك الجنان » في العرفان الصوفي للشيخ أحمد بمب، و »خلاصة الذهب في سيرة خير العرب » للحاج مالك سي في السيرة النبوية، و »مقدمة الكوكي » للشيخ مختار جوب في اللغة والنحو، وغيرها من الكتب التي ألفها الشعراء نظما.
7 – الأدب في دولة مالي:
– نشأت دولة مالي الإسلامية عام 638هـ-1240م، وكانت تضم جزءا من غرب النيجر، وقد ازدهرت فيها الثقافة العربية والإسلامية في عهد السلطان موسى كنكن الذي عمل على نشر العلم، وحماية العلماء وجلب الكتب من المشرق، كما استقدم إلى مملكته العديد من العلماء الذين وفدوا من المشرق، مثل الشيخ إبراهيم الساحلي والقاضي عبد الرحمن التميمي والشيخ عبد الله البلبالي. كما غدت بعض المدن مراكز للعلم مثل: تمبكتو وجني وغاو. كما كان السلاطين يبعثون الطلاب إلى مدارس شمال أفريقيا للدراسة.
– وقد عرفت الدولة علماء اشتهروا بكتبهم الدينية واللغوية والاجتماعية، منهم: الشيخ أحمد بابا العالم، ومن مؤلفاته: « نيل الابتهاج بتطريز الديباج »، في تراجم علماء السودان الغربي وشمال أفريقيا، ومنهم أيضا، محمود كعت وله كتاب « تاريخ الفتاش »، في تاريخ المنطقة في عهد إمبراطورية سنغاي، وكذلك الشيخ عبد الرحمن السعدي وله كتاب « تاريخ السودان »، بالإضافة إلى شيخ الإسلام أحمد بعغيغ.
– جاء في كتاب الحسن الوزان الذي صدر سنة 1510م أن أسكيا العظيم، حاكم إمبراطورية سنغاي كان راعيًا للأدب. وكان في تمبكتو القضاة والعلماء ورجال الدين يتقاضون المنح من الملك، ويحظون باحترام كبير من قبله. كما أرسل بعثات إلى شمال أفريقيا من أجل جلب الكتب. إلا أن الأدب في مالي، في ذلك الوقت، كان شفهيا في معظمه.
– وممن وفد إلى سنغاي في عهد أسكيا محمد، الشيخ محمد بن عبد الكريم المغيلي، الذي أسس المدارس القرآنية في مدينة تغيدا وقد استفتاه السلطان في أمور دينية. وكذلك الشيخ العاقب بن عبد الله التغداوي الأغدسي، وله كتاب « أجوبة الفقير عن أسئلة الأمير »، في حوار علمي مع الأمير أسكيا محمد، وله كتاب آخر بعنوان « وجوب الجمعة بقرية أنو سمان » في قرى تغديا، بالإضافة إلى مؤلفات أخرى. وكذلك الشيخ شمس الدين بن النجيب التجداوي الأنوسماني، الذي استقر في أغاديس غرب النيجر.
– ومن مؤلفات الأفارقة حول تاريخ سنغاي، كتاب لمحمود كعت التمبكتي (ت 1548م) بعنوان « تاريخ الفتاش في أخبار الجيوش والملوك وأكابر الناس »، وصف فيه أوضاع مملكة سنغاي وأخبار ملوكها. أما عبد الرحمن بن عامر السعدي (ت 1691م)، فقد تحدث في كتابه « تاريخ السودان »، عن الحياة الثقافية والفكرية والاجتماعية في مملكة سنغاي. هذه الدولة التي كانت عاصمتها جاو أصبحت اليوم بعد اندثارها جزءا من عشرة دول في غرب أفريقيا.
8 – الأدب في التشاد:
– اتخذ الشعب التشادي منذ دخول الإسلام إلى هذا البلد اللغة العربية لغةً للتواصل بين أفراد المجتمع، ولغة رسمية في المؤسسات الإدارية والتربوية، فكان الأدب العربيِّ في التشاد همزة وصل بين المجتمع العربي والأفريقي، ومن خلال الموضوعات التي طرقها أدباء التشاد في الشعر والنثر، يظهر جليا تمسكهم المتين بانتمائهم العربي الأفريقي.
– ويعد الشاعر إبراهيم الكانَمِي الذي عاش في الفترة ما بين 550هـ-608هـ، أقدم شاعر عرفته التشاد الذي رحل إلى المغرب في عهد الخليفة يعقوب الموحدي، حيث وَفَد إليه مبعوثا مِن مَلِك كانم، ومدحه فأُعجِب به الخليفة، وفي قصر الخليفة الْتقى الشاعر بالسفير ابن حَموَيْه مبعوث المجاهد صلاح الدين الأيوبي إلى سلطان الموحدين، وقد روى قصائد من شعره. لقد اشتهر الكانمي باسم الشاعر الأسود.
– لقد وصلت إلينا بعض القصائد التي نظمها هذا الشاعر بواسطة ابن حَموَيْه وبعض المؤرخين العرب، وذلك بسبب زيارته لبلاد المغرب والأندلس ومخالطته الأدباء، في حين لم يصل إلينا شيء من معاصريه التشاديين في ذلك الوقت، فانقطعت أخبارهم كما ضاعت أشعارهم، ولعل المستعمر لعب دوارا في إتلاف ما بقي من مؤلفاتهم، عن طريق الإحراقُ، أو تحويلها إلى المتاحف الفَرنسية.
– ثم ظهر من بعدهم عددٌ من الشعراء التشاديين منهم: الشيخ محمد الوالي بن سليمان الباقرمي، والشيخ محمد الأمين الكانمي، والشيخ أحمد الحبو، والشيخ يعقوب أبو كويسة في سلطنة وادي، والشيخ الطاهر بن التلبي وله ديوان شعر، والشيخ عبد الحق السنوسي الذي اشتهر بمدح الرسول (ص)، وغيرهم من الشعراء الذين عملوا على نشر الشعر العربي في التشاد، والتواصل بين الثقافات الأفريقية والعربية.
– ومن الأدباء التشاديين أيضا، الشيخ محمد الأمين الكانمي (ت 1835م) وله رسائل وقصائد تبادلها مع الشيخ عثمان دان فوديو، وابنه محمد بيلو، وقد اتخذ من الأدب وسيلةً للتحاور والتواصل الأفريقي. أما الشعراء عباس محمد عبد الواحد وعيسى عبد الله ومحمد عمر الفال، فقد كرسوا شعرهم في دعوة الشعب التشادي إلى مقاومة الاستعمار.
– لقد ساهم الفقهاء والأدباء والشعراء التشاديون في التراث العربي الإسلامي منذ القرن السادس الهجري، ومنهم: الشيخ عبد الحق بن يعقوب التشادي، صاحب كتاب « تبصرة الحيران مِن هَوْل فتن الزمان » في مجال الفقه.
– كما أصبحت اللغة العربية هي اللغة الرسمية بعد دخول الإسلام في أفريقيا الغربية سنة 60هـ، وغدت الثقافة العربية الإسلامية أساس الحضارة والازدهار. غير أن الاستعمار الغربي عمل على طمس الثقافة العربية الإسلامية في دول السودان الغربي، وفرض اللغة الفرنسية والإنجليزية بدلا من العربية.

***

* – أدب الشعوب الهندية
1 – إندونيسيا:
– تتكون إندونيسيا من عدة جزر يطلق عليها الأرخبيل الإندونيسي ويتكلم أهلها اللغة الإندونيسية، أما الأدب الإندونيسي فهو مصطلح عام، يشير إلى أدب إندونيسيا كما يشير أيضا إلى آداب دول جنوب شرق آسيا التي تتحدث اللغات المتفرعة من لغة الملايو مثل ماليزيا وسلطنة بروناي وحتى الأقليات الملاوية التي تعيش في الدول المجاورة.
– يتحدث السكان عدة لغات في الأرخبيل الإندونيسي، بعضها مكتوب والبعض الآخر ظل شفويا، ولم تتبلور منها اللغة الوطنية الإندونيسية إلا في بداية القرن العشرين الميلادي، فالأدب الإندونيسي إذن، كتب بعدة لغات، لذلك يصعب تتبع تاريخ الأدب الإندونيسي والتمييز بين هذا الأدب وآداب لغات الملايو في البلدان المجاورة.
– عرفت إندونيسيا الأدب قبل اتصالها باللغات الهندية، وكان شفهياً تتناقله الأجيال، وبعد تطور الكتابة الجاوية بدأ الإندونيسيون يدونون أدبهم. وتعود أقدم نصوص الأدب في اللغة الجاوية الهندية إلى القرن الخامس للميلاد، وهي عبارة عن نقوش حجرية تمثل عادات وأعراف المجتمع الإندونيسي في تلك الفترة.
– لا يختلف الأدب الإندونيسي القديم في جاوة عن الأدب الهندي إلا في اللغة. لقد تأثر الأدباء بالملحمتين السنسكريتيتين « مهابهاراتا » و « رامايانا »‏ فنظموا ملاحمهم على منوال هاتين الملحمتين، كما استعاروا الأوزان الشعرية الهندية التقليدية. ومن الملاحم في اللغة الجاوية، ملحمة « أرجوناويواها » (1035م) للشاعر مبو كانوا (Mpu
Kanwa)‏، وملحمة « بهاراتايودها » (1157م) للشاعر مبو سيداه (Mpu Sidah)‏.
– انتشر الأدب الملحمي الجاوي القديم في جاوة وسومطرة ومملكة مجابهيت الملاوية وقد تأثر بمسرحيات خيال الظل التي ترجمت إلى الملاوية. تعتبر هذه الملاحم التي ظهرت في القرن الرابع عشر للميلاد، بداية للأدب الجاوي الجديد الذي ابتعد في مضامينه عن الموضوعات الهندية، وقد تناولت تاريخ وأمجاد مملكة مجابهيت. كما ظهر في هذه الفترة الشعر المبني على التفاعيل والقافية الموحدة مختلفا بذلك عن أوزان الشعر الهندي.
– وبعد سقوط مملكة مجابهيت انتهى الأدب الجاوي المتهند في إندونيسيا، ولم يبق للثقافة الهندية والتراث الجاوي إلا بعض الحكايات في سومطرة، مثل « حكاية الأمير راما » التي تشبه حكايات ألف ليلة وليلة، وقد دونت بالخط العربي، ومن خلال أسلوب التعبير وطريقة السرد، يظهر جليا على أنها تأثرت بأدباء مسلمين.
– وصل الإسلام إلى شبه جزيرة الملايو في بداية القرن الخامس عشر للميلاد ومع بداية القرن السادس عشر للميلاد انتشر في كامل جزيرة جاوة. وفي تلك الفترة عرف الأدب الملاوي الحكايات والملاحم الشعرية الفارسية التي لا تختلف كثيرا عن مثيلاتها الهندية. كما استخدم المسلمون الإندونيسيون الملاحم في نشر الإسلام وقد كتبوها على منوال الملاحم الجاوية، ووظفوا فيها شخصيات إسلامية بدلا من الشخصيات الوثنية.
– لقد ظهر في إندونيسيا في عهد الإسلام العديد من المؤلفات الدينية والصوفية باللغات المحلية، منها القصائد التي نظمها الصوفي السومطري حمزة بانسوري (Hamza Pansuri) الذي كان شاعر البلاط في مملكة أتْشِه، وقد تأثر في شعره بالأدب العربي. كما ظهرت في الأدب الملاوي نصوص في أخلاق الحكام مثل « تاج السلاطين » و « بستان السلاطين » (1638م) للترجمان نور الدين الرانيري الذي عاش في بلاط سلطان أتْشِه.
– ويعتبر كتاب « تاريخ الملايو »، وهو مجهول المؤلف، من أهم المؤلفات الملاوية في تاريخ المنطقة وأنماط حياة سكانها. ويتضح من خلاله أن مؤلفه كان يتقن عدة لغات وواسع الثقافة، إلا أنه كان يخلط بين الحقيقة التاريخية والخيال الملحمي، حيث استعار بعض الأحداث من الأساطير كما وظف بعض الشخصيات الغير الحقيقية.
– يمكن القول إن الأدب الإندونيسي تكون متأثرا بالحضارة الهندية أولا وهي المرحلة الهندية الجاوية التي تبدأ من القرن الخامس إلى القرن الخامس عشر الميلاديين، ثم الحضارة الإسلامية وهو العصر الملاوي من خلال الرحالة والتجار، والذي يمتد حتى القرن التاسع عشر للميلاد. وفي القرن العشرين للميلاد، بدأ التأثير الأوروبي واضحا على الأدب في إندونيسيا التي خضعت للاستعمار في القرن التاسع عشر للميلاد.
2 – ماليزيا:
– ظل الأدب الماليزي شفويا لعدة قرون في شبه جزيرة الملايو وذلك لغياب التدوين. يكتب الأدب الماليزي باللغة الملاوية وهي لغة ماليزيا وبعض دول جنوب شرق آسيا، كما يكتب أيضا باللغات الإنكليزية والصينية والتاميلية وذلك لوجود عرقيات أسيوية أخرى في البلاد. ولغة الملايو تشترك مع اللغة الإندونيسية في خصائصها وتختلف في التسمية. تستعير اللغة الملاوية عددا من الكلمات العربية، وعلى الخصوص المصطلحات الإسلامية، كما تأثرت أيضا باللغات الهندية والصينية وبعض اللغات الأوروبية.
– يشتمل الأدب الماليزي الشفهي على الخرافات والأساطير وكذلك الحكايات الشعبية، والملاحم بالإضافة إلى الشعر. لقد تأثر الأدب الماليزي بالتراث الإسلامي بعد دخول الإسلام إلى شبه الجزيرة في القرن الخامس عشر للميلاد، فظهر الأدب الديني المتمثل في قصص الأنبياء، وفي القرن التاسع عشر الميلادي بدأ تدوين الأدب الملاوي. تكتب اللغة الملاوية بالحرف اللاتيني، كما تستخدم أيضا الأبجدية العربية وتسمى الكتابة الجاوية.
– نظم الشعراء الماليزيون قصص التسلية والحكايات الغرامية، كما استخدموا شعرهم في تسجيل الأحداث التاريخية التي مر بها المجتمع الملاوي. ولم يقتصر الأدب على الشعر فحسب، بل هناك كُتاب عرفوا بتميزهم في النثر ومنهم الكاتب عبد الله بن عبد القادر المعروف باسم مونشي عبد الله (ت 1854م)، وهو كاتب ومترجم ومدرس ماليزي من أصل عربي. ومن أهم أعماله « حكايات عبد الله » وهي سيرة ذاتية، و « قصة رحلته إلى كلنتن »، و « قصة حجه إلى مكة المكرمة ».
– ونظرا لظروف تاريخية، نجد بعض الأدباء الماليزيين ينحدرون من مقاطعات إندونيسية، ومنهم حمزة فانسوري (أو بانسوري) الكاتب الصوفي الذي ينحدر من سومطرة الواقعة في إندونيسيا حاليا، وقد اشتهر بكتابة السير وعاش في القرن السابع عشر للميلاد، ويعد من الشعراء الماليزيين الأوائل الذين وصلت قصائدهم المكتوبة.

***

* – أدب الشعوب الفارسية
– فتح العرب آسيا الوسطى في القرن الثامن للميلاد، حيث أصبح الإسلام الدين الرسمي في المنطقة وظلت النصوص تكتب بالخط العربي. لقد بدأ تطور الحياة الثقافية في عهد الدولة السامانية. وفي القرن الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين بلغت آسيا الوسطى نهضة علمية، حيث تم إنجاز الفنون الجميلة والهندسة المعمارية والموسيقى.
– وفي هذه الفترة ظهر علماء موسوعيون، تأثرت الحضارة العالمية من بعدهم بتجاربهم واكتشافاتهم العلمية. غير أن غزو المغول لآسيا الوسطى أثر سلبا على الحياة الأدبية والعلمية في المنطقة. جهل المغول دفع ببعض العلماء إلى هجرة بلدانهم والانتقال إلى بلدان أخرى عربية وفارسية وهندية وتركية.
1 – أفغانستان:
– أفغانستان بلد متعدد اللغات والأعراق وأدبها متأثر إلى حد كبير بالأدب الفارسي والأدب العربي. وعلى غرار اللغة الفارسية تستخدم اللغات الأفغانية الأبجدية العربية، وتعتبر الباشتو والداري اللغات الرئيسية في البلاد. ظهر الأدب الأفغاني شفهيا وامتد لعدة قرون قبل أن يكتب بعد اتصاله بالنصوص العربية.
– لا شك أن الأدب الأفغاني القديم يرتبط بالحضارات الفارسية والهندية، لكن لم يصل شيء منه. لقد عرفت فترة الفتح الإسلامي وما بعدها حضارة راقية ازدهر فيها العلم والأدب خاصة في بلخ وهرات وجلال آباد وغيرها من المدن والأقاليم التي اشتهرت بالعلماء والأدباء والمفكرين. ومن علماء هرات وأدبائها، أبو الفضل المنذري (ت 940م) الذى صنف عدة مؤلفات، منها « نظم الجمان » و « تهذيب اللغة » و « شرح ديوان أبي تمام » وغيرها، وهو أحد كبار علماء اللغة العربية. ومن علماء المدينة أيضا، أبو المظفر الهروي النحوي والأديب المشهور؛ وكذلك أبو الحسن الهروي صاحب مؤلفات في اللغة والنحو والخط العربي.
– وفي القرن الثاني عشر للميلاد خلال عصر الدولة الغزنوية أصبحت الفارسية لغة الأدباء والعلماء، ومع ذلك ظل الكثير من الكتاب الأفغان يؤلفون بلغة القرآن ومن بينهم شيخ الإسلام عبد الله الخزرجي الأنصاري الهروي تلميذ أبي بكر البيهقي وصاحب كتاب « ذم الكلام وأهله »، اشتهر بالتصوف، كما له قصائد وكتب أخرى بالعربية والفارسية. وأما سعيد بن مسعدة البلخي، وهو من كبار النحاة في عصره، فله كتاب « تفسير معاني القرآن » و « شرح أبيات المعاني » و « الاشتقاق » وغيرها من الكتب.
– أما الشعر الأفغاني القديم فيغلب عليه الطابع الصوفي، وله تقاليد مكتوبة وشفوية بمختلف لغات البلاد. ويعد الشاعر الكبير جلال الدين الرومي (ت 1273م) شاعرا أفغانيا، رغم أنه عاش معظم حياته بقونية بتركيا. لقد كتب بلغة الداري ثم بالفارسية والعربية مثل باقي الشعراء الأفغان، ويعرف باسم مولانا جلال الدين الرومي وهو شاعر متصوف صاحب المثنوي المشهور بالفارسية، وتنسب إليه الطريقة المولوية.
– وأما الشاعر علي شير النوائي (ت 1501م)، فيعتبر من أكبر الأدباء الأفغان. لقد بدأ نظم الشعر وهو صغيرا. زار النوائي عددا من دول الشرق الإسلامي والتقى بأدبائها. ولما أصبح وزيرا في هرات بخرسان، خلال حكم التيموريين، عمل على رعاية الأدباء كما شيد المدارس والمساجد في البلاد. ومن أهم مؤلفاته الشعرية، ديوان « خمسة » الذي يضم قصائد « خيرة الأبرار »، و « فرهاد وشيرين »، و « ليلى ومجنون »، وغيرها.
– أما جمال الدين الأفغاني فهو من أعلام النهضة في القرن التاسع عشر الميلادي ومجددا للفكر الإسلامي. تلقى علوم الدين والتاريخ والفلسفة، وكان كثير الترحال، حيث سافر شرقا وغربا. أصدر مع تلميذه محمد عبده في باريس جريدة « العروة الوثقى » يدعو من خلالها الأمم الإسلامية إلى الاتحاد من أجل النهضة والثورة على الاستعمار.
– كان جمال الدين الأفغاني ملماً باللغات العربية والفارسية والتركية كما تعلم أيضا الفرنسية والإنجليزية والروسية، وله العديد من المؤلفات أشهرها تاريخ أفغانستان المسمى « تتمة البيان في تاريخ الأفغان ». لقد تقلد مناصب عليا في عهد الملك محمد خان، قبل أن يرحل إلى الهند ومنها إلى مصر بعد سيطرة الإنجليز على البلاد. تُوُفِّيَ الأفغاني سنة 1897 للميلاد بالأستانة في ظروف غامضة.
2 – طاجيكستان:
– ينحدر الشعب الطاجيكي من أصول فارسية، هاجرت قبل الإسلام إلى أفغانستان وطاجيكستان وأوزباكستان ومناطق أخرى من آسيا الوسطى، تتحدث هذه القبائل باللغة الفارسية وبعض اللغات المحلية. دخل الإسلام هذه المناطق مع الفتوحات في ما وراء النهرين التي قادها زياد بن أبيه، والمهلب بن أبي صفرة، وغيرهما. ويرتبط التاريخ الطاجيكي أساسا بالدولة السامانية التي أسسها سامان خدا في عام 819 للميلاد خلال حكم الدولة العباسية، حيث توحد الشعب الطاجيكي في عهد هذه الدولة.
– لقد عرفت طاجيكستان اللغة العربية مع بداية الفتح الإسلامي لبلاد ما وراءِ النهر. جاء في كتاب المقدسي « أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم »: أن بلاد ما وراء النهر من أكثر الأقاليم علما وفقها، كان ذلك في القرن العاشر للميلاد حينما زار المقدسي
المنطقة. وترجع عوامل هذه النهضة التي عرفها الشعب الطاجيكي إلى الروابط المتينة التي كانت بينه وبين الشعوب العربية في تلك الفترة.
– لقد أنشأ الأمراء المساجد والمدارس في عدة مدن طاجيكية وأوزبكية، وذلك من أجل تدريس العلوم الدينية واللغة العربية والأدب وغيرها من العلوم والفنون، كما جعلوا اللغة العربية لغة العلم في تلك الفترة، حتى أن كثيرا من علماء الطاجيك وبلاد ما وراء النهر ألفوا العديد من الكتب العلمية والأدبية باللغة العربية.
– وأما الأدب الطاجيكي فهو الأدب الذي يكتب باللغة الطاجيكية وينتمي كتابه إلى عدة مدن من آسيا الوسطى، منها بخارى وسمرقند في أوزبكستان حاليا، والمجتمعات الطاجيكية في بلخ وهرات في أفغانستان. والطاجيك هم من الشعوب الآرية التي اعتنقت الإسلام، وقد ذكرهم ابن بطوطة في رحلته عند زيارته للمنطقة.
– ينتمي الشعراء الطاجيك إلى عدة مناطق مختلفة ويكتبون باللغتين الطاجيكية والفارسية. يعتبر الشاعر الطاجيكي الرودكي السمرقندي (Rudaki) (ت 941م) مؤسسا للأدب الطاجيكي، وأبرز الشعراء الناطقين بالفارسية وقد أصيب بالعمى. حفظ القرآن الكريم وهو لم يتجاوز الثامنة من عمره وبدأ نظم الشعر وهو صغيرا أيضا.
– رحل الشاعر رودكي إلى سمرقند واتصل بالبلاط الساماني. أصبح موسيقيا ومغنيا كما كان يعرف اللغة العربية من خلال تعليمه المدرسي. نظم قصائد غزلية مشهورة باللغات الدرية والفارسية، وكان يستخدم الأساليب الشعرية البسيطة. كما ترجم أثناء إقامته في بخارى قصص « كليلة ودمنة » التعليمية من العربية إلى اللغة الدرية وهي لغة أفغانية.

***

* – أدب الشعوب التركية
1 – أذربيجان:
– يكتب الأدب الأذربيجاني باللغة الأذرية، وهي إحدى اللغات التركية المتأثرة باللغة العربية والفارسية، وهي اللغة الرسمية لدولة أذربيجان. تُستخدم اللغة الأذربيجانية أيضاً في شمال غرب إيران وفي منطقة داغستان الروسية وجنوب شرق جورجيا وشرقيّ تركيا. تكتب الأذرية بالأبجدية اللاتينية في أذربيجان وبالحرف العربي في إيران وبالسيريلية في روسيا.
– بدأ الأدب الكلاسيكي في اللغة الأذرية بأذربيجان في القرن الرابع عشر للميلاد وتطور في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين لارتباطه بالأدب التركي الأناضولي المكتوب بالخط العربي الفارسي. وينقسم الأدب الأذربيجاني الذي يغلب عليه الشعر الغنائي، إلى أدب شعبي محلي وأدب مكتوب، وقد شهد الأدب بعض الركود في القرن التاسع عشر للميلاد لأسباب سياسية.
– نظم الشعراء القصائد الأذرية التقليدية خلال القرن الرابع عشر للميلاد باللهجات القديمة الشيروانية في أذربيجان والتبريزية في إيران، ومن أبرز الشعراء في تلك الفترة: غازي برهان الدين، وجهان شاه قره وعلي عماد الدين نسیمي، وهو أوّل من نظم الدواوين بالتركية، كما نظم أيضا بالعربية والفارسية.
– ثم تطوّرت النظم الشعرية الغزلية والديوانية فيما بعد على يد قاسم الأنور ومحمد بن سليمان والشاه إسماعيل الصفوي وغيرهم. كما انتشر الأدب الرومانسي بعد إدخال نمط « العاشق » إلى الأشعار الأذرية، والذي يرجع فيه الفضل إلى الشاه إسماعيل الصفوي، الذي نظم عدة قصائد في هذا الموضوع باللغة الأذرية.
– الأدب الشعبي الأذربيجاني هو أدب شفوي من التقاليد البدوية العريقة في آسيا الوسطى. فهو عبارة عن حكايات شعبية تعكس حياة المواطنين البدوية بآمالها وآلامها. يبدأ الأدب الشعبي الأذربيجاني من القرن الثالث عشر للميلاد حتى اليوم، وهناك ثلاثة أنواع في التقليد الشعبي: الملحمة والشعر الشعبي والفولكلور.
– يعد كتاب « ديدي كوركوت » (Dede Korkut) أو الجد كركوت، من أقدم الملاحم الأذربيجانية في القوقاز والأناضول ويرجع تاريخه إلى القرن الحادي عشر للميلاد وتم تدوينه في القرن الخامس عشر للميلاد، وهو عبارة عن قصص تتحدث عن حياة قبائل الترك الأوغوز. ومن الملاحم القديمة أيضا، « كور أوغلو » وهي عبارة عن مغامرات رجل من أجل الانتقام. ثم ظهرت ملاحم أخرى وكلها من التقاليد الشفوية في اللغة الأذربيجانية.
– ظهر الشعر الشعبي في الأدب الأذربيجاني متأثرا بالتقاليد الإسلامية الصوفية. وتعد أغنية « عاشق أوزان » من أقدم التقاليد الشعبية. وهي أغاني وأشعار مجهولة المصدر ظلت شفهية حتى القرن التاسع عشر للميلاد. لقد وصلت أسماء بعض العشاق وهم من المنشدين الذين كانوا يتجولون عبر الأناضول ويؤدون أغانيهم الصوفية رفقة آلة موسيقية.
– لقد تأثر شعراء الديوان الأذربيجانيون في البداية بالشعر الفارسي الكلاسيكي، وفي القرن السادس عشر أخذ شعرهم الطابع الوطني، وفي القرن التاسع عشر للميلاد بدأ الاحتكاك من جديد بين شعر الديوان العثماني والشعر الصفوي. ويعد الشاعر نسيمي (ت 1417م) من كبار الشعراء الأذربيجانيين القدامى.
– ومن شعراء الديوان الأذربيجانيين نذكر: فوزيلي (ت 1556م) الذي نظم باللغة الأذربيجانية والفارسية والعربية. والنفعي (ت 1635م) الذي اشتهر بقصائد المدح والهجاء. وأما النبي (ت 1712م) فقد انتقد في قصائده الأوضاع الاجتماعية. وكذلك الشاعر نديم (ت 1730م) الذي استخدم في شعره عناصر اللغة البسيطة. وأما شاه غالب (ت 1799م) فهو شاعر صوفي ينتمي إلى الطريقة المولوية.
– لقد تأثر الأدب الأذربيجاني بالأدب الفارسي منذ مراحله الأولى. ومن بين الشعراء الفرس الذين أثروا في الأدب الأذربيجاني نذكر: الفردوسي، وحافظ، وسعدي، وعطار، والرومي. كما تأثر الأدب الأذربيجاني أيضا بالأدب العربي وخاصة الشعر الصوفي، وأما القرآن الكريم والأحاديث النبوية فهما الأكثر تأثيرا على الأذربيجانيين. غير أنه خلال القرن التاسع عشر للميلاد وبعده انفصلت أذربيجان عن محيطها الفارسي فتأثر الأدب الأذربيجاني بالثقافة الروسية، ومع ذلك، ظلت بعض النخب متمسكة بجذورها وتقاليدها التركية والفارسية.
2 – أوزبكستان:
– أنجبت بلاد ما وراء النهر (أوزبكستان حاليا) شخصيات عظيمة في العلوم الإسلامية، وعلى رأسهم الإمام البخاري صاحب الصحيح، والترمذي صاحب السنن وابن سينا الفيلسوف والخوارزمي عالم الرياضيات والعلامة البيروني، وغيرهم ممن كان لهم أثر كبير في العلوم والدين والفكر السني والفلسفة والأدب واللغة وفي التاريخ الإسلامي.
– يشتهر الأدب الأوزبكي بالأساطير القديمة التي لا تختلف كثيرا عن الأساطير العربية نظرا للتراث المشترك الذي ربط بين الشرق العربي والشعوب الأسيوية ومنها الشعب الأوزبكي. تشكلت هذه الأساطير عبر القرون، نقلها الرواة من جيل إلى جيل شفهيا إلى أن وصلت بشكلها النهائي المكتوب. والأساطير الأوزبكية عبارة عن حكايات موجزة تعبر عن الماضي الحضاري للمجتمع الأوزبكي.
– ازدهر الأدب الأوزبكي في الفترة ما بين القرنين العاشر والثالث عشر للميلاد وهو العصر الذهبي لآسيا الوسطى. يتميز الأدب الكلاسيكي الأوزبكي بالأفكار الصوفية التي تنتمي إلى عدة تيارات، كالطريقة المولوية والقادرية والنقشبندية وغيرها.
– لا يختلف الأدب الأوزبكي المكتوب والشفهي عن الآداب العربية والفارسية إلا في اللغة. كما يشترك مع الأدب الفارسي والأدب التركي في الصور البلاغية والأساليب الفنية. لقد كتب الأوزبك أدبهم في القرون الوسطى باللغة الأوزبكية التركية وكذلك بالفارسية الطاجيكية التي كان لها مكانة كبيرة في المجتمع في عهد السامانيين والغزنويين والسلاجقة.
– لقد انتشر في هذه الفترة الشعر الملحمي والرومانسي، ومن بين الأدباء الذين كان لهم الفضل في تطوير الأدب الأوزبكي، مير علي شير نافاي المعروف بالنوائي (ت 1501م)، رغم أنه ولد في هرات الأفغانية، وقد سبق ذكره. لقد كان رائدا في عصره للشعر الفارسي الطاجيكي وكذلك الشعر التركي الأوزبكي.
– يعتبر علي شير النوائي الذي ساهم بشكل كبير في تطوير اللغة الأوزبكية، مؤسس الأدب التركي الأوزبكي. لقد نظم شعرا متميزا بلغة الجاجتاي الأوزبكية القديمة. بالإضافة إلى نظمه الشعر، كان صوفيا ولغويا ورساما. كما كان دبلوماسيا يدعو دول آسيا الوسطى إلى العيش في سلام وتفاهم. كتب النوائي أيضا باللغة الفارسية وباللغتين العربية والهندية.
– ومن الشواعر الأوزبكيات الشاعرة نادرة التي ولدت عام 1792 للميلاد في مدينة أنديجان الأوزبكية. لقد كتبت أعمالها باللغة الأوزبكية وكذلك باللغات الفارسية الطاجيكية. أصبحت وصيا لابنها على عرش « خانات خوقند » (Kokand khanate) بعد وفاة زوجها في عام 1822 للميلاد، حيث ساهمت في بناء المدارس كما ساعدت الأدباء والشعراء. كتبت نادرة العديد من القصائد في الغزل والتصوف. انتهت حياتها بشكل مأساوي مع أبنائها في عام 1842 للميلاد، بتدبير من المتعصبين الدينيين.
– أما أبو الريحان البيروني (ت 1048م) فهو من أعظم العلماء الأوزبك، كان رحّالة وفيلسوفا وفلكيا وجغرافيا وعالما في الرياضيات ومؤرخا ومترجما ولغويا. وهو أول من قال بدوران الأرض حول محورها في كتابه « مفتاح علم الفلك »، كما صنف أكثر من مائة كتاب. من كتبه « الآثار الباقية عن القرون الخالية » ألفه في جرجان التي رحل إليها سنة 999 للميلاد. كان البيروني يتحدث باللغات الفارسية والعربية والإغريقية والسنسكريتية.
– بحث البيروني في كافة مجالات العلوم تقريبا، كما تأثر بالفكر اليوناني خلال دراسته للفلسفة. لقد اتصل البيروني بالفيلسوف ابن سينا بعد انتقاله من بلده خوارزم إلى بخارى، حيث تناقشا حول المسائل العلمية. استقر البيروني في غزنة لمدة طويلة في عهد محمود الغزنوي الذي اصطحبه إلى جنوب آسيا حيث مكث مدة طويلة في الهند وألف كتابا حول الثقافة الهندية بعنوان « تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة ». يعتبر البيروني أول مؤسس للدراسات الهندية.
– وللبيروني كتب أخرى منها « القانون المسعودي »، « التفهيم لأوائل صناعة التنجيم »، وكتاب « المقالات والآراء والديانات » في الفلسفة، و « مفتاح علم الهند »، و « جوامع الموجود في خواطر الهنود »، وغيرها. ولم يقتصر على التأليف في العلوم التطبيقية بل صنف أيضا في الأدب، ومن كتبه في هذا المجال: « شرح ديوان أبي تمام »، و « مختار الأشعار والآثار ».

***

* – أدب الشعوب الأوروبية
1 – ألبانيا:
– ظهر الأدب في ألبانيا منذ العصور الوسطى. لقد كتب الألبانيون أدبهم باللغة الألبانية، وبالإضافة إلى بلدهم ألبانيا يتواجدون أيضا في كوسوفو. تختلف اللغة الألبانية عن اللغات الهندية الأوروبية، ولم يتّضح أصلها بعد، ومع ذلك فقد استخدم الألبان الأحرف اللاتينية في كتابة النصوص الدينية في القرون الوسطى. وفي القرن الربع عشر للميلاد ظهرت بعض السجلات التاريخية باللغة العامية.
– وفي القرن السادس عشر للميلاد كتب بيتر بودي النصوص النثرية والشعرية الأولى في الأدب الألباني، وفي الفترة نفسها نشر فرانج وايت قاموسًا وأعمالًا فلكلورية أيضًا. وفي القرن السابع عشر للميلاد ألف بيتر بوجداني كتابا في الفلسفة واللاهوت كما دعا إلى نشر المعرفة والثقافة في المجتمع. ومن الأدباء البارزين أيضا، جوليو فاريوبا الذي يعد من قدامى الكتّاب في الأدب الألباني.
– أصبحت ألبانيا تحت الحكم العثماني منذ القرن الخامس عشر للميلاد، وبعد انتشار الإسلام في البلاد، بدأ المثقّفون المسلمون كتابة اللغة الألبانية بحروف عربية، فنتج عن ذلك أدب جديد متأثرا بالثقافات العثمانية والعربية. بالمقابل، ظل بعض أدباء الطوائف الدينية الخرى يكتبون بالحروف اللاتينية والبعض الآخر بالحروف الإغريقية حسب المذهب.
– كان المثقفون في ألبانيا يتخذون من المقهى مكانا يتناقشون فيه وينظمون فيه قصائدهم. ومن المواضيع الشعرية التي تطرق إليها الشعراء الألبان، الغزل الصوفي والغزل الدنيوي، كما نظموا القصائد أيضا في إصلاح المجتمع. ومن بين شعراء تلك الفترة البارزين، إبراهيم بيراتي (ت 1760م) الذي سجن بسبب نقده للأوضاع الاجتماعية. لم يهتم الحكام العثمانيون بالطباعة عكس الأوروبيين، لذا ظل التراث الأدبي الألباني للأدباء المسلمين مخطوطاً، وقد ضاع معظمه بسبب حروب المنطقة، بينما ولم تطبع هذه النصوص إلا في القرن التاسع عشر للميلاد، وقد ضاع معظمه بسبب الفتن. أما التراث المسيحي الألباني فقد بدأت طباعته قبل ذلك.
– إنّ أقدم نص أدبي مكتوب بالحروف العربية يتمثل في قصيدة عن القهوة تعود إلى 1724م، وتنسب إلى الشاعر موتشي زاده. تتألف القصيدة من 17 مقطوعة شعرية رباعية الأبيات وقافيتها (أأأب)، وهذا النوع من التقفية ظهر عند العرب أولا ثم انتقل إلى الشعر الفارسي وكذلك الشعر التركي التي تأثر به الشعراء الألبان. ويكون الشعراء المسلمون الألبان أول من أدخل الشعر العاطفي والاجتماعي إلى الأدب الألباني.
2 – البوسنة:
– البوسنة من دول البلقان (الروملي) تم فتحها من قبل العثمانيين سنة 1463 للميلاد، حيث هاجر إليها أعداد كبيرة من المسلمين كما اعتنق جل البوشناق الدين الإسلامي. كانت سراييفو التي أنشأها العثمانيون على النمط الشرقي الإسلامي، من أكبر مراكز الثقافة الإسلامية في البوسنة والهرسك وفي البلقان أيضا. كما استخدم البشانقة اللغة العربية في إسهاماتهم الثقافية الإسلامية ونشر الإسلام في البلاد.
– لاحظ الرحَّالة العثماني الشهير أوليا چلبي الذي زار سراييفو سنة 1660 للميلاد، أن المدينة، التي تعد من أكبر مدن جنوب شرق أوروبا، كانت تحتوي على 77 جامعا و100 مسجد والعديد من المدارس و180 مكتبا لتعليم الأطفال، وغيرها. كما شهدت هذه المدينة علماء وأدباء بوسنيين كبار بلغ صداهم حتى في تركيا والبلدان العربية.
– يعد نصوح السلاحي (ت 1564م) من كبار العلماء البوسنيين، كان كاتبا ومؤرخا وجغرافيا وعالم رياضيات ورسام المنمنمات. عاش في عهدي السلطان سليم الأول والسلطان سليمان القانوني، حيث أرخ لفتوحاتهما. له مجموعة من الكتب حول الفتوحات العثمانية، وكتب في الرياضيات، كما ترجم كتاب « تاريخ الطبري » ورسم خرائط للمدن العثمانية.
– ومن العلماء البوسنيين البارزين أيضا، المؤرخ إبراهيم بجوي (ت 1650م)، ومن أهم كتبه « تاريخ بچوي »، الذي أرخ فيه للدولة العثمانية من عهد السلطان سليمان القانوني حتى عهد السلطان مراد الرابع، وقد تُرجم الكتاب إلى العربية. أما حسن كافي الأقحصاري (ت 1616م)، فهو فقيه وأديب كتب بالعربية والتركية والفارسية. له كتب في الدين والنحو والفلسفة وقصائد شعرية باللغة العربية. ويعد كتابه الموسوم بـ « أصول الحُكم في نظام العالم »، من أهم الكُتب في التاريخ العثماني، وقد تُرجم إلى عدة لغات أوروبية.
– تعد مدرسة الغازي خسرو بك التي يعود تأسيسها إلى سنة 1537 للميلاد، من أكبر المدارس في مدينة سراييفو اليوم، والتي تضم في مكتبتها مجموعةٍ كبيرةٍ من الكتب والمخطوطات في التراث الإسلامي. أُلفت هذه الكتب على مدى قرون باللغات العربية والتركية والفارسية وكذلك باللغة البوسنوية المكتوبة بالحرف العربي، وتتمثل في كتب الفقه والحديث والتفسير والجغرافيا والطب والتاريخ وغيرها.
– ظهر في البوسنة نوع من الكتابة الأدبية تسمى « الألياميادو »، وهي كتابة اللغات الأوروبية بحروفٍ عربية، ومنها اللغة الصربية الكرواتية (البوسنية حاليا). يسمى هذا الخط عند البوسنيين بخط « عربيتسا » أو الخط « البوسانتشيكي »، استخدمه الأدباء البوسنيون في قصائدهم الدينية والاجتماعية على منوال الأوزان الشعرية العربية.
– ولم يقتصر الخط العربي على نظم القصائد فحسب، بل استخدموه أيضا في التصنيف اللغوي والدين، ومنهم الأديب محمد خفاجي البوسنوي الذي ألف قاموسا بوسني – تركي سنة 1631 للميلاد. وكذلك الشاعر سيِّد عبد الوهاب إلهامي الذي ألف « الكتاب البوسنوي في علم السلوك »، وهو كتاب في الواجبات الدينية، وقد نُشر سنة 1821 للميلاد.
3 – كوسوفو:
– فتح العثمانيون كوسوفو سنة 1389 للميلاد بعد معركة قوصوة (وهي التسمية العثمانية لكوسوفو)، التي دارت بين الجيش العثماني بقيادة السلطان العثماني مراد الأول وبين الأمير الصربي لازار هربليانوفيتش اللذين قتلا أثناء المعركة. وبعد ذلك أصبح الإسلام هو الدين السائد في هذه المنطقة، كما تعرف أهلها على الثقافة العربية.
– كوسوفو هي إحدى دول البلقان في جنوب شرق أوروبا، وأغلب سكانها من أصل ألباني أو صربي بالإضافة إلى الأتراك. لقد كتَب أدباؤها في العصر العثماني النصوص الأدبية باللغة الألبانية والصربية والبوسنية والتركية، وقد استخدموا الخط العربي في الكتابة. كما اشتهرت كوسوفو بكثرة الأدباء والكتاب البارزين في العصر العثماني.
– ظهر الأدب الصربي في كوسوفو منذ القرن الثالث عشر للميلاد. وفي العصر العثماني شُيّدت المكتبات والمدارس التي انتشرت بواسطها الثقافة العثمانية. كما برز عدد من الكتاب من بينهم، بيتير بوجداني الذي يعد أول كاتب كوسوفي من أصل ألباني، والمؤرخ جلال زاده صالح شيليبي، والشاعر بريستيناشي ميسيهي الذي نظم القصائد التركية الفكاهية. ومنهم أيضا، الشاعر والمترجم عاشق شيليبي، والشاعر طاهر أفندي جاكوفا.
– وبعد سقوط الخلافة العثمانية وإعلان الجمهورية في تركيا، أثر ذلك على الثقافة الإسلامية في كوسوفو، فبدأ ألبان كوسوفو يبتعدون عن الثقافة الشرقية متأثرين بالثقافة الصربية، كما تخلوا عن الحرف العربي في كتابة لغتهم، مما أدى إلى ضياع الكثير من المخطوطات النفيسة الأدبية والعلمية والتاريخية وغيرها.

***

د. محمد عباسة: محاضرات في الأدب المقارن، جامعة مستغانم 2008م-2022م.

***

Concevoir un site comme celui-ci avec WordPress.com
Commencer